[ ٢ ]
وقد كانت نتيجة هذا الترف، والبذخ، وكثرة الجواري، والغلمان أن انتشرت الخلاعة والمجون، وعمت مجالس اللهو والطرب، وساءت أخلاق العامة والخاصة، وفسد المجتمع الإسلامي، وانغمس الشعراء الكتاب في حمأة الدعارة، ونطقت ألسنتهم بأفحش الأقوال. وزاد الطين بلة إذا شجعهم الملوك والأمراء على ذلك، وشاركوهم في مجالسهم للطرب واللهو والأنس. حتى أننا نراهم قد بلغ فسقهم القمة إذ يقيمون هذه المجالس اللاهية في الليلة السابعة والعشرين من رمضان، الليلة المباركة التي يجب أن ينقطع فيها الإنسان المسلم إلى العبادة وذكر الله ﷿، ويقول الفتح ابن خاقان: وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شهيد، وكان من البلاغة في مدى غاية البيان، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان، وكنا نحضر مجلس شرابه ولا نغيب عن بابه، وكان له، بباب الصومعة من الجامع، موضع لا يفارقه أكثر نهاره، ولا يخليه عن نثر درره، وأزهاره. فقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان، في لمة إخوانه، وأئمة سلوانه، وقد ليقطفوا نخب أدبه، وهو يخلط لهم الجد بالهزل، ولا يفرط من انبساط مشتهر، ولا انقباض جزل، إذا بجارية من أعيان أهل قرطبة، معها من جواريها من يسترها ويواريها، وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها، وهي متنقبة خائفة، وممن يرقبها مترقبة، وأمامها طفل لها كأنه غض آس، أوضبي يمرح في كناس. فلما وقعت عينها على أبي عامر، ولت سريعة، وتولث مروعة، خيفة أن يشبب بها، أو يشهرها باسمها. فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها. " المتقارب ":
وناظرة تحت طي القناع دعاها إلى الله للخير داع
سعت خيفة تبتغي منزلا بوصل التبتل والانقطاع
وجالت بموضعنا جولة فحل الربيع بتلك البقاع
أتتنا تبختر في مشيها فحلت بواد كثير السباع