قال أبو العباس: وقال أعرابيٌ من بني الحارث بن كعب:
رئمت لسلمى بو ضيم وإنني قديما لآ بي الضيم وابن أباة
فقد وقفتني بين شك وشبهة وما كنت وقافاٌ على الشبهات
فيا بعل سلمى كم وكم بأذاتها عدمتك من بعل تطيل أذاتي
بنفسي حبيب حال بابك دونه تقطع نفسي دونه حسرات
ووالله لولا أن تساء لرعته بما ليس بالمأمون من فتكاتي
قوله: "رئمت لسلمى بوضيم" فإنما هذا مثل، وأصله أن الناقة إذا ألقت سقبها فخيف انقطاع لبنها أخذوا جلد حوار١ فحشوه تبنًا، ولطخوه بشيء من سلاها، ثم حشوا أنفها بخرقة، فتجد لذلك كربا، ويقال للخرقة التي تجعل في أنفها: الغمامه، ثم تسل تلك الخرقة من أنفها فتجد روحًا، وترى ذلك البو تحتها، وهو جلد الحوار المحشو فترأمه، فإن درت عليه قيل: ناقة درور، وترأمه تشمه، ويقال في هذا المعنى: ناقة ظؤورٌ، فينتفع بلبنها، ويقال: ناقة رائم ورؤوم إذا كانت ترأم ولدها أو بوها، فإن رئمت ولم تدر عليه فتلك العلوق، ولا خير عندها وأنشدونا عن أبي عمرو وكان يقرأ: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ ٢ على" فعلى"٣:
_________________
(١) ١ الحوار: ولد الناقة من حين تضعه إلى أن ينفطم. ٢ الروم: ١٠. ٣ زيادات ر: "لأفنون التغلبى"، والبيتان في أمالى القالى: ٢-٥١، وشواهد المغنى للسيوطى ٥٤.
[ ١ / ٩١ ]
أنى جزوا عامرًا سوءى بفعلهم أم كيف يجزونني السوءى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به رئمان أنفٍ إذا ضن باللبن١
فقوله: "رئمت لسلمى بو ضيم": أي أقمت لها على الضيم، ويقال: فلان رؤوم للضيم، إذا كان ذليلا راضيًا بالخسف.
_________________
(١) ١ في حاشية الأصل: "قال ثعلب: اجتمع الكسائى والأصعمى بحضرة الرشيد، وكانا ملازمين له، يرحلان برحيله ويقيمان بإقامته، فأنشد الكسائى: "أنى جزوا عامرا البيتين" فقال الأصعمي: إنما هم "رثمان" بالنصب، فقال له الكسائى: اسكت! ماأنت! وهذا! يجوز فيه الرفع والنصب والخفض، أما الرفع فعلى الرد على "ما" لأنها في موضع رفع ب"ينفع"، والنصب ب"لتعطى"، والخفض على الرد على الهاء في "به". قال ثعلب: فسكت الأصمعى".وانظر المغتى ٤١:١. وفي أمالى القالى: "العلوق: التي ترأم بأنفها وتمنع درها، يقول: فأنتم تحسنون القول ولا تعطون شيئا فكيف ينفعنى ذلك! ".
[ ١ / ٩٢ ]