وقال محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ﵃: ما لك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص أو شربة ليس معها شرق فتأمل أمرك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، والخيال المخترم. أهل الدنيا أهل سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها.
قوله: "تزدلف بك إلى حمامك"، يقول: تقربك: ولذلك سميت المزدلفة وقوله ﷿: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ١ إنما هي ساعات يقرب بعضها من بعض، قال العجاج:
ناج طواه لأين مما وجفا طي الليالي: زلفاٌ فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
ناج: سريع، والأين: الإعياء.والوجيف: ضرب من السير. ونصب "طي الليالي" لأنه مصدر من قوله: "طواه الأين"، وليس بهذا الفعل، ولكن تقدير طواه الأين طياٌ مثل طي الليالي، كما تقول: زيد يشرب شرب الإبل، إنما التقديريشرب شرباٌ مثل الإبل، "فمثل" نعت، ولكن إذا حذفت المضاف استغنى بأن الظاهر يبينه، وقام أضيف إليه مقامه في الإعراب، من ذلك قول الله تبارك تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ نصب لأنه كان: "واسأل أهل القرية". وتقول:
_________________
(١) ١ سورة هود ١١٤. ٢ سورة يوسف ٨٢.
[ ١ / ١٢٤ ]
بنو فلان يطؤهم الطريق، تريد أهل الطريق فحذفت"أهل" فرفعت" الطريق" لأنه في موضع، فعلى هذا فقس إن شاء الله.
وقوله "سماوة الهلال"إنما هو أعلاه، ونصب" سماوة": " بطي"، يريد طواه الأين كما طوت الليالي سماوة الهلال. والشاهد على إنه يريد أعلاه قول طفيل:
سماوته أسمال برد محبرٍ وسائره من أتحمي مشرعب١
ويروى: " معصب"، وإنما سماوته من قولك: سماء،. فاعلم فإذا وقع الإعراب على الهاء أظهرت ما تبنيه على التأنيث على أصله، فإن كان من الياء أظهرت الياء، وإن كان من الواو أظهرت فيه الواو، تقول شقاوة لأنها الشقوة وتقول هذه إمرأة سقاية: إذا أردت البناء على غير تذكير، فإن بنيته على التذكير قلبت الياء والواو همزتين: لأن الإعراب عليهما يقع، فقلت: سقاء وغزاء يا فتى، فإن أنثت قلت: سقاءة وغزاءة، والأجود فيما كان له تذكير الهمز، وفيما لم يكن له تذكير الأظهار، وإنما السماء من الواو، لأن الأصل سما يسمو إذا ارتفع، وسماء كل شيء سقفه.
وقوله: "حتى احقوقفا" يريد اعوج، وإنما هو افعوعل من الحقف. والحقف: النقا من الرمل يعوج ويدق،.قال الله ﷿: ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ ٢أي بموضع هو هكذا.
_________________
(١) ١ الأسمال: الأخلاق من الثياب. والمحبر: الموشى. والأتحمى: ضرب من البرود فبه خطوط. والمشرعب، يريد أنه منسوب إلى الشرعبية، وهي ضرب من البرود. ٢ سورة الأحقاف ٢١. والأحقاف: رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن، وهي مساكن عاد.
[ ١ / ١٢٥ ]