وهو عهد القضاء بمدينة طلبيرة، ومن الصعب أن نعرف بالضبط متى كان الوقشي قد استقضى بطلبيرة، وما هي الأسباب التي جعلته يحوز هذا المنصب الجليل، إلا أننا نقدر، على وجه الظن والتخمين، أن ذلك كان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وذلك في عهد المأمون يحي بن ذي النون، ملك طليطلة، لأن الوقشي يسمع أبا عمرو السفاقسي بطليطلة بين ٤٣٦ هـ و٤٣٨ هـ، ثم يراه القاضي صاعد، ويأخذ منه، سنة ٤٣٨ هـ وهو بطليطلة، ولأن الوقشي في ذلك الوقت كان تجاوز الثلاثين من عمره، وبلغ من العلوم بحيث قضى له الجميع في كل علم وفن، وكان قد احتوى علة فنون المعارف، وجمع لكليات العلوم، فأشتهر كأستاذ كبير، وعالم نابغة، وفقيه ناجح، ووصل صيته في جميع أنحاء الأندلس، وأصبح مرجعا في العلوم والآداب، وقبلة للطلاب الوافدين عليه من أقاصي البلاد، وقد يكون ذلك سببا لاتصال حباله بالمأمون ابن ذي النون، الذي كان قد جعله، من خاصته، وشاركه في مجالس أنسه، وأصبح أكيله وشريبه. ثم اختاره لقضاء طلبيرة في عهده.
ولم يحدثنا التاريخ عن مدة قضائه بتلك المدينة، ألا أن بعضهم قد ذكر أن عبد الله بن فرحون، المتوفى سنة ٤٨٧هـ، " بعد أن نيف على الثمانين من عمره "، كان قد استقضى بطبيرة بعد أبى الوليد الوقشي، وهذا القول أيضا مجهول، ولا يساعدنا في تحديد الوقت ومعرفة التاريخ، كما أنن لا نعرف الأسباب التي جعلته يستقيل عن منصب القضاء، ويهاجر من طلبيرة إلى بلنسية، وقد يكون السبب في ذلك موت ولى نعمته، وأكيله وشريبه المأمون ابن ذي النون، لأن حفيده القادر، الذي خلفه على العرش طليطلة، ثم يكن يتحلى بأوصاف يرضى بها الكرام ويحبها العلماء، فيكونوا من أعوانه وأنصاره أو ولاته وقضائه وحاشيته، وخاصة الأعلام النبلاء الأفاضل من أمثال أبى الوليد الوقشي رحمة الله. وإذا صح هذا فمعنى ذلك أن الوقشي لم يزل على قضاء طلبيرة حتى ٤٦٨ هـ؟