قيل لمعاوية رحمة الله عليه: ما النبل؟ فقال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة. ويروى عن رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بشراركم؟١ من أكل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده، ألا أخبركم بشر بين ذلكم؟ من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبًا ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ من يبغض الناس ويبغضونه". ويروى عنه ﵇ أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدً على من سواهم، والمرء كثير بأخيه" قوله ﷺ: "تتكافأ دماؤهم"، من قولك: فلان كفء لفلان، أي عديله، وموضوع بحذائه، قال الله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويقال: فلان كفاء فلان، وكفيء فلان، وكفء فلان.
ويروى أن الفرزق بلغه أن رجلا من الحبطات بن عمرو بن تميم خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال الفرزدق:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمعٍ وتنكح في أكفائها الحبطات
فآل مسمع بيت بكر بن وائل في الإسلام، وهم ممن بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والحبطات هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم فقوله: " أكفاؤهم" إنما هو جمع كفء يافتى، فقال رجل من الحبطات يجيبه:
أما كان عباد كفيئا لدارم بلى ولأبيات بها الحجرات
يعني بني هاشم من قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ٢.
وقال علي بن أبي طالب ﵀: من لانت كلمته، وجبت محبته وقال: قيمة كل امرىء ما يحسن.
_________________
(١) ١ ر: "ألا أخبركم بشراكم؟ " قالوا: بلى، قال: "من أكل وحده ". ٢ سورة الحجرات ٤.
[ ١ / ٥٦ ]
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يثبتن لك الود في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه وقال: كفى بالمرء غيًا أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاٌ ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤدي جليسه فيما لا يعنيه.
وقال عبد الله بن العباس لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها، ومن الكعبة ركنها، ومن السيوف صميمها يعني سهيلا من النجوم، والركن اليماني، وصمصامة عمرو بن معدي كرب.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀ قال يوماٌ: من أجود العرب فقيل له: حاتم، قال: فمن شاعرها قيل: امرؤ القيس بن حجر، قال: فمن فارسها قيل: عمرو بن معديكرب، قال: فأي سيوفها أمضى، قيل: الصمصامة. وقال معاوية بن أبي سفيان رحمة الله للأحنف بن قيس وجارية بن قدامة ورجال من بني سعد معهما كلامًا أحفظهم، فردوا عليه جوابًا مقذعًا، وبنت قرظة في بيتٍ يقرب منه، فسمعت ذلك، فلما خرجوا قالت: يا أمير المؤمنين، لقد سمعت من هؤلاء الأجلاف كلامًا تلقوك به فلم تنكر، فكدت أخرج إليهم فأسطو بهم. فقال لها معاوية: إن مضركاهل العرب، وتميمًا كاهل مضر، وسعدًا كاهل تميمٍ، وهؤلاء كاهل سعدٍ.
وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه، وإن لم تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتفٍ جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني المقذع: الذي فيه إقذاع وهو السيء من القول.
[ ١ / ٥٧ ]