[ ٩ ]
وهو دور التدريس والتأليف، وكذلك فان المصادر لا تصرح بشيء عن حياته التي قضاها بعد الانفصال عن منصبه وهجرته إلى بلنسية والإقامة بها، إلا أننا نعتقد، أن الوقشي رحمة الله كان قد عكف على القراءة والتأليف، وكرس حياته للإقراء، والتدريس بعد الانصراف عن طلبيرة، وذلك لأن معظم طلابه وتلاميذه هم البلنسيون، حتى أن عددهم يزيد من تلاميذه الطليطليين، فهذا مما يمكن به الاستدلال على أن الوقشي أكثر الرواية والإقراء، وهو ببلنسية. ثم أن المعلومات الضئيلة القليلة التي وصلت إلينا عن حياته من طريق كتب التراجم والتاريخ تنص على اشتغاله بالتأليف والتدريس والرواية بها. قمن ذلك ما ذكره الضبي. أن أبا عامر الخطيب البلنسي، من تلاميذه الوقشي، كان قد روى عنه كتاب السيرة بسنده. وروى عنه أبو محمد عبد المنعم بن محمد. وعنه الضبي صاحب يغية الملتمس. ومن ذلك ما روى أنه كتس إلى محمد بن عثمان أبى عبد الله البكري الحجارى وذلك سنة ٤٧٥هـ. ثم أن الوقشي، كعالم رباني صاحب التصانيف، وذى العدد الضخم من التلاميذ، كان قد احتل مكانة كبيرة في نفوس أهل بلنسية. مما جعلهم يلجؤون إليه في مصابهم ويجتمعون أليه في أزمتهم الخطيرة وفي نكبتهم الكبيرة ليتزعمهم وينقذهم منها.
ثم أن العدو كان قد حاصر بلنسية، ودخلها بعد أخذ المواعيد وعقد العقود التي ما رعاها ونبذها نبذا، ودهى الاحتلال الأجنبي أهل بلنسية من المسلمين، فدهشوا وبهتوا وكابدوا من آلام، وأصيبوا بالقتل والاضطهاد والإرهاب، ونهب الأموال وفتك الأعراض والخوف والجوع فاستصرخوا بملوك الإسلام، كالمستعين ابن هود، وقواد الجيش المرابصى، إلا إن الإغاثة قد تمطلت، والنصرة قد تأخرت، وكانوا في أشد حاجة إلى من يتولى أمرهم ويقودهم وينقذهم مما أصابهم، ولكن ليس من ينهض بذلك ولا من يتقدم إليه غير صاحبنا الوقشي، وذلك الإنسان النبيل الشجاع، والعالم الرباني. فيتولى أمر المسلمين، ويلتزم قضائهم. ويتكلم نيابة عنهم، ويأخذ لهم الأمان بشرط التوقف.
وللقوشى فصيدة مؤثرة، بكى فيها مصاب المسلمين من أهل بلنسية، على يد القمبيطور، إلا أن أصلها قد ضاع، ولم يبق منها إلا ترجمة بعض الأبيات، ونقلت إلى اللغة الأسبانية، ورددتها ألسنة العامة ومنها ما معناه:
إذا أنا مضيت يمينا، هلكت بماء الفيضان.
وإذا ذهب يسارا، أكلني السبع.
وإذا مضيت أمامي، غرقت في البحر.
وإن التفت خلفي، أحرقتني النار.
ولا يحدثنا التاريخ متى خرج الوقشي من بلنسية، وإنما لراه. وهو في دانية على وشك الرحيل إلى رحمة الله. ولم يتوقف رحمة الله من الرواية والتدريس، وهو بدانية فان لدينا أساء من تلاميذه الدانيين الذين أخذوا منه في الأيام الأخيرة من عمره.