وقال نضلة السلمي١ في يوم غولٍ وكان حقيرًادميمًا، وكان ذا نجدةٍ وبأسٍ:
ألم تسل الفوارس يوم غولٍ٢ بنضلة، وهو موتور مشيح
_________________
(١) ١ الأبيات في مجالس ثعلب ٧-٨ روى أنه "مر قوم من بني سليم برجل من مزينة يقال له نضلة في إبل له، فاستسقوه لبنا فسقاهم، فلما رأوا أنه ليس في الأبل غيره ازدروه، فأرادوا أن يستاقوها، فجالدهم حتى قتل منهم رجلا، وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني سليم "، وأورد الأبيات. ونسبها الجاحظ في البيان "٣٣٨: ٣" إلى أبي محجن الثقفى، ولم ترد في ديوانه. ٢ الغول: ماء للضباب فيه نخل وعيون. ورواية ثعلب: ألم تسأل فوارس من سليم ورواية الجاحظ: ألم تسل الفوارس من سليم
[ ١ / ٧٦ ]
رأوه فازدروه وهو حر١ وينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتًا كما عض الشبا الفرس الجموح
فأطلق غل صاحبه وأردى قتيلًا منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم وتحت الرغوة اللبن الصريح
قوله: "وهو موتور مشيح" فالمشيح الحامل الجاد، يقال: أشاح يشيح إذا حمل، وأنشدني التوزي قال: أنشدني أبو زيد وهو لأبي العيال الهذلي:
مشيح فوق شيحان يشد كأنه كلب
قال: وشيحان اسم فرسه.
قال أبو الحسن ويروى: "شيحان" [بفتح الشين] ٢، وحقه٣ على رواية أبي زيد ألا ينصرف لأنه فعلان، فالألف والنون زائدتان، وهو معرفة، فضارع عطشان وما جرى مجراه، وإنما اضطر فصرفه. وعن٤ أبي زيد أيضًا يرويه:" شيحان"، وهو الجاد، وهو صفة شائعة، وليس كالأول فالأول معرفة مشتق عن النعت٤.
وقال ابن الإطنابة، واسمه عمرو:
وإجشامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
ويقال في هذا المعنى: رجل شيح، كما يقال: ناقة نقض، إذا كانت هزيلًا، قال أبو ذؤيب٥:
وشايحت قبل اليوم إنك شيح
_________________
(١) ١ ثعلب والجاحظ: "وهو خرق". والخرق: الفتى الكريم الخليقة. ٢ من ر. ٣ س: "وجب على رواية أبي زيد". ٤ ساقط من ر. ٥ صدره: بدرت إلى أولاهم فسبقتهم وانظر ديوان الهذليين ١١٦: ١.
[ ١ / ٧٧ ]
وقوله: "بالسيف صلتًا" يقول: منتضى، ورجل صلت الجبين إذا كان نقيه.
وقوله: "كما عض الشبا" يريد حد اللجام، وشبا كل شيء حده.
وقوله: "وأردى" أي أهلك، يقال: ردي يردى إذا هلك، والردى: الهلاك، قال الله ﷿: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ ١، قيل فيه قولان: أحدهما إذا تردى في النار، والآخرإذا مات، وهو" تفعل" من الردى.
وقوله:
ولم يخشوا مصالته عليهم
فهي" مفعلة" من صال يصول، ويقال: صال البعير إذا عض.
وقيل للمغيرة بن شعبة: إن بوابك يإذن لأصحابه قبل أصحابك، فقال: إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمال الصؤول، فكيف بالرجل الكريم!
وقوله:
وتحت الرغوة اللبن الصريح
يقول: إذا رأيت الرغوة وهو ما يرغو كالجلد في أعلى اللبن لم تدر ما تحتها، فربما صادفت اللبن الصريح إذا كشفتها. أي أنهم رأوني فازدروني لدمامتي، فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا. والصريح: المحض الخالص، من ذلك قولهم: عربي صريح أي خالص، ومولى صريح.
ومن أمثال العرب: "إنه ليسر حسوا في ارتغاء" ومعنى ذلك أنه يوهمك أنه يأخذ بفيه تلك الجلدة عن اللبن ليصلحه لك، يحسو من تحتها، يضرب هذا المثل لمن يريك أنه يعينك، وإنما يجتر النفع إلى نفسه.
_________________
(١) ١ سورة الليل: ١١.
[ ١ / ٧٨ ]