هو كافي الكفاة إسماعيل بن عباد، ولد في إصطخر، وقيل في الطالقان بين قزوين وأبهر سنة ٣٢٤ أو ٣٢٦هـ، وكان أبوه كاتب ركن الدولة، وعضد الدولة البهويهيين، وكان شيعيًا غير غال، وتوفي في السنة التي توفي فيها ابنه.
وابن عباد هو الوزير الثاني الذي لمع اسمه في بلاط البويهيين، وقد درس على أبيه، وأخذ عنه مذهبه الديني والسياسي، وأخذ الأدب عن أحمد بن فارس اللغوي المعروف، وأكمل دراسته ببغداد، ولما عاد إلى وطنه في الري خدم في دواوين أبي الفضل بن العميد، ويظهر أنه أعجب به فقر به منه، وما لبث أن اختاره ليكون مربيًا لمؤيد الدولة، أخى عضد الدولة، وكانت إقامة مؤيد الدولة بأصبهان، فأقام معه فيها، ولقب بالصاحب لصحبته له صغيرًا.
ولما تقلد شئون الدولة بعد أخيه عضد الدولة، اتخذ الصاحب وزيرًا له، واستمر على وزارته حتى توفي، فوزر من بعده لأخيه فخر الدولة، وظل في الوزارة حتى وافته منيته عام ٣٨٥ هـ، وقد قضى في الوزارة نحو ثمانية عشر عامًا١، ويقال: إن أباه ألف كتابًا نصر فيه الاعتزال، وكان محدثًا روى عنه ابنه وغيره٢، ويظهر أن ابن عباد ورث هذه الجوانب في أبيه، فقد نشأ على الاعتزال٣ كما نشأ على التشيع ومحبة العلم، ويقال: إنه خرج يومًا -وهو وزير- متطلسًا متحنكًا بزي أهل العلم لرواية الحديث وإملائه على الناس، وكما كان يولع بالحديث كان يولع باللغة، وقد ألف فيها كتاب المحيط في سبع مجلدت، وله كتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب، وأيضًا رسالة صغيرة في الكشف عن مساوئ المتنبي٤.
وما من ريب في أنه لو لم يشغل بالوزارة، ولا الكتابة لكان علالمًا ممتازًا من علماء عصره، ولعله من أجل ذلك كان يشجع على التأليف، كما كان يؤشجع على الشعر، وكان يعجب بالكتابة الرفيعة، ومدحه مكاتبة الشريف الرضي، وأبو إسحاق الصابي، "واحتف به من بحوم الأرض، وأفراد العصر وأبناء الفضل، وفرسان الشعر من يربى عددهم على شعراء الرشيد، ولا يقصرون عنهم في الأخذ برقاب القواف، وملك رق المعاني"٥، وحدث ابن بابك، قال: "سمعت الصاحب يقول: مدحت بمائة ألف قصيدة شعر، عربية وفارسية، وقد أنفقت أموالي على الشعراء والأدباء، والزوار والقصاد"٦. وكان ينافسه في هذه الحركة -على ما يظهر- سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي، الذي فتح الثعالبي في يتيمته فصلًا لمداحه من الشعراء، وقد أنشأ دارًا للعلم
_________________
(١) ١ معجم الأدباء "طبع مصر" ٦/ ١٧١. ٢ نفس المصدر ٦/ ١٧٢. ٣ اليتيمة ٣/ ١٧٩، ومعجم الأدباء ٦/ ١٧٤. ٤ وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٧٥. ٥ اليتيمة ٣/ ١٦٩. ٦ معجم الأدباء ٦/ ٢٦٣.
[ ٢١٣ ]
في الكرخ ببغداد، كل ذلك منافسة لإسماعيل بن عباد١، ويقول ابن خلكان عن تلقبه بلقب الصاحب: وهو "أول من لقب بذلك اللقب من الوزراء؛ لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد، وذكر الصابي في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب؛ لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذ اللقب واشتهر به"٢.
وقد كان الصاحب معجبًا بفنه تياهًا به، واستغل فيه هذا الجانب خصمه أبو حيان التوحيدي، فثلبه أقبح ثلب٣، ومن ثلبه له ما يقصه من أن رجلًا من أهل الشام "ورد إليه، فكان فيما استخبره عنه: رسائل من تقرأ عندكم؟ فقال: رسائل ابن عبد كان، قال: ومن؟ قال: رسائل الصابي، وغمزه أحد جلسائه ليقول رسائل الصاحب، فلم يفطن الرجل، ورآه الصاحب، فقال: تغمز حمارًا لا يحس"٤. ويقول التوحيدي أيضًا: إنه كان في مجلسه شخص يسمى أبا طالب العلوي، "وكان إذا سمع منه كلامًا يسجع فيه، وخبرًا ينمقه؛ ويرويه، يبلق عينيه، وينشر منخريه، ويري أنه غشي عليه حتى يرش على وجهه ماء الورد، فإذا أفاق قيل: ما أصابك، ما عراك، ما الذي نالك وتغشاك؟ فيقول: ما زال كلام مولاي يروقني، ويونقني حتى فارقني لبي، وزايلني عقلي، وتراخت مفاصلي وتخاذلت عرى قلبي، وذهل ذهني وحيل بيني وبين رشدي، فيتهلل وجه ابن عباد عند ذلك وينتفش"٥، ويظهر أنه كان يسجع في حديثه وكلامه، ويقص الرواة طرفًا له في ذلك كثيرة٦. يقول أبو حيان: "وكان كلفه بالسجع في الكلام والقول، عند الجد والهزل، يزيد على كلف كل من رأيناه في هذه البلاد، قلت لابن المسيبي: أين يبلغ ابن عباد في عشقه للسجع؟ قال: يبلغ به ذلك لو أنه رأى سجعة تنحل بموقعها عروة
_________________
(١) ١ Nicholson، ;it Hist. of Aeabs،p. ٢٦٧. ٢ وفيات الأعيان ١/ ٧٥. ٣ معجم الأدباء ٦/ ١٧٦. ٤ معجم الأدباء ٦/ ٢٥٨. ٥ معجم الأدباء ٦/ ٢٣٧. ٦ نفس المصدر ٦/ ٢١٣.
[ ٢١٤ ]
الملك، ويضطرب بها حبل الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غرم ثقيل، وكلفة صعبة وتجشم أمور، وركوب أهوال لما كان يخف عليه أن يفرج عنها ويخليها، بل يأتي بها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها١"، وكانوا يزعمون أن سجعة اضطرته إلى عزل قاضي مدينة قم: فإن قال يوما: أيها القاضي بقم، ثم حاول أن يكمل السجع فأعنته ذلك فقال: قد عزلناك، فقم. ويبدو أن إغرامه بالسجع على هذا النحو كان قديما فيه، فقد روى الرواة عن ابن العميد أنه قال: "خرج ابن عباد عن عندنا من الري متوجهًا إلى أصفهان وطريقة رامين، فجازوها إلى قرية غامرة، وماء ملح لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت في نصف النهار"٢.
ولعل أول ما يلاحظ في سجع الصاحب، أنه يمتاز بالخفة والعذوبة فهو في لفظة أكثر صفاء، وأكثر تنغيما من معاصريه من كتاب الدواوين، واستمع إلى هذه الرسالة القصيرة، التي كتب بها إلى أحد القضاة، وقد وفد عليه في الري٣:
"تحدثت الركاب بسير "أروى" إلى بلد حططت به خيامي
فكدت أطير من شوق إليها بقادمة كقادمة الحمام
أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله! بل هو درك العيان، وإنه ونيل المنى سيان، فمرحبًا أيها القاضي براحلتك ورحلتك، بل أهلًا بك وبكافة أهلك، ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحث المطي تزل غلتي برؤياك، وتزح علتي بلقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدًا مشرفًا، ونتخذه موسمًا ومعرفًا، ورد الغلام، أسرع من رجع الكلام فقد أمرته أن يطير على جناح نسر، وأن يترك الصبا في عقال وأسر:
سقى الله دارات مررت بأرضها فأدنتك نحوي يا زياد بن عامر
أصائل قرب أرتجي أن أنالها بلقياك قد زحزحن الهواجر"
_________________
(١) ١ معجم الأدباء ٦/ ٢٠٧. ٢ معجم الأدباء ٦/ ٢٢٠. ٣ اليتيمة ٣/ ٢٢٨.
[ ٢١٥ ]
أرأيت إلى هذه الرسالة القصيرة، وما فيها من عذوبة اللفظ، وجمال النغم؟ إن الصاحب حقًا أستاذ ماهر من أساتذة فن التصنيع في القرن الرابع، وإنه ليتخذ في هذا الفن جميع المفاتيح الموسيقية التي عثر عليها ابن العميد، فهو من جهة يعني بقصر سجعاته، فإن طالت عادل بين ألفاظها معادلات تخرج بها من شذوذ الطول إلى ما يشبه القصر، ثم هو من جهة أخرى يعني بألوان البديع يحلي بها جيد أساليبه، وقد كان يعنى عناية خاصة بلوني التصوير والجناس، ولعل ميله إلى الجناس هو الذي جعله يكثر في رقع رسائله من الجناس الناقص، أما ميله إلى التصوير، فقد جعله يبرع في أوصاف الطبيعة، حتى لتتحول جوانب من رسائلة إلى ما يشبه الشعر المنظوم كقوله في رسالة له: "كتابي هذا، وقد أرخى الليل سدوله، وسحب الظالم ذيوله"١، وقوله في أخرى يصف مجلس أنس: "قد قابلتني شقائق كالزنوج تجارحت فسالت دماؤها، وضعفت فبقي ذماؤها، وسامتتني أشجار كأن الحوار أعارتها أثوابها، وكستها أبرادها، وحضرتني نازنجات ككرات من سفن ذهبت، أو ثدي أبكار خلقت"٢، وهذا جانب واضح في تصنيعه، وقد استطاع به أن يطرف قراءه، وساميعه بضر من الشعر المنثور الذي تمتلئ سجعاته بالرشاقة، والخفة.
وقد كان بهذا التصنيع، وما يندمج فيه من وشي السجع، والترصيع يأخذ مكانته في عصره، وهي مكانة جعلت أصحاب الإمارات الفارسية يحسدون أصحاب الري، والجبل من البويهيين عليه، ويتمنون أن لو صار إليهم، روى الثعالبي أن نوح بن منصور صاحب خراسان الساماني، أرسل إليه رقعة يريده فيها على الإنحياز إلى حضرته، ليلقي إليه مقاليد مملكته، ويعتمد لوزارته، فاعتذر له بأنه لا يستطيع الانتقال إليه لكثرة حاشيته وأثقاله، وما لديه من كتب تحتاج في نقلها إلى أربعمائة بعير٣، وقد قالوا: إنه لما توفي لقي من الإعظام، والإكبار
_________________
(١) ١ اليتيمة ٣/ ٢٢٧. ٢ اليتيمة ٣/ ٢٢٣. وخلقت: من الخلوق، وهو ضرب من الطيب. ٣ اليتيمة ٣/ ١٧٣، وانظر معجم الأدباء ٦/ ٢٥٩.
[ ٢١٦ ]
ما لم يلقه أحد من وزراء عصره، فقد سار فخر الدولة في جنازته، وقام الناس بأجمعهم فقبلوا الأرض بين يديه، وخرقوا ثيابهم ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء، والنحيب عليه جهدهم١، وقد رثاه الشعراء -على نحو ما يروى العتبي- رثاء حارًا٢، والحق أن الصاحب بن عباد كان أحد أساتذة البلاغة في عصره، وبلغ بمذهب التصنيع مبلغًا عظيمًا من الزخرف، والتنميق، وما يتصل بذلك من الزركشة، والتطريز.
_________________
(١) ١ معجم الأدباء ٦/ ٢٥٩. ٢ انظر اليميني للعتبي في شرح المنيني ١/ ٢٠٢.
[ ٢١٧ ]