وقال القتال الكلابي١، واسمه عبيد بن مضرحي:
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبي إذا ترامى بنو الإموان بالعار
لا أرضع الدهر إلا ثدي واضحةٍ لواضح الخد يحمي حوزة الجار
من آل سفيان أو ورقاء يمنعها تحت العجاجة ضرب غير عوار
يا ليتني والمنى ليست بنافعةٍ لمالك أو لحصن أو لسيار
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ريح الإماء إذا راحت بأزفار
قوله:
إذا ترامى بنو الإموان بالعار
فالإموان: جمع أمةٍ، وأصل أمةٍ"فعلة" متحركة العين، وليس شيء من الأسماء على حرفين إلا وقد سقط منه حرف يستدل عليه بجمعه، أو بتثنيته، او بفعل إن كان مشتقًا منه، لأن أقل الأصول ثلاثة أحرف، ولا يلحق التصغير ما كان أقل منها، فأمة قد علمنا أن الذاهب منها واو بقولهم: " إموان"، كما علمنا أن الذاهب من أب وأخ الواو بقولهم أبوان وأخوان، وعلمنا أن أمة" فعلةٌ "متحركة بقولهم في الجميع: آم، فوزن هذا أفعل، كما قالوا أكمة وآكم، ولا تكون فعلةٌ على أفعل، ثم قالوا إموان، كما قالوا في المذكر الذي هو منقوص مثله: إخوان، واستوى المذكر والمؤنث، لأن الهاء زائدة كما استويا في" فعل" الساكن العين، تقول: كلب وكلاب، وكعب كعاب، كما تقول في المؤنث: طلحة وطلاح، وجفنةٌ وجفان، وصفحة وصحاف. ونظير ذلك من غير المعتل ورل٢ وورلان، وبرق وبرقان وخرب وخربان، وهو ذكر الحبارى، والبرق الحمل، ومن أنشد:
_________________
(١) ١ ر، س: "وقال أبو العباس، قال القتال ". والأبيات في أمالى القالى "٢٢٦،٢٢٥: ٢"، وذكر فيها: "نازع القتال الكلابى_ وهو عبيد بن المضرحى_ رجلا من قومه، فقال له الرجل: أنت كل على قومك، والله إنك لخامل الذكر والحسب، ذليل النفر، خفيف على كاهل خصمك، كل على ابن عمك"، فقال هذه الأبيات. ٢ الورل: دابة على خلقة الضب، إلا أنه أعظم منه، يكون في الصحارى.
[ ١ / ٤٩ ]
"أموان "فقد غلط، لأنه يحتج بقولهم، حمل حملان، وفلق وفلقان، وهذا إنما يحمل على ما كان معتلًا مثله، نحو أخٍ وإخوان، وقد روى أبو زيد: أخوان، فإلى هذا ذهبوا، والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الضعيفة.
وقوله: "لا أرضع الدهر "فهذا على لغته، لأن قيسًا تقول: رضع يرضع، وأهل الحجاز يقولون: رضع يرضع، وينشدون بيت عبد الله بن همام" السلولي"١ على وجهين، وهو:
إذا نصبوا للقول قالوا فإحسنوا ولكن حسن القول خالفه الفعل
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها إفاويق حتى ما يدر لها ثعل٢
وبعضم يقول" يرضعونها".
وقوله:
لاأرضع الدهر إلا ثدي واضحة
يقول إنما ترضعني أمي، وليست غير كريمة، كما قال الأغشى:
يا خير من يركب المطي ولا يشرب كأسًا من بخلا
يقول: إنما تشرب بكفك، ولست ببخيل، ومثل هذا قول التميمي لنجدة ابن عامر الحنفي الخارجي٣:
متى تلق الحريش حريش سعد وعبادا ًيقود الدارعينا
تبين أن أمك لم تورك ولم ترضع أمير المؤمنينا٤
وقوله:" واضحة" أي خالصة في نسبها، وليست بأمة، وهذا توكيد لبيته الأول، وقد أنشد بعضهم: "لواضح الجد" والمعنى قريب.
_________________
(١) ١ من و. وفى س. "بيتى ابن همام". ٢ الثعل، مثلثة: خلف زائد صغير في أخلاف الناقة. ٣ هو نجدة بن عامر الحنفي، من رءوس الخوارج، كان ممن لقبوه بأمير المؤمنين قتل سنة ٧٢. "وانظر تاريخ الطبرى ١٩٤: ٧". ٤ هو الحريش بن هلال القريعى الشاعر، وعباد بن علقمة المازنى، وسيأتى ذكرهما في أخبار الخوارج.
[ ١ / ٥٠ ]
وقوله:" يحمي حوزة الجار" أي مايحوزه، يقال: فلان مانع لحوزته، أي لما صار في حيزه، ويروى عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه١ أنه قال: للأزد أربع ليست لحي، بذل لما ملكت أيديهم، ومنع لحوزتهم، وحي عمارة٢ لايحتاجون إلى، غيرهم، وشجعان لايجبنون.
وقوله:
لمالكٍ، أو لحصنٍ، أو لسيار
فهؤلاء بيت فزازة، وبيوتات العرب في الجاهلية ثلاثة، فبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه، بنو زرارة، وبيت قيس بنو فزارة ومركزه بنو بدرٍ، وبيت بكر بن وائل بنو شيبان ومركزه ذي الجدين.
وقوله: "طوال أنضية الأعناق" فالنضي مركب النصل في النسخ، وضربه مثلًا، وإنما أراد طوال الأعناق، كما قال الأعشى:
الواطئين على صدور نعالهم يمشون في الدفئي والأبراد٣
يريد السودد والنعمة ولم يخصص الصدور، وإنما أراد النعال كلها، وقال الشاعر٤:
يشبهون ملوكًا في تجلتهم وطول أنضية الأعناق واللمم
إذا بدا المسك يندى في مفارقهم راحوا كأنهم مرضى من الكرم
[قال أبو الحسن: وغيره يروي: يشبهون قريشًا في تجلتهم] .
وقوله: "بأزفار" فالزفر الحمل، ويضرب مثلًا للرجل، فيقال، إنه لزفر. أي حمال للأثقال، ويقال: أتى حمله فأزدفره، قال أبو قحامة أعشى بأهلة:
أخو رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوافل الزفر
_________________
(١) ١ ر: "﵁". ٢ العمارة هنا: الحى العظيم يمكنه الانفراد بنفسه، يفتح العين وكسرها. قال ابن الأثير: "فمن فتح فلالتفاف بعضهم على بعض كالعمارة والعمامة، ومن كسر فلأن بهم عمارة الأرض" "وانظر النهاية ١٢٨: ٣". ٣ الدفئى: ضرب من الثياب، قيل هي المخططة. ٤ زيادات ر: "هو الشمردل بن شريك اليربوعى، عن ابن قتيبة".
[ ١ / ٥١ ]
وإنما يريده بعينه، كقولك: لئن لقيت فلانًا ليلقينك منه الأسد. وقوله "النوفل" من قولهم: إنه لذو فضل ونوافل.
[ ١ / ٥٢ ]