إن المصادر التي وصلت إلينا، والتي استطعنا أن نستفيد منها في ترجمة الوقشي، لا تصرح بالمكان الذي ولد به، فقد ذكر ابن بشكوال أنه من أهل طليطلة، إلا أن قوله هذا لا يفيد في شيء عن مولده، فقد يكون أنه كان قد هاجر إليها، واستوطنها وأقام بها، فوهم ابن بشكوال أنه طليطلى وليس كذلك وإنما مولد الوقشي ومسقط رأسه هي مدينة وقش إلى كانت دار الوقشيين الكنانيين الفضلاء الأعيان منذ البداية، ولم تزل دارهم إلى الأجيال التي نشأت بعد أبى الوليد الوقشي رحمة الله. ومما يذهب بنا إلى هذا الرأى أن: المصادر وكتب التاريخ والتراجم والجغرافية والبلدان قد نصت أكثرها على أن أبا الوليد الوقشي أصله من مدينة وقش.
أسرة الوقشي لم تزل تسكن وقش حتى موته، وكانوا يعرفون بهذه النسبة كابن أخيه الوزير أبى جعفر، وابنه أبى الحسين، اللذين قد مر ذكرهما. ثم أن أبا الوليد لم يذكر كطليطلى إلا قليلا نادرا، وإنما كان يعرف دلئما بالوقشي هذه النسبة محبوبة إليه، لأن وقش هي دار آبائه، ومسقط رأسه، بها ولد، ونشأ، وترعرع، ثم خرج منها طالبا للعلم.
وأيضا استقضاؤه بمدينة طلبيرة، وهي أقرب إلى وقش يدل على أنه كان يحب أن يتولى هذا المنصب الجليل في مكان قريب من مسقط رأسه، ومسكن أسرته حتى يتمكن من زيارتهم ولقائه مت أراد، وهي سنة بشرية، لأن كل إنسان يحب العمل في مكان قريب من أهبه، وأسرته.
وأما تاريخ مولده، فان المصادر تكاد تجمع على أنه ولد في مستهل القرن الخامس الهجري، سنة ثمان وأربعمائة، وهو الزمن الذي شق فيه عصا الجماعة وافترقت الأمة، وانبعثت الفتن، وانقسمت الأندلس الإسلامية إلى دويلات عرف أصحابها بملوك الطوائف.