كان للوقشي رحمة الله حظا وافر من الفهم والذكاء وبداهة القول. وله مواقف غريبة في ذلك، احتفظ ببعضها، وكتب التاريخ والتراجم. فمن ذلك ما روى أنه حضر يوما مجلس ابن ذي النون، فقدم نوع من الحلواء، يعرف " بآذان القاضي " فتهافت من الخواص الملك عليها، وجعلوا يكثرون من آكلها، وكان فيما قدم من الفاكهة، طبق فيه، نوع يسمى عيون البقر، فقال له المأمون، يا قاضي؟؟؟؟؟؟؟ أرى هؤلاء يأكلون أذنيك فقال: وأنا أيضا آكل عيونهم وكشف عن الطبق وجعل يأكل منه واختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: يا فقيه اشتريت من هذا أثني عشر تيسا حاشاك، فقال له الوقشي: قل أحد عشر.
[ ١٠ ]
واجتمع أبو الوليد الوقشي وأبو مروان عبد الملك بن سراج القرطبي وكانا فريدي عصرهما حفظا وتقدما، فتعارفا، وتساءلا، ثم بادروا أبو الوليد بالسؤال، فقال لابن سراج كيق يكون قول القائل. " الطويل ":
ولو أن ما بي الحصى فعل الحصى وبالريح لم يسمع لهم هبوب
ما ينبغي أن يكون مكان " فعل الحصى "؟ فقال أبو مروان ابن سراج: " فلق الحصى " فقال: وهمت إنما يكون قلق ليكون مطابقا لقوله " لم يسمع لهن هبوب "، يريد أن ما به يحرك ماشانه السكون، ويسكن ما شأنه الحركة.
ثم قال ابن سراج للوقشي، ما يريد الشاعر بقوله: " الطويل "
وراكعة في ظل غصن منوطة بلؤلؤة نيطت بمنقار طائر؟
وكان اجتماعهما في مسجد. فأقيمت الصلوة أثر فراغ اين سراج من إنشاد البيت فلما انقضت الصلوة، قال له الوقشي: ألغز الشاعر باسم أحمد، فالراكعة الحاء والعصن كناية عن اللف، واللؤلؤة الميم، ومنقار الطائر الدال فقال له ابن سراج: ينبغي أن تعيد الصلوة لشغل خاطرك بهذا اللغز، فقال له الوقشي، لا حاجة إلى إعادة الصلوة، لأننى كنت قد فككته بين الإقامة وتكبيرة الإحرام.