كانت عند العرب في العصر الجاهلي طائفة تدعي التنبؤ ومعرفة المغيبات، وأنها تنطق عن آلهتم بما سخر لها من الجن التي تسترق لها السمع، فتكشف لها الحجب، وما تأتي به ألواح الغد. وكانوا يسمونها الكهان، وواحدهم يمسي كاهنا، أما تابعه من الجن فيسمى رئيا، وكانوا يفزعون إليهم لاستشارتهم في الأمور الجلى كإعلان حرب١، أو قعود عن نصرة أحلاف٢، أو كشف قتل إنسان أو ناقة٣، أو خلال بنذر من النذور لأربابهم لا يستطيعون أداءه٤. وقد يلجأون إليهم للحكم بينهم أو للمنافرة٥، ممتثلين لأحكامهم فهي لا تنقض ولا ترد، وقد يطلبون إليهم تعبير رؤاهم وأحلامهم٦، وهم بدورهم قد يتنبئون لأقوامهم بوقوع كارثة، أو حدوث غزو٧.
ولعل في ذلك كله ما يدل على أنهم كانوا يتمتعون بنفوذ واسع، ولم يكن لهذا النفوذ حدود قبلية، فكثيرا ما يسيطر الكاهن على مجموعة من القبائل بكهانته، فتصدر عن رأيه، وقد تتخطى شهرته إقليمه، فتقصده العرب من أقاليم نائية، ككثير من كهان اليمن، ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن جمهور كهانهم كانوا يمنيين، وخاصة من يرجع بهم القصاص إلى الحقب الأولى من العصر الجاهلي، ومن أشهرهم سطيح الذئبي، وشق بن مصعب الأنماري، وإليهما
_________________
(١) ١ أغاني "طبع دار الكتب" ٩/ ٨٤. ٢ أغاني ١١/ ١٤٠. ٣ أغاني ١١/ ١١٨. ٤ السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٦٢. ٥ السيرة الحلبية "طبع بولاق" ١/ ٥. ٦ السيرة النبوية ١/ ١٥، وما بعدها. ٧ الأمالي للقالي ١/ ١٢٦، وانظر السيرة النبوية ١/ ١٥، ١/ ٤٣، ١/ ٢٢١ -٢٢٢.
[ ٣٨ ]
فزع نصر بن ربيعة ملك اليمن في تفسير رؤيا له١، وقد أخرجهما القصاص، ورواة الأخبار من عالم الواقع إلى عالم الخيال، فقالوا: إن سطيحا لم يكن فيه عظم سوى جمجمته، وإن وجهه كان في صدره ولم يكن له عتق، ولعله كان أحدب، أما شق فقالوا: إنه كان شق أو نصف إنسان له عين واحدة، ويد واحدة ورجل واحدة٢.
ومن كهانهم المشهورين المأمور الحارثي، وكان من فرسان مذجح، وكانت بأمره تتقدم وتتأخر٣، وخنافر الحميري، وكان يزعم أنه دخل الإسلام بمشورة رئيه شصار٤، وعوف بن ربيعة الأسدي، وهو الذي أشار على قومه بالثورة على حجر بن الحارث الكندي وقتله٥، وسلمة الخزاعي الذي تنافر إليه هاشم بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس فنفر هاشما٦، وسواد بن قارب الدوسي، وقد أدرك الإسلام٧، وعزى سلمة وهو أكهنهم جميعا٨، ووجد بجانب هؤلاء الكهنة بعض نسوة عرفن بالتكهن من مثل الشعثاء الكاهنة٩، وزبراء١٠، وكاهنة ذي الخلصة١١، والكاهنة السعدية١٢ والزرقاء١٣ بنت زهير، والغيطلة القرشية١٤.
وروت كتب الأدب والتاريخ طائفة من أقوال هؤلاء الكهان، والكاهنات وخطابهم، وكلها تلتزم السجع، وما نشك في أن أكثر ما روي عنهم مصنوع، وإن من الخطأ أن يعتمد باحث على تلك المرويات، ويظنها صحيحة النسبة إلى من قيلت على ألسنتهم، لبسبب طبيعي، وهو أنها لم تكن مدونة ولا مكتوبة،
_________________
(١) ١ الكامل لابن الأثير "طبع ليدن" ١/ ٣٠١، والسيرة النبوية ١/ ١٥. ٢ انظر عجائب المخلوقات للقزويني "طبعة وستنفلد" ١/ ١٧١. ٣ الاشتقاق لابن دريد ٢٦٩، وانظر الأمالي ١/ ٢٧٦، واسمه فيه المأمون. ٤ الأمالي ١/ ١٣٣. ٥ أغاني ٩/ ٨٤. ٦ السيرة الحلبية ١/ ٥. ٧ السيرة النبوية ١/ ٢٢٣. ٨ البيان والتبيين ١/ ٣٥٨. ٩ مجمع الأمثال للميداني ١/ ٩١. ١٠ الأمالي ١/ ١٢٦. ١١ مجمع الأمثال ١/ ٢٢٣. ١٢ نفس المصدر ٢/ ٥٤. ١٣ أغاني "طبعة دار الكتب" ١٣/ ٨١. ١٤ سيرة ابن هشام ١/ ٢٢١.
[ ٣٩ ]
ومن مصعب أن نحتفظ بها ذاكرة الرواة نحو قرنين من الزمان أو أكثر، فلا تبدل فيها ولا تحرف، حتى يخرج العصر العباسي فيدونها اللغويين والأخباريون.
على أننا نستطيع بعد أن نرفض ما يروى من أقوالهم، وخطبهم أن نعود فنظن ظنا أنهم كانوا يسجعون في خطابتهم، وإلا لما استقر عند جميع من نحلوهم بعض الأقوال، والخطب أنهم كانوا يعتمدون على السجع في كهانتهم، ومن ثم صاغوا ما نسبوه إليهم من كلام سجعا خالصا، ولعل هذا السجع في كلامهم هو الذي دفع بعض المشركين من قريش إلى الظن بأن ما يتلوه الرسول ﷺ من القرآن، إنما هو من كلام الكهان، فقال جل وعز ينقض دعواهم الباطلة: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقد جاء في الحديث النبوي أن الرسول صلوات الله عليه، قضى على رجل في جنين قتلت أمه بدية، فقال الرجل: "أأدى "أأغرم" من لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، أليس مثل ذلك يطل١؟ فقال رسول الله ﵇: "إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع" ٢، وفي رواية أنه قال له: أسجع كسجع الكهان٣؟ وفي هذا الحديث أكبر الدلالة، وأعظمها على أن الكهان كانوا يستخدمون السجع في كهانتهم، ويقول الجاحظ: "كان حازي "كاهن" جهينة، وشق وسطيح وعزى سلمة، وأشباههم يتكهنون، ويحكمون بالأسجاع، ويروى من سجع عزى سلمة قوله٤: "والأرض والسماء، والعقاب والصقعاء، واقعة ببقعاء، لقد نفر المجد بني العشراء، المجد والسناء"٥.
_________________
(١) ١ يطل: يهدر دمه. ٢ صحيح مسلم "طبعة الآستانة" ٥/ ١١١، وانظر موطأ مالك "طبع حجر بمصر" ٢/ ١٩٢. ٣ البيان والتبيين ١/ ٢٨٧، وإعجازالقرآن الباقلاني "طبع مطبعة الإسلام" ص٣٢. ٤ البيان والتبيين ١/ ٢٨٩-٢٩٠. ٥ الصقعاء: الشمس، بقعاء: ما أو موضع، نفرهم: حكم لهم بالغلبة، بنو العشراء: عشيرة من فزارة، السناء: الرفعة.
[ ٤٠ ]
وإذا صحت هذه الكلمة لعزى سلمة، فإنها ترينا أن الكهان كانوا يعتمدون في كهانتهم على السجع، كما كانوا يعتمدون على مثل هذه الأقسام، والأيمان بالأرض والسماء، والطير والشمس، وما يتصل بذلك من القمر والنجوم، والكواكب، والأشجار والرياح، وكل ما يظنون أنه يحمل قوى خفية، وأيضا فإنهم كانوا يعتمدون على الإغراب في ألفاظهم للإيهام، والتأثير في نفوس السامعين.
وهذه هي نفس السمات العامة التي يمكن أن نستنبطها من خلال النصوص الكثيرة التي رويت من سجعهم، ونحن نرى هذه السمات واضحة في هذه القطعة الصغيرة التي رواها الجاحظ لعزى سلمة، وهي سمات طبيعية، إذ كانوا يلجأون إلى الإيهام في أحاديثهم وأقوالهم، وكانوا يعتمدون في هذا الإيهام على الأقسام، واللفظ الغريب ليتيح لهم ذلك ما يريدون من الوهم في أساليبهم، ومعاني كلامهم. وأكبر الظن أنهم كانوا يبالغون في ذلك حتى تنبهم معانيهم وتغمض دلالاتهم، فيكثر عند السامعين الفهم، ويكثر الاحتمال والتأويل، ولعلنا لا نبعد إذا زعمنا أن الكهان كانوا يبنون سجعهم في كثير من جوانبه على الرمز، فإن كهانتهم كانت تقتضي أن يختاروا ألفاظا موهمة توعظ بما يريدون دون أن تفصح -في كثير من أحوالها- عن دلالة بينه، ومهما يكن فإن حرقة الكهان في هذا العصر أثمرت ضربا طريفا من السجع كان يتكئ على الأقسام، والأيمان الموهمة والألفاظ الغريبة.
وأكبر الظن أن فيما قدمنا من حديث عن سجع الكهان، وخطابة الجاهليين وما كان من أمثالهم ما يدل دلالة صريحة على أن ما سلم لنا من بقايا نثرهم، إنما هو شظايا متناثرة من صناعة بليغة كانت تستفيد من أصحابها آمادا واسعة من التعب، والعناء والجهد، والنشاط.
[ ٤١ ]