وقال نبهان بن عكي العبشمي:
يقر بعيني أن أرى من مكانه ذرا عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به سليمى، وقد مل السرى كل واجد
وألصق أحشائي ببرد ترابه وإن كان مخلوطًا بسم الأساود
قوله: "ذرا عقدات" فالذروة من كل شيء أعلاه، فذروه السنام أعلاه، وذروة المجد أرفعه وأسناه، ويقال: فلان في ذروة قومه إذا كان في الموضع الرفيع منهم، وأما قول لبيد:
مدمنٌ يجلو بأطراف الذرا دنس الأسؤق عن عضب أفل
فإنما يقول: هذا رجل يعرقب الإبل لينحرها ثم يمسح ذرا أسنمتها بسيفه، ليجلو ما عليه من دم الأسؤق.
وقوله: "عضب" أي قاطع، ومن ذلك رجل عضب اللسان، وجعله أفل لكثرة ما يقارع به الحروب، كما قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وقوله: "عقدات "فهو ما انعقد وصلب من الرمل، والواحدة عقدة، وأعقاد أيضًا وعقدات، قال ذو الرمة لهلال بن أحوز المازني يمدحه:
رفعت مجد تميم يا هلال لها رفع الطراف على العلياء بالعمد١
حتى نساء تميم وهي نازحة بقلة الحزن فالصمان فالعقد
لو يستطعن إذا ضافتك مجحفة وقينك الموت بالآباء والولد
_________________
(١) ١ الطرف: بيت من جلد، والعلياء: المكان المرتفع.
[ ١ / ٤٦ ]
وقوله: "الأبرق" فالأبرق حجارة يخلطها رمل وطين، يقال لتلك: برقة، وأبرق، وبرقاء، يا فتى كما يقال: الأمعز والمعزاء، وهي الأرض الكثيرة الحصباء، ومثل ذلك الأبطح والبطحاء، وهو ما انبطح من الأرض، فمن قال: أبرق فإنما أراد المكان، ومن قال: برقاء فإنما أراد البقعة.
وقوله: "المتقاود" يريد المنقاد المستقيم، ومن ذلك قولهم: قدته أي جررته على استقامة، وكذلك طريق منقاد، وفلان قائد الجيش، قال حاتم بن عبد الله الطائي يضرب هذا مثلًا:
إن الكريم من تلفت حوله وإن اللئيم دائم الطرف أقود١
وقوله:
ولو كان مخلوطًا بسم الأساود
يريد جمع أسود سالخ، وجمعه على أساود، لأنه يجري مجرى الأسماء، وما كان من باب "أفعل" اسما فجمعه على أفاعل، نحو أفكل وأفاكل٢، والأكبر والأكابر، وكذلك كل ما سميت به رجلًا، تقول: أحمد وأحامد وأسلم وأسالم، فإن كان نعتًا فجمعه" فعل"٣ نحو أحمر وحمر وأصفر وصفر، ولكن أسود إذا عنيت به الحية، وأدهم إذا عنيت به٤ القيد، وأبطح إذا عنيت٥ المكان المنبطح، والأبرق٦ إذا عنيت المكان، مضارعة للأسماء، لأنها تدل على ذات الشيء، وإذا كانت في الأصل نعتًا محضًا٧، تقول في جمعها: الأباطح والأبارق والأداهم والأساود، فإن أردت نعتًا محضًا يتبع المنعوت، قلت: مررت بثياب سود، وبخيل دهم، وكل ما أشبه هذا فهذا مجراه، قال جرير:
هو القين وابن القين لا قين مثله لفطح المساحي أو لجدل الأداهم٨
_________________
(١) ١ حاشية الأصل: "الأقود من الرجال: الذي لا يلتفت". ٢ الأفكل: اسم لرعدة من برد أو خوف. ٣ ر، س: "فجمعه على فعل". ٤ ر، س: "إذا عنيت به القيد". ٥ ر: "إذا عنيت المكان". ٦ ر: "وأبرق إذا عنيت به المكان". ٧ ساقطة من ر. ٨ المساحى: "جمع مسحاة، وهي المجرفة من حديد يجرف بها الطين عن وجه الأرض".
[ ١ / ٤٧ ]
وقال الأشهب بن رميلة: قال أبو الحسن: رميلة اسم أمة١:
أسود شرى لاقت أسود خفية تساقت٢ على حرد دماء الأساود
قوله: "على حرد" يقول: على قصد، فأما الله ﷿: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ ٣ فإن فيه قولين: أحدهما ما ذكرنا من القصد، قال الشاعر٤:
قد جاء سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغلة٥
وقالوا: "على حرد": أي على منع من حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت درها.
[قال أبو الحسن: رواية أبي العباس: "يقر بعيني "يريد يقر عيني، ثم أتى بالباء توكيدًا، وقال لنا: هكذا سمعته، ويقال: أقر الله عينه يقرها، وقرت عينه تقر، وقررت بالمكان أقر وقال الأصمعي: قرت عينه من القر وهو البرد، أي جمدت فلم تدمع، وهو بحذاء سخنت عينه وأجود مما روى عندي: "يقر بعيني"، وهو الأصل، والباء في موضعها غير مؤكدة.
وقال أبو العباس: الذي رويت: "وقد مل السرى كل واحد"، وهو المنفرد في السير المتوحد به، وروىغيره: "كل واجد"، أي عاشق وروي أيضًا: "كل واخد"، وهو من الوخد والوخدان، وهو السير الشديد والوخد المصدر، والوخدان الاسم] .
_________________
(١) ١ مابين العلامتين من ر، س. ٢ ر، س: "تسافوا". ٣ سورة القلم ٢٥. ٤ س: "قيل: هو قطرب". ٥ زيادات ر: "قال أبو حاتم: هذه صنعة من لا أحسن الله ذكره_يعني قطربا"، وفيها "قطربأ" تصحيف.
[ ١ / ٤٨ ]