هو عبد الله بن سعيد لباج الأموي أبو محمد الشنتجيالي، الطويل الجوار بمكة، شرفها الله، بهذا السبب عرف بالمجاور. قيل جاورها بضعا وثلاثين، وقيل أربعين عامًا.
وكان يسكن قرطبة، فسمع من علمائها، من أمثال أبي عمر الطلمنكي، ثم رحل إلى المشرق طالبًا، حاجًا، وذلك سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة، فسمع بمكة من علمائها، وصحب بها أبا ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ، واختص به وأكثر عنه الرواية والسماع. ويقال إنه لقي أبا سعيد السجزي فسمع عنه صحيح مسلم. وكان، في خلال مجاورته للحرم المقدس يسرد الصوم، فإذا أراد أن يغوط، خرج من الحرم إلى الحل، فقضى حاجته، ثم انصرف إلى الحرم تعظيمًا له. وكان كثيرًا ما يكتحل بالإثمد ويجلس للمسع، وكان يقول: لا تمنعوا العين قوتها فتمنعكم ضؤها.
ويقال إنه حج سنة ٣٩١ هـ. حجة الفريضة عن نفسه، وأتبعها خمسًا وثلاثين حجة، وزار مع كل حجة زورتين، فكلمت له اثنتان وسبعون زورة.
ورجع إلى الأندلس في سنة ٤٣٠ هـ، ودخل قرطبة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت للمحرم سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وجلس للإقراء والإسماع بجامعها.
فقرئ عليه صحيح ملسم، ثم خرج منها غازيا مجاهدا إلى الثغور، فرابط ييطليموس، وشلب وغيرهما وروى عنه بتلك الجهات، وكان له فرس يسميه مرزوق، فكان يقول له يا مرزوق: رزقني الله عليك الشهادة. ثم رجع إلى قرطبة وتوفي بها سنة ٤٣٦ هـ.
وكان الشنتجيالي رجلا صالحًا، زاهدًا، متبتلًا، منقطعًا إلى ربه، منفردًا به، خيرًا، عاقلًا، فاضلًا، كريمًا، حليمًا، جوادًا.
وله من المؤلفات " مختصر في الفقه ".