قال أبو العباس: وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر، فجمعه الطريق والشماخ بن ضرار المري، فتحادثا، فقال عرابة: ماالذي أقدمك المدينة قال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برا وتمرًا، وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة، فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجاروا إلى ربع الرهان ولا الثمين١
قوله:" تلقاها عرابة باليمين"، قال أصحاب المعاني: معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قول الله ﷿: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢ وقد أحسن كل الاحسان في قوله:
إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين
يقول: لست أحتاج إلى أن أرحل إلىغيره.
وقد عاب بعض الرواة قوله: "فاشرقي بدم الوتين"، وقال كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصارية٣ المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله ﷺ: "لبئس ما جزيتها" وقال: "لانذرفي معصية، ولا نذر للانسان في غير ملكه".
_________________
(١) ١ الرهان: ما يوضع من المال في مسابقة الخيل، والثمين: الثمن. ٢ الزمر ٦٧. ٣ ذكر ابن هشام أنها امرأة رجل من غفار. "وانظر خبر أسرها مع زوجها في السيرة ٣٢٣:٣-٣٢٧".
[ ١ / ١٠٨ ]
ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري لما أمره رسول الله ﷺ بعد زيد وجعفرٍ على جيش مؤتة١:
إذا بلغتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي
الحساء: جمع حسي، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنع الرمل السمائم أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء، يقال: حسي وأحساء وحساء، ممدودة.
وقوله: " ولا أرجع إلى أهلي ورائي" مجزوم لأنه دعاء، فقوله:" لا" يعني الجازمة، ومعناه: اللهم لا أرجع، كما تقول: زيد لا تغفر له٢، فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي، كما تقول: زيد ليقم، وزيد لا يبرح وقد اتبع ذو الرمة الشماخ في قوله:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر
الوصل: المفصل بما عليه من اللحم، يقال: قطع الله أوصاله، ويقال: وصل، وكسروجدل، في معنى واحد.
_________________
(١) ١ مؤته: اسم قرية بالشام، موضع الغزوة المشهورة. ٢ ر: "لايغفر الله له".
[ ١ / ١٠٩ ]