قال أبو العباس: ثم نذكر من كلام الحكماء وأمثالهم وآدابهم صدرًا، ونعود١ إلى المقطعات إن شاء الله.
[يروى عن ابن عمر أنه كان يقول: إنا معشر قريش، كنا نعد الجود والحلم السودد، ونعد العفاف وإصلاح المال المروءة] ٢.
قال الأحنف بن قيس: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزح تذهب المروءة، ومن لزم شيئًا عرف به.
وقيل لعبد الملك بن مروان: ما المروءة؟ فقال: موالاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء.
وتأويل المداجاة المداراة؛ أي لا تظهر لهم ما عندك من العداوة، وأصله من الدجى، وهو ما ألبسك الليل من ظلمته.
وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجريرة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النبل؟ فقال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة.
وكان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جارًا، واخترت داري دارًا، فجناية يدك علي دونك، وإن جنت عليك يدٌ فاحتكم علي حكم الصبي على أهله.
وذلك أن الصبي قد يطلب ما لا يوجد إلا بعيدًا، ويطلب ما لا يكون البتة، قال الشاعر٣:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه كثيرٌ على ظهر الطريق مجاهله
وروي٤ أن معاوية بن سفيان لما نصب يزيد لولاية العهد أقعده في قبةٍ حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجلٌ
_________________
(١) ١ ر: "ثم نعود". ٢ مابين العلامتين تكمله من ر. ٣ زيادات ر: "هو الأعرج المعنى". ٤ ر: "ويروى".
[ ١ / ٤٣ ]
فعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها-والأحنف جالسٌ-فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر! فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرًا! وأمر له بألوفٍ، فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن شر من خلق الله هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع باستخراجها إلا بما سمعت، فقال الأحنف: يا هذا أمسك عليك١، فإن ذا الوجهين خليقٌ ألا يكون عند الله وجيهًا.
_________________
(١) ١ كلمة "عليك" ساقطة من ر، س.
[ ١ / ٤٤ ]