وحدثني ابو عثمان بكر بن محمد١ المازني عن أبي عبيدة قال: لما أتى زياد ابن عمرو المربد٢، في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي٣، جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة وكان زياد بن عمرو العتكي في القلب، فبلغ ذلك الأحنف، فقال: هذا غلام حدثٌ، شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه! فندب أصحابه، فجاءه حارثة بن بدرٍ الغداني، وقد اجتمعت بنو تميم، فلما طلع قال: قوموا إلى سيدكم، ثم أجلسه فناظره، فجعلوا سعدًا والرباب في القلب، ورئيسهم عبس بن طلقٍ الطعان، المعروف بأخي كهمس، وهو أحد بني صريم بن
_________________
(١) ١ من س. ٢ المربد: سوق بالبصرة كانت تباع فيها الإبل. ٣ كان مسعود بن عمرو من بنى عتيك، وهم بطن من الأزد، استخلفه عبيد الله بن زيباد على البصرة، بعد أن هرب إلى الشام مطاردا. فوقف على المنبر يبايع من أتاه، فرماه رجل من أهل فارس فقتله، وعلى إثر ذلك شاعت الفتنة بين الناس. فريق يقول: قتلته الخوارج وفريق يقول قتلته تميم، "وانظر تفصيل الخبر في تاريخ الطبري، حوادث سنة ٦٥".
[ ١ / ١١٦ ]
يربوع، فجعل في القلب بحذاء الأزد، وجعل حارثة بن بدرٍ في حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعلت عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فذاك يقول حارثة بن بدرٍ للأحنف:
سيكفيك عبس ابن كهمس مقارعة الأزد بالمربد١
وتكفيك عمرو على رسلها٢ لكيز بن أفصى وما عددوا
وتكفيك٣ بكرًا إذا أقبلت بضرب يشيب له الأمرد
فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار، ويدنا على العدو، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطئتم حريمنا، وحرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصابنا في الخير مسلكًا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة٤.
فوجه إليه زياد بن عمرو: تخير خلة من ثلاثٍ إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم وإلا فدوا٥ قتلانا، واهدروا دماءكم، وليود مسعودٌ دية المعشرة.
قال ابو العباس، وتاويل قوله: دية المشعرة" يريد أمر الملوك في الجاهلية، وكان الرجل إذا قتلوهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات.
فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم. فهز القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالًا ليس فيها خيارٌ أما النزول على حكمكم فميف يكون والكلم يقطر دمًا؟ وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ٦، ولكن الثالثة إنما هي حملٌ على المال، فنحن نبطل
_________________
(١) ١ في البيت إقواء. ٢ الرسل هنا: اللين والرفق. ٣ ر: "تكفيك". ٤ قاصدة: مستقيمة. ٥ دوا قتلانا، من الدية. ٦ النساء: ٦٦.
[ ١ / ١١٧ ]
دماءنا، وندي قتلاكم، وإنما١ مسعودٌ رجل من المسلمين، وقد أذهب الله أمر الجاهلية.
فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود، ويغمد السيف، ويؤدي سائر القتلى من الأزد وربيعة. فضمن ذلك الأحنف، ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال:٢
ومنا الذي أعطى يديه رهينةً لغاري معد يوم ضرب الجماجم٣
عشية سال المربدان كلاهما عجاجة موتٍ بالسيف الصوارم
هنالك لو تبغي كليبًا وجدتها أذل من القردان تحت المناسم٤
قال أبو الحسن وكان أبو العباس ربما رواه: لغار٥ معد
ويقال: إنما تميمًا في الوقت مع باديتها وحلفائها من الأساورة٦ والزط٧، والسبابجة٨ وغيرهم كانوا زهاء سبعين ألفًا، ففي ذلك يقول جرير:
سائل ذوي يمن ورهط محرقٍ والأزد إذ ندبوا لنا مسعودا٩
فأتاهم سبعون ألف مدجج متسربلين يلامعا١٠ وحديدا
قال الأحنف بن قيس: فكثرت علي الديات، فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين١١، فسألت عن المقصودهناك، فأرشدت إلى قبةٍ، فإذا شيخٌ
_________________
(١) ١ س: "وأما مسعود". ٢ من قصيدة يهجو فيها جريرا ويعرض بالبعيث، مطلعها: ود جرير اللؤم لو كان عانيا ولم يدن من زأر الأسود الضراغم ٣ الغاران: مثنى غار، وهو الجيش، ومنه قول على يوم الجمل: "مآظنك بامرىء جمع بين هذين الغارين"!. ٤ يريد كليب بن يربوع، رهط الفرزدق. والقردان: جمع قراد، وهو دويبة تعض الإبل. ٥ ر: "الغازي معد". ٦ الأساورة: قوم من العجم بالبصرة نزلوها قديما، كالأحامرة. "اللسان". ٧ الزط: جبل أسود من السند، وقيل هم من الهند. "اللسان". ٨ السبابجة: قوم ذوو جلد من السند والهند، يكونون مع رئيس السفينة البحرية يبذرقونها، واحدهم سبيجى، ودخلت الهاء في جمعه والنسب، كما قالوا: البرابرة. "اللسان". ٩ المحرق: هو عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان حرق يوم أوارة تسعة وتسعين رجلا من دارم، قبيلة الفرزدق. ١٠ اليلامع: جمع يلمع، وهو الدرع هنا. وفي ر: "يلامقا"، جمع يلمق، وهو القباء. ١١ يبرين: قرية كثيرة النخل في بلاد البحرين.
[ ١ / ١١٨ ]
جالسٌ بفنائها، مؤترز بشملةٍ، محتب بحبل، فسلمت عليه، وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقلت: توفي صلوات الله عليه! قال: فما فعل عمر بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت له: مات رحمه الله تعالى! قال فأي خيرٍ في حاضرتكم بعدها! قال فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وريعة. قال: فقال لي: أقم، فإذا راعٍ قد أراح ألف بعير، فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها، فقال: خذها، فقلت: لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف عنه، ووالله من هو إلى الساعة!
قوله: "المناسم" واحدها منسم، وهو ظفر البعير في مقدم الخف، وهو من البغيرة كالسنبك من الفرس وقوله:
عشية سال المربدان كلاهما
يريد المربد وما يليه مما جرى مجراه، ةالعرب تفعل هذا في الشيئين إذا جريا في باب واحد، قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر: لأنهما قد اجتمعا في قولك، "النيران"، وغلب الاسم المذكر، وإنما يؤثر في مثل هذا الخفة، وقالوا: "العمران" لأبي بكر وعمر، فإن قال قائل: إنما هو عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلم يصب، لأن أهل الجمل نادوا بعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه: أعطنا سنة العمرين. فإن قال قائل: فلم لم يقولوا: أبوي بكر، وأبو بكر أفضلهما فلأن عمر اسم مفرد، وإنما طلبوا الخفة. وأنشدني التوزي عن أبي عبيدة لجرير:
وما لتغلب إن عدوا مساعيهم نجم يضيء ولا شمس ولا قمر
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والعمران أبو بكر ولا عمر
هكذا أنشدنيه١:
وقال آخر٢:
قدني من نصر الخبيبين قدي
_________________
(١) ١ زيادات ر: "إنما قال هكذا أنشدنيه غير التوزى يرويه: والطيبان أبو بكر ولا عمر ٢ زيادات ر: "هو حميد بن الأرقط"، والبيت في اللسان "قدد"، وإصلاح المنطق ٤٤٤،٣٧٧ وبعده: ليس الإمام بالشحيح الملحد
[ ١ / ١١٩ ]
يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير وإنما أبو خبيب عبد الله، وقرأ بعض القراء: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾ ١ فجمعهم على لفظ إلياس ومن ذا قول العرب: المسامعة، والمهالبة، والمناذرة، فجمعهم على اسم الأب.
والمشعرة: اسم لقتلى الملوك خاصة، كانوا يكبرون أن يقولوا: قتل فلان، فيقولون أشعر فلان، من إشعار البدن٢.
ويروى أن رجلًا قال: حضرت الموقف مع عمر بن الخطاب ﵁، فصاح به صائح: يا خليفة رسول الله ﷺ. ثم قال: يا أمير المؤمنين. فقال رجل من خلفي: دعاه باسم رجل ميت٣، مات والله أمير المؤمنين. فالتفت فإذا رجل من بني لهب، وهم وهم من بني نصر بن الأزد، وهم أزجر٤ قوم، قال كثير:
سألت أخًا لهب ليزجر زجرةً وقد صار زجر العالمين إلى لهب
قال: فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاةٌ قد صكت صلعة عمر فأدمته، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف أبدًا. فالتقت فإذا بذلك اللهبي بعينه، فقتل عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحول.
_________________
(١) ١ سورة الصافات ١٣٠. ٢ البدن، بالضم: جمع بدنة، وهي الناقة والبقرة وهذا البعير مما ينحر بمكة للهدى وإشعارها: أن يشق جلدها أو سنامها بمبضع ونحوه حتى يظهر الدم، ليعلم أنه هدى. ٣ يريد أبا بكر. ٤ الزجر للطير هو التيمن والتشاؤم بها، والتفاؤل بطيرانها وهو ضرب من الكهانة.
[ ١ / ١٢٠ ]