قال أبو العباس: ومما يستحسن ويستجاد قول أعرابي١ من بني سعد بن زيد مناة تميم، وكان مملكًا٢، فنزل به أضياف، فقام إلى الرحى فطحن لهم،
_________________
(١) ١ هو الهذلول بن كعب العنبرى، ذكره أبوتمام في الحماسة بشرح المرزوقى ٦٩٥-٧٠١. ٢ من الإملاك، وهو عقد النكاح.
[ ١ / ٣٣ ]
فمرت به زوجته في نسوة، فقالت لهن: أهذا بعلي فأعلم بذلك فقال، قال أبو الحسن: أخبرنا به عن أبي محلم له يعني السعدي:
تقول وصكت صدرها بيمينها: أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجبي وتبيني بلائي إذا التفت علي الفوارس
ألست أرد القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين يابس
إذا هاب أقوام تجشمت هول ما يهاب حماياه الألد المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم لضيفي، وإني إن ركبت لفارس
قوله:" المتقاعس" إنما هو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، ويقال: عزة قعساء، وإنما هذا مثل، أي لا تضع ظهرها إلى الأرض. وقوله: "بالرحى" من صلة الذي، والصلة تمام الوصول، فلو قدمها قبله لكان لحنًا خطًا فاحشًا، وكان كمن جعل آخر الاسم قبل أوله، ولكنه جعل "المتقاعس" اسمًا على وجهه، وجعل قوله: "بالرحى" تبيينًا بمنزلة"لك" التي تقع بعد "سقيًا"، وبمنزلة" بك" التي تقع بعد قولك: "مرحبًا" فإن قدمتها فذلك جيد بالغ، تقول: بك مرحبًا وأهلًا، وتقول: لك حمدًا، ولزيد سقيًا، فأما قول الله ﷿: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١ وكذلك ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٢ فيكون تفسيره على وجهين: أحدهما أن يكون: إنني ناصح لكما، وأنا شاهد على ذلكم، ثم جعل" من الشاهدين" و" لمن الناصحين" تفسيرًا لشاهد وناصح، ويكون على ما فسرناه يراد به التبيين، فلا يدخل في الصلة، أو يكون على مذهب المازني.
قال أبو العباس: وهو الذي أختار، على أن الألف واللام للتعريف لا على معنى الذي، ألا ترى أنك تقول: نعم الفائم زيد، ولا يجوز: نعم الذي قام زيد، وإنما هو بمنزلة قولك: نعم الرجل زيد، وهذا الذي شرحناه متصل في هذا الباب كله مطرد على القياس.
_________________
(١) ١ الأنبياء ٥٦. ٢ الأعراف ٢١.
[ ١ / ٣٤ ]
وقوله:
"ألست أرد القرن يركب ردعه"
فإنما اشتقاقه من السهم يقال: ارتدع السهم إذا رجع متأخرًا، ويقال: ركب البعير ردعه إذا سقط، فدخل عنقه١ في جوفه، والكلام مشتق بعضه من بعض، ومبين بعضه بعضًا، فيقال من هذا في المثل: ذهب فلان في حاجتي فارتدع عنها، أي رجع، وكذلك: فلان لا يرتدع عن قبيح، والأصل ما ذكرت أولًا.
ومثل هذا قولهم: فلان على الدابة، وعلى الجبل، أي فوق كل واحد منهما ثم تقول: عليه دين تمثيلًا، وكذلك ركبه دين، وإنما يريد أن الدين علاه وقهره، وكذلك فلان على الكوفة إذا كان واليًا عليها، وكذلك: علا فلان القوم، إذا علاهم بأمره وقهرهم، أو جعل هذا الموضوع.
وقوله:
"وفيه سنان ذو غرارين يابس"
فالغرار هنا الحد، وللغرار مواضع.
قال أبو العباس: وحدثني الرياشي في إسناد له قال: قال جبر بن حبيب وذكر الراعي: أخطأ الأعور قال: ولم يعلم الحاكي عنه أن الراعي كان أعور إلامن هذا الخبر في قوله:
فصادف سهمه أحجار قف كسران العير منه والغرارا ٢
وجبر بن حبيب هو المخطىء، لأن الغرار ههنا هو الحد، وذهب جبر إلى أنه المثال، وقد يكون المثال، وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل معاني، يقال: بنوا بيوتهم على غرار واحد، أي على مثال واحد، كما قال عمرو بن أحمر" الباهلي"٣:
وضعن٤ وكلهن على غرار هجان اللون قد وسقت جنينا
_________________
(١) ١ ر "فدخلت عنقه"، والعتق تذكر وتؤنث. ٢ القف: حجارة بعضها فوق بعض. وعير النصل: ما نتأ في وسطه. ٣ من ر، س. ٤ كذا ضبطت في الأصل بالبناء للمجهول. وفي زيادات ر: [الرواية عن ابي العباس: "وضعن" بفتح الضاد والواو، والصحيح: "وضعن" بضم الواو وكسر الضاد] .
[ ١ / ٣٥ ]
ويقال: لسوقنا درة وغرار، أي نفاق وكساد، فهذا معنى آخر، وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الأخير أنه شيء، ومن هذا: غار الطائر فرخه، لأنه إنما يعطيه شيئًا بعد شيء، وكذلك غارت الناقة في الحلب، ويقال من هذا: ما نمت إلا غرار، قال الشاعر:
ما أذوق النوم إلا غرارًا مثل حسو الطير ماء الثماد
فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه.
وقوله:
"يهاب حمياه الألد المداعس"
فأصل الحميا إنما هي صدمة الشيء، يقال: فلان حامي الحميا، ويقال صدمته حميًا الكأس، يراد بذلك سورتها.
وقوله: "الألد" فأصله الشديد الخصومة، يقال: خصم ألد، أي لا ينثني عن خصمه. قال الله ﷿: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ١ كما قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ٢، وقال مهلهل:
إن تحت الأحجار حزمًا وجودًا وخصيمًا ألد ذا معلاق
ويروي: "مغلاق" فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجة الخصم، ومن قال،" ذا معلاق"، فإنما يريد أنه إذا علق خصمًا لم يتخلص منه، وجعل السعدي الألد الذي لا ينثني عن الحرب تشبيهًا بذلك، والمداعس: المطاعن، يقال: دعسه بالرمح إذا طعنه، قال عمير بن الحباب السلمي:
أنا عميرٌ وأبو المغلس وبالقناة مازني مدعس
قال أبو الحسن: تأويل قول السعدي:
"أبلعي هذا بالرحى المتقاعس"
_________________
(١) ١ مريم ٩٧. ٢ الزخرف ٥٨.
[ ١ / ٣٦ ]
"بالرحى" تبيين ولم يوضحه، فإن تقدير ما كان من هذا الضرب أنه إذا قال: "أبعلي هذا بالرحى المتقاعس"، فإن المتقاعس يدل على أن تقاعسًا وقع، فكأنه قال: وقع التقاعس بالرحى، ولم يرد أن يعمل "المتقاعس "في قوله: "بالرحى"، لأنه في صلة، والصلة من الموصول بمنزلة الدال من زيد أو الياء، فكما لا يجوز أن يتقدم حروف الاسم بعضها على بعض، لم يجز أن تتقدم الصلة على الموصول، فأما قول الله ﷿: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، وكذلك: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، فإنه يكون على التبيين الذي قدمنا ذكره وهو قول البصريين أجمعين، إلا أن أبا عمر الجرمي أجاز أن يجعل"لكما"،و"على ذلكم" معلقين بشيئين محذوفين دل عليهما" من الناصحين"، و" من الشاهدين"، لأن" من" مبعضة، فكأنه قال والله أعلم: وقاسمهما إني ناصح لكما من الناصحين، وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين.
وأما اختياره وذكره أنه قول المازني، وجعله الألف واللام للعهد مثلهما في الرجل وما أشبهه، فإن هذا القول غير مرضي عندي، لأنك إذا قلت: نعم القائم زيدٌ فجعلت الألف واللام كالألف واللام الداخلتين على ما يؤخذ من الفعل كالإنسان والفرس وما أشبهه، فإنه إذا كان هكذا دخل في باب الأسماء الجامدة وهي التي لم تؤخذ من أمثلة الفعل، وامتنع من أن يعمل مؤخرًا إلا على حيلة ووجهٍ بعيدٍ من التبيين الذي ذكرناه. وإذا كان التأخير لا يعمل بنفسه، فكيف يعمل إذا تقدم عليه الظرف وهذا مستحيل لا وجه له.
وأما إنشاده:
لا أذوق النوم إلا غرارًا
فإن هذه أبيات أربعة أنشدناها عن الزيادي، وذكر أنه كان يستحسنها وهي لأعرابي قال:
ما لعيني كحلت بالسهاد ولجنبي نابيًا عن وسادي
ما أذوق النوم إلا غرارًا مثل حسو الطير ماء الثماد١
أبتغي إصلاح سعدى بجهدي وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيءٍ ربما أفسد طول التمادي
_________________
(١) ١ ر، س: "لا أذوق".
[ ١ / ٣٧ ]
وأما إنشاده:
وضعن وكلهن على غرارٍ
فإن البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي.
[ ١ / ٣٨ ]