ومما يستحسن إنشاده من الشعر لصحة معناه، وجزالة لفظه، وكثرة تردد ضربه من المعاني بين الناس، قول ابن ميادة لرياح بن عثمان بن حيان المري١، من مرة غطفان، يقوله في فتنة٢ محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان أشار عليه بأن يعتزل القوم فلم يفعل فقتل، فقال ابن ميادة:
أمرتك يا رياح بأمر حزمٍ فقلت: هشيمةٌ من أهل نجد
نهيتك عن رجال من قريش على محبوكة الأصلاب جرد
ووجدًا ما وجدت على رياحٍ وما أغنيت شيئا غير وجدي
وقوله٣:
"فقلت هشيمة من أهل نجد٤"
تأويله ضعفة، وأصل الهشيم النبت إذا ولى وجف وتكسر، فذرته الرياح يمينًا وشمالًا قال الله ﷿: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٥ والنجد: أعالي الأرض.
وقوله:
"على محبوكة الأصلاب جرد"
_________________
(١) ١ كان واليا على المدينة من قبل أبي جعفر المنصور سنة ١٤٤ "وانظر زامبور ٣٦: ١". ٢ ذكر ابن الأثير هذه الفتنة مفصلة في حوادث سنة ١٤٤. والخبر والأبيات في الأغانى ٣٣٨،٣٣٧: ٢ "طبعة الدار"، واللسان "هشم" عن المبرد. ٣ ر: "قوله" س: "قوله". ٤ في اللسان: "ضعف". ٥ الكهف ٤٥.
[ ١ / ٤١ ]
فالمحبوك الذي فيه طرائق، واحدها حباكٌ، والجماعة حبك، وكذلك الطرائق التي عاى جناح الطائر؛ من ذلك قول الله عز وجل١: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ٢.
قال أبو الحسن: ابن ميادة اسمه الرماح، وأمه ميادة، وأبوه أبرد، وكان عاقًا بأمه، ولها يقول:
اعرنزمي مياد للقوافي٣
وأصل الاعرنزام التجمع والتقبض، يقول: استعدي لها وتهيئي.
وأنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد له:
ونواعم قد قلنا يوم ترحلي قول المجد وهن كالمزاح
ياليتنا من غير أمر فادح طلعت علينا العيس بالرماح
في أبيات له، يعني نفسه.
قال أبو الحسن: وتمام الأبيات:
بينا كذاك رأيتني متعصبًا بالخز فوق جلالة سرداح٤
فيهن صفراء المعاصم طفلة بيضاء مثل غريضة التفاح٥
ريشن حين أردن أن يرمينني نبلًا بلا ريشٍ ولا بقداح
ونظرن من خلل الستور بأعين مرضى مخالطها السقم صحاح
_________________
(١) ١ ر: "﵎". ٢ الذاريات٧. ٣ حاشية الأصل: بعده: واستسمعيهن ولا تخافى وفي ر: واستسمعيهن ولا تخافى ستجدين ابنك ذا قذاف ٤ الجلالة: الناقة الضخمة. والسرداح: الناقة الطويلة. ٥ صفراء المعاصم: هي التي طليت بالزعفران: والطفلة: الناعمة. والغريض: الطرى.
[ ١ / ٤٢ ]