لم تزل هذه الروح تسود المجتمع الإسلامي في الأندلس في جميع أدوار التاريخ والسبب في ذلك يرجع إلى أمرين. أولهما أن المسلمين كانوا في بقعة تتأخمها المسيحية المتعادية لدينهم ووجودهم فكان لذلك أثر كبير في إذكاء الشعور الديني في نفوسهم والتعصب لعقيدتهم، كما نرى عند المسلمين في شبه القارة الباكستانية الهندية. فان هذا التحمس الشديد للإسلام والمناضلة دونه كان كله كرد فعل لتعصب الهنادكة وعدواتهم الكامنة ضد الإسلام والمسلمين في هذه الديار.
ثاني الأمرين هي سيادة الفقهاء وقيادتهم. فان الأمير عبد الله بقول في مذكراته: " ولم تزل الأندلس قديما وحديثا عامرة بالعلماء والفقهاء وأهل الدين، وإليهم كانت الأمور مصروفة " إلا ما يلزم للملك من خاصته وعبيده وأجناده من الأخذ من واحد ودفعه لآخر لينخل بذلك عسكره ويتخير أفضله " وقد زادت هذه الروح شدة في عصر ملوك الطوائف، فقد كان الفقهاء يرجع إليهم في شئون الحياة، ومنهم الوزراء والكتاب، وإليهم كان الرأي والمشورة في شؤون الدولة، وكانت كلمتهم هي العلياء. وقد استبد بعضهم بالأمر فاقام دولة مستقلة من أمثال القاضي ابن عباد صاحب أشبيلية والقاضي ابن الجحاف صاحب بلنسية. وكان زهير العامري يشاور الفقهاء ويعمل بقولهم. وكان مجتهد العامري قد نصب بمحل ملكه خايفة دعا الناس إليه وهو الفقيه أبو عبد الله المعيطي وأخذ له على الناس البيعة في جميع عمله بدانية وميورقة وغيرهما، وقد كان هذا الفقيه يعبث بالناس ويستأثر بالفيء ويجاهر بالمعاصي.
وقد استغل الفقهاء مكانتهم الدينية وسلطتهم السياسية فجمعوا الأموال الضخمة على حساب الرعية مما أثار حفائظ الشعب فأعلنوا ذمهم وتهكموا بهم وذمهم الشعراء وحملهم ابن حيان مسؤولية سقوط بلاد الإسلام وزوال الأمة وفسادها وأشركهم في ذلك مع الأمراء والملوك.