قال أبو العباس: ومما يؤثر من حكيم الأخبار، وبارع الآداب، ما حدثنا به عن عبد الرحمن بن عوف وهو أنه قال: دخلت يومًا على أبي بكر الصديق رحمة الله عليه في علته التي مات فيها، فقلت له: أراك بارئًا يا خليفة رسول الله، فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج، وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت، إنما هو والله الفجر، أو البحر. فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله، فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحًا مصلحًا، لا تأس على شيء فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاخيرًا.
قوله: "نضائد الديباج" واحدتها نضيدة، وهي الوسادة وما ينضد من المتاع، قال الراجز:
وقربت خدامها الوسائدا حتى إذا ما علوا النضائدا
سبحت ربي قائما ًو قاعدًا
وقد تسمي العرب جماعة ذلك النضد، والمعنى واحد، إنما هو ما نضد في البيت من متاع، قال النابغة:
ورفعته إلى السجفين فالنضد١
_________________
(١) ١ ديوانه ٢٤، وصدره: خلت سبيل أتى كان يحبسه
[ ١ / ١٠ ]
ويقال: نضدت المتاع إذا ضممت بعضه إلى بعض، فهذا أصله، قال الله ﵎: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ١، وقال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٢ ويقال: نضدت اللبن على الميت.
وقوله:" على الصوف الأذربي" فهذا منسوب إلى اذربيجان، وكذلك تقول العرب، قال الشماخ:
تذكرتها وهنًا وقد حال دونها قرى أذربيجان المسالح والجال٣
وقوله: "على حسك السعدان"، فالسعدان نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه، ويغذوها غذاءً لايوجد في غيره، فمن أمثال العرب: "مرعى ولا كالسعدان "تفضيلًا له، قال النابغة:
الواهب المائة الأبكار زينها سعدان توضح في أو بارها اللبد٤
ويروى في بعض الحديث "أنه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان"، والله أعلم بذلك.
قال أبو الحسن: السعدان: نبت كثير الشوك- كما ذكر أبو العباس- ولا ساق له، إنما هو منفرش على وجه الأرض، حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني عن ابن الأعرابي، قال: قيل لرجل من أهل البادية- وخرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام السعدان مستلقيًا فلا. يريد أنه لا يرجع إلى البادية أبدًا، كما أن السعدان لا يزول عن الاستلقاء أبدًا.
_________________
(١) ١ سورة ق ١٠. ٢ سورة الواقعة ٢٩، ٣٠. ٣ المسالح: مواضع المخافة، والجال، ضبطت في الأصل بالفتحة والكسرة، وكذلك في إحدى النسخ التي قابل بها "ريط" نسخته. وقال المرصفى: "الجال: اسم لجماعة الخيل والإبل، أضاف أذربيجان إليهما إشعارا بأنها مملوءة بهما". وانظر ديوان الشماخ ١١٧، ومعجم البلدان ١٥٩: ١، واللسان "سلح"، وتاج العروس"ذرب"، والمعرب للجواليقى٣٦. ٤ توضح: من قرى اليمامة.
[ ١ / ١١ ]
وقال أبو علي البصير واسمه الفضل بن جعفر، وإن لم يكن بحجة، ولكنه أجاد فذكرنا شعره هذا لجودته لا للاحتجاج به يمدح عبيد الله بن يحيى بن خاقان وآله فقال:
يا وزراء السلطان أنتم وآل خاقان
كبعض ما روينا في سالفات الأزمان
ماء ولا كصدى مرعى ولا كالسعدان
وهذه الأمثال ثلاثة، منها قولهم: "مرعى ولا كالسعدان"،و" فتى ولا كمالك"،و"ماء ولا كصدى"، تضرب هذه الأمثال للشيء الذي فيه فضل وغيره أفضل منه، كقولهم: "ما من طامة إلا فوقها طامة"، أي ما من داهية إلا وفوقها داهية، ويقال: طما الماء وطم إذا إرتفع وزاد.
ومالك الذي ذكروا هو مالك بن نويرة، أخو متمم بن نويرة.
" وصداء يمد، وبعضهم يقول: صدى، فيضم أوله ويقصر، فأما أبو العباس محمد بن يزيد، فإنه قال: لم أسمع من أصحابنا إلا صدءاء يا فتى، وهو اسم لماء، معرفة، وهما همزتان بينهما ألف، والألف لا تكون إلا ساكنة، كأنك قلت: صدعاع يا هذا١.
وقوله: "إنما هو والله الفجر أو البجر" يقول: إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك. وإن خبطت الظلماء، وركبت العشواء هجما بك على المكروه، وضرب ذلك مثلًا لغمرات الدنيا، وتحييرها أهلها.
وقوله: "يهيضك" مأخوذ من قولهم: هيض العظم إذا جبر ثم أصابه شيء يعنته فآذاه فكسره ثانية، أو لم يكسره، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية، ويقال: عظم مهيض، وجناح مهيض في هذا المعنى: ثم يشتق لغير ذلك، وأصله ما ذكرت لك، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز ﵀ لما كسر يزيد بن المهلب
_________________
(١) ١ مابين العلامتين لم يرد في الأصل، وأثبتناه عن ر، س.
[ ١ / ١٢ ]
سجنه وهرب، فكتب إليه: لو علمت أنك تبقى ما فعلت، ولكنك مسموم، ولم أكن لأضع يدي في يد إبن عاتكه١. فقال عمر: اللهم إنه قد هاضني فهضه. فهذا معناه.
وقوله: "فكلكم ورم أنفه"، يقول: امتلأ من ذلك غضبًا، وذكر أنفه دون السائر كما بقال: فلان شامخ بأنفه، يريد رافع، وهذا يكون من الغضب كما قال الشاعر:
ولا يهاج إذا ما أنفه ورما
أي لايكلم عند الغضب، ويقال للمائل برأسه كبرا: متشاوس، وثاني عطفه، وثاني جيده، إنما هذا كله من الكبرياء. قال الله ﷿: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢: وقال الشامخ٣:
نبئت أن ربيعًا أن رعى إبلًا يهدي إلي خناه ثاني الجيد
وقوله: "أراك بارئًا يا خليفة رسول الله"٤ يكون من برئت من المرض وبرأت، كلاهما يقال: فمن قال برئت يقول: أبرأ٥ يافتى لا غير، ومن قال: برأت قال في المضارع: أبرأ وأبرؤ، يا فتى، مثل فرغ ويفرغ. والآية تقرأ على وجهين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ ٦، الرحمن: ٣١، و﴿سَنَفْرُغُ﴾: والمصدر فيهما" البرء" يا فتى.
_________________
(١) ١ زيادات ر: "هو يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، ولى الملك بعد عمر بن عبد العزيز، ولا يعلم أحد أعرق في الخلافة منه". ٢ سورة الحج٩. ٣ زيادات ر: "يهجو الربيع بن علياء السلمى". ٤ ر، س: "يا خليفة رسول الله ﷺ". ٥ ر، س: "قال". ٦ الرحمن ٣١.
[ ١ / ١٣ ]