قال أبو العباس: وكان قوم نزلوا ببني العنبر بن عمرو بن تميم، والقوم من بني ضبة، فأغير عليهم، فاستغاثوا جيرانهم فلم يغيثوهم، وجعلوا يدافعونهم حتى خافوا فوتها، فاستغاثوا بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، فركبوا فردوها عليهم، فقال المكعبر١ الضبي في ذلك:
أبلغ طريفًا حيث شطت بها النوى فليس لدهرالطالبين فناء
كسالى إذا لا قيتهم غير منطق يلهى به المحروب وهو عناء
وإني لأرجوكم على بطء سعيكم كما في بطون الحاملات رجاء
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ولو شئت قال المخبرون أساؤوا
فهلا سعيتم سعي أسرة مالك وهل كفلائي في الوفاء سواء
كأن دنابيرًا على قسماتهم وإن كان قد شف الوجوه لقاء
لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها وبعض الرجال في الحروب غثاء
_________________
(١) ١ ضبط في الأصل بفتح الباء وكسرها معا. وفي حاشية الأصل: "قال أبو الحسن: حفظي: المكبر [بكسر الباء] . وفي زيادات ر: "اسمه حريث بن عفوظ". والأبيات في حماسه أبي تمام "٣٠: ٤"- بشرح التبريزي منسوبة إلى محرز بن المكعبر الضبي، وأولها بروايته: أبلغ عديا حيث صارت بها النوى وليس لدهر الطالبين فناء قال التبريزي: "كان محرز بن المكعبر جارا لبنى عدى بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فأغار بنو عمرو بن كلاب على إبله فذهبوا بها، فطلب إلبهم أن يسعوا له، فوعدوه أن يفعلوا، فلما طال ذلك عليه ورآهم لا يصنعون شيئا أتى المخارق والساحق ابنى شهاب المزنيين-وهما من بنى خزاعة-فسعيا له بإبله فرداها عليه"، فأنشد الأبيات.
[ ١ / ٦٩ ]
قوله: "حيث شطت بها النوى"، معنى شطت: تباعدت، ويقال: أشط فلان في الحكم إذا عدل عنه متباعدًا، قال ﷿: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ ١.
وقال الأحوص:
ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي ويزعمن أن أودى بحقي باطلي
ويلحينني في اللهو ألا أحبه وللهو داعٍ دائبٌ غير غافل
والنوى: البعد، ويقال: شطت بهم نيةٌ قذف، أي رحلة بعيدة، قال الشاعر٢:
وصحصحان قذف كالترس
وليس بمأخوذ من "نأيت" في اللفظ، ولكنه مثله قي المعنى وقوله:
فليس لدهر الطالبين فناء
يقول: الطلب في إثر طلبته أبدًا. ويروى أن رجلًا من قريش بعث إلى رجل منهم وكان أخذ له غلامًا: يل هذا، إن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، فإما رددته، وإما عرضت اسمك على الله في كل يوم وليلة خمس مرات.
قال أبو الحسن: الرجل الذي أخذ منه الغلام هو جعفر بن محمد بن علي أبن الحسين، والآخذ سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
ومن أمثال العرب: "لا ينام إلا من اثَّأَرَ". ويقال لمن أدرك ثأرًا نبيلًا: أصاب ثأرًا منيمًا، وأنشد:
_________________
(١) ١ سورة ص ٢٢. ٢ هو العجاج، والصحصحان: المكان المستوى الأملس، ولملامسته شبهه بالترس. "وانظر مشارف الأفاويز-١".
[ ١ / ٧٠ ]
تقول لي ابنة البكري عمرو لعلك لست بالثأر المنيم
وقوله:
وإني لأرجوكم على بطء سعيكم كما في بطون الحاملات رجاء
يقول: وهذا رجاءٌغير صادقٍ ولا موقوفٍ عليه، كما أن هذه الحوامل لا يعلم ما في بطونها وليس بميئوس منه، وإنما يتهكم بهم وهو يعلم أن سعيهم غير كائن، ألا تراه يقول:
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ولو شئت قال المخبرون أساؤوا
وقوله:
كأن دنانيرًا على قسماتهم
زعم أبو عبيدة أن القسمات مجاري الدموع، واحدتهاقسمة، وقال الأصمعي: القسمات أعالي الوجه، ولم يبينه بأكثر من هذا. وقول أبي عبيدة مشروح، ويقال من هذا: رجل قسيمٌ، ورجل مقسمٌ، ووجهٌ قسيمٌ ومقسمٌ، قال الشاعر:
ويومًا توافينا بوجهٍ مقسم كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم
قوله" تعطو"، أي تتناول، يقال: عطا يعطو إذا تناول، وأعطيته أنا، أي ناولته، قال امرؤ القيس:
وتعطو برخص غير شثنٍ كأنه أساريع ظبي أو مساويك إسحل١
والسلم: شجر بعينه كثير الشوك، فإذا أرادوا أن يحتطبوه شدوه، ثم قطعوه، فمن ذلك قول الحجاج: والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل٢.
_________________
(١) ١ برخص، أي ببنان رخص، والرخص: الناعم. والشئن: الغليظ الخشن. ظبى: اسم رملة، والأساريع، دود مفصل الألوان بياضا وحمرة، تشبه به أصابع النساء. والإسحل: شجر يستاك بعيدانه. ٢ غرائب الإبل: هب الإبل الغريبة التي تدخل بين الإبل حال ورودها الماء، فتضربها الرعاء ضربا شديدا.
[ ١ / ٧١ ]
قال: وحدثني التوزي عن أبي زيد قال: سمعت العرب تنشد هذا البيت فتنصب" الظبية" وترفعها وتخفضها.
قال أبو العباس: أما رفعها فعلى الضمير، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ١ وهذا الباب قد شرحناه في الكتاب "المقتضب" في باب "إن وأن" بجميع علله، ومن نصب فعلى غير ضمير، وأعملها مخففة عملها مثقلة، لأنها تعمل لشبهها بالفعل، فإذا خففت عملت عمل الفعل المحذوف، كقولك: ام يك زيدٌ منطلقًا، فالفعل إذا حذف يعمل عمله تامًا، فيصير التقدير: كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم هذه المرأة. وحذف الخبر لما تقدم من ذكره. ومن قال: "كأن ظبية "جعل" أن" زاءدة، وأعمل الكاف: أراد: كظبية، وزاد"أن" كما تزيدها في قولك: لما أن جاء زيدٌ كلمته، ووالله أن لو جئتني لأعطيك.
وقوله:
"لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها"
فكل شيء كان على" فعال" من المؤنث فجمعه أفعل، وكذلك فعال، تقول: ذراع أذرع، كراع وأكرعٌ، لأنهما مؤنثتان، ومن أنث اللسان قال: ألسن، ومن ذكره قال ألسنة، وشمالٌ وأشملٌ، كما قال الشاعر٢:
"يأتي لها من أيمن وأشمل"
فأما المذكر فعلى أفعلةٍ في أدنى العدد وفعل في الكثير، يقال: حمارٌ وأحمرةٌ وحمر، وفراشٌ وأفرشة وفرش. والنواشر ما يظهر من العروق في ظهر الذراع مما يداني المعصم، وذلك الموضع يقال له أسلة الذراع، قال زهير:
ودارٌ لها بالرقمتين كأنها مراجع وشمٍ في نواشر معصم٣
_________________
(١) ١ المزمل: ٢٠. ٢ زيادات ر: "هو أبو النجم العجلى"، وبعده: وهي حيال الفرقدين تعتلى وانظر الطرائف الأدبية ٦٣. ٣ الرقمتان: روضتان بناحية الضمان.
[ ١ / ٧٢ ]
وقوله:
وبعض الرجال في الحروب غثاء
فالغثاء: ما يبس من البقل حتى يصير حطامًا، وينتهي في اليبس فيسود، فيقال له: غثاء وهشيم ودندن وثن، على قدر اختلاف أجناسه، ويقال له: الدرين، قال الله ﷿: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ١ وقال: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٢، وقال الشاعر يصف سحابًا: ٣
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها بكين بها حتى يعيش هشيم
وقال الراجز:
تكفي الفصيل أكلةٌ من ثن
وقد يقال للشيء الذي لا خير فيه: هذا غثاء، أي قد صار كذلك الذي وصفناه، ويضرب هذا مثلًا للكلام الذي لا وجه له.
_________________
(١) ١ الأعلى: ٥. ٢ الكهف: ٤٥. ٣ زيادات ر: "هو ابن ميادة، وقبله: سحائب لا من صيف ذى صواعق ولامحرقات ماؤهن حميم
[ ١ / ٧٣ ]