ومما يستحسن لفظه١ ويستغرب معناه، ويحمد اختصاره قول أعرابي من بني كلاب:
فمن يك لم يغرض فإني ونلقتي بحجرٍ إلى أهل الحمى غرضان٢
تحن فتبدي ما بها من صبابة وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني ٣
يريد: لقضى علي، فأخرجه لفصاحة وعلمه بجوهر الكلام أحسن مخرج، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٤ والمعنى إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، ألا ترى" أن"٥ أول الآية ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ فهؤلاء أخذوا منهم ثم أعطوهم، وقال الله ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ٦ أي من قومه، وقال الشاعر٧:
أمرتك الخير فافعل ما امرت به فقد تركت ذا مال وذا نشب
_________________
(١) ١ من ر، س. ٢ حجر: هي مدينة اليمامة وأم قراها، ويريد بالحمى حمى ضرية، وكان حمى كليب"وانظر ياقوت". ومن زيادات ر بعد هذا البيت: هوى ناقتي خلفى وقدامى الهوى وإني وإياها لمختلفان ٣ ر: "أنشد صاعد بعدهما زياد" فيهما: فياكبدينا أجملا قد وجدتما بأهل الحمى مالم يجد كبدان إذا كبدانا خافتا وشك نية وعاجل بين ظلتا تجبان ٤ سورة المطففين ٢. ٥ من ر. ٦ سورة الأعراف ١٥٥. ٧ زيادات ر: "هو أعشى طرود، واسمه إياس بن عامر".
[ ١ / ٣١ ]
أي أمرتك بالخير، ومن ذلك١ قول الفرزدق:
ومنا الذي٢ اختير الرجال سماحةً وجودًا إذا هب الرياح الزعازع
أي من الرجال. فهذا الكلام الفصيح.
وتقول العرب: أقمت ثلاثًا ما أذوقهن طعامًا ولا شرابًا، أي ما أذوق فيهن، وقال الشاعر:
ويومًا شهدناه سليمًا وعامرًا قليلًا سوى الطعن النهال نوافله٣
قال أبو الحسن: قوله: "لم يغرض"، أي لم يشتق، يقال: غرضت إلى لقائك، وحننت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، وجعت إلى لقائك أي إشتقت، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:
من ذا رسولٌ ناصحٌ فمبلغٌ عني علية غير قول الكاذب
أني غرضت إلى تناصف وجهها غرض المحب إلى الحبيب الغائب
التناصف: الحسن.
وأما قوله: "لقضاني" فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ٤، فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، فلهذا ناسب قوله ﷿: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، وكذلك قوله: ﴿كَالُوهُمْ﴾ فالشىء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيدًا وأنت تريد: مررت بزيد، لأنه لا يعتدى إلا بحرف جر، وذلك أن فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه د ليل على المفعول نفسه، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى
_________________
(١) ١ ر، س: "ومن ذا". ٢ س: "ومنا"، وعلى رواية الأصل في البيت خرم. ٣ البيت أورده سيبوية في الكتاب٩٠: ١، قال الأعلم في شرحه: "النوافل هنا الغنائم، يقول: يوم لم نضم فيه إلا النفوس لما أوليناهم من كثرة الطعن، والنهال المرتوية بالدم، وأصل النهل أول الشرب، والطعن هنا: جمع طعنة" ٤ سورة سبأ١٤.
[ ١ / ٣٢ ]
مفعولين، فيتعدى إلى أحدهما بحرف جر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيدًا، قد علم بذكرك" زيدًا "أن حرف الجر محذوف من الأول. فأما قول الشاعر وهو جرير وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:
تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذًا حرام
ورواية بعضهم له: "أتمضون الديار" فليس بشىء لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة. أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
مررتم بالديار ولم تعوجوا
فهذا يدلك على أن الرواية مغيرةٌ
فأما قولهم: أقمت ثلاثًا ما أذوقهن طعامًا ولا شرابًا، وقول الراجز:
قد صبحت صبحها السلام١ بكبد خالطها سنام
في ساعة يحبها الطعام
يريد في ساعة يحب فيها الطعام، وكذلك الأول، معناه: ما أذوق فيهن، فليس هذا عندي من. باب قوله جل وعلا: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ إلا في الحذف فقط، وذلك أن ضمير الظرف تجعله العرب مفعولًا على السعه، كقولهم: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، فهذا يشبه في السعة في السعة بقوله: زيد ضربته وما أشبه، فهذا بينٌ.
_________________
(١) ١ صبحت: أتت بالتصبيح، تريد به الغذاء.
[ ١ / ٣٣ ]