وكان المعري من بين جميع الشعراء أكثر إعجابا، وأوسع تأثيرا، وقبولا عند المغاربة، ولم يكد يظهر شعره في الشرق، حتى ذاع صيته في الأندلس، ووصلت دواوين شعره وجميع آثاره أليها في حياته وتلقاها الناس بالقول، ووجدت لها جوا مناسبا وبيئة صالحة لذيوعها وانتشارها، وأقبل الشعراء، والأدباء، والعلماء، على حفظها ودراستها، كما أقبل عليها الأمراء، واعجبوا بها إعجابا كبيرا، حتى أن أبا بكر، محمد بن عبد الله المظفر، صاحب بطليموس، وأديب ملوك عصره " كان ينكر الشعر على قائله في زمانه، ويفيل رأى من ارتسم في ديوانه، ويقول: من لم يكن شعره مثل شعر المتنبي أو المعري فليسكت ولا يرضي بدون ذلك ".
وكانت آثاره قد دخلت الأندلس، إما بطريق الراحلين من الأندلس إلى المشرق وإما بطريق الوافدين من المشارقة على الأندلس. فمن الراحلين إلى المشرق، الآخذين عن المعري، أبو الربيع سليمان بن أحمد السرقسطى، وأبو تمام غالب بن عيسى الأنصاري الأندلسي، وأبو عبد الله بن جابر القرطبي. ومن الوافدين على الأندلس، من تلاميذ المعري، أبو الفضل البغدادي، وأبو عمرو السفاقسى وغيرهما.
وكذلك فان الأندلسيين قد تناولوا آثار المعري شرحا ومعارضة. فمن المعارضين له، أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي، صاحب رسالة " الساجعة والغريب "، التي عارضه بها في " الصاهل والشاحج " " كما عارضه في خطبة الفصيح، وسقط الزند بالإصلاح وثمرة الأدب. وأبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الذي عارضه في " خطبة الفصيح " بكتاب سماه " جهد النصيح "، وأبو الطاهر محمد بن يوسف السرقسطى، صاحب " المقامات اللزومية الشهيرة "، وأبو عبد الله بم مسعود ابن أبي الخصال الغافقي، وزير يوسف بن تاشفين، وصديق صاحبنا ابن السيد، كان قد عارض المعري في ملقى السبيل.
أما صاحبنا، أبو محمد ابن السيد، فأنه لم يكن من المعارضين للمعري، وإنما كان من المعجبين به، المعتنين بآثاره، الشارحين لها. فقد درس شعره، وحفظه، وفهمه حق الفهم. وقدره حق قدره. انظر إليه كيف يعترف بمكانة المعري وشعره وفنه: " ولمعري إنه لشعر قوي المباني، خفى المعاني، لأن قائله، سلك به غير مسلك الشعراء، ضمنه نكتا من النحل والآراء، وأراد أن يرى معرفته بالأخبار. والأنساب، وتصرفه في جميع أنواع الآداب، فاكثر فيه من الغريب، والبديع، ومزج المطبوع بالمصنوع، فتعقدت ألفاظه، وبعدت أغراضه ".
[ ٣٢ ]
وقد رأى في شرحه أن ترتيبه، على حسب الحروف المعجمة، أتم في الوضع، وأجمل للتصنيف، فاحتاج لذلك، إلى أن يزيد فيه من شعره، ليكون أو في للغرض، وأنفع، فأضاف إليه قدرًا كبيرًا من اللزوميات، وجامع الأوزان، وكتبه الأخرى.
وهو " في شرحه لآثار المعري " ناقد، دقيق الفهم، صافي الحس، وقد أعانه هذا، وما له من غزواة الحفظ، وسعة الإطلاع، وتحققه في علوم الفلسفة، والمنطق، وغيرهما، من فهم أغراض أبي العلاء، وإدراك خفي معانيه، وكذلك كان عونًا له في دقة الموازنة، وسلامة المقارنة، وفي تتبعه للمعنى، حتى يدرك أول من قاله، ونبه عليه، وفي تعقبه لأصل الخاطر، فلا يدعه حتى يصل إلى مبتدعه.