العرب كانت تسمي المحرم المؤتمر وصفر ناجرا وربيع الأول خوانا وربيع الثاني وبصانًا وجمادى الأولى الحنين وجمادى الاخرى الرنى ورجب الأصم وشعبان العاذل ورمضان الناتق والشوال وعلا واغلا وذو العقدة هواعًا وورنة وذو الحجة بركا وقد نظمها الصاحب إسماعيل بن عباد:
أردت شهور العرب في جاهلية فخذها على سرد المحرم تشترك
فمؤتمر يأتي ومن بعد ناجر وخوان مع وبصان تجمع في شرك
حنين ورني والأصم وعاذل وناتق مع وعل وورنة مع برك
وما أحسن قول الشاعر
وشادن مبتسم عن حبب مورد الخلد مليح الشنب
يلومني العاذل في حبه وما درى شعبان أني رجب
لمجير الدين محمد بن تميم
وكأنما النار التي قد أوقدت ما بيننا ولهيبها المتضرم
سوداء أحرق قلبها فلسانها بسفاهة للناظرين تكلم
وله أيضًا
كأنما نارنا وقد خمدت جمرها بالرماد مستور
دم جرى من فواخت ذبحت من فوقها ريشهن مشهور
لشرف الدين محمد بن موسى القدسي:
اليوم يوم سرور لا شرور به فزوج ابن سحاب بابنة العنب
ما أنصف الكأس من أيدي القطوب بها ثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب
كأنما النار في تلهبها والفحم من فوقها يغطيها
زنجية شبكت أناملها من فوق نارنجة ليخفيها
[ ١ / ٣٢١ ]
أزهر اللوز أنت لكل زهر من الأوهار يأتينات إمام
لقد حسنت بك الأيام حتى كأنك في فم الدنيا ابتسام
شرف الدين ابن الوكيل
وإن أقطب وجهي حين تبسم لي فعند بسط الموالي يحفظ الأدب
ما أحسن قول من قال: ما أنصفتها تضحك في وجهك وتعبس في وجهها حكي أن عند الرشيد ذكر قول أبي نؤاس:
فاسقني البكر التي اعتجرت بخمار الشيب في الرحم
فقال لمن حضر: ما معناه؟ فقال أحدهم: إن الخمرة، إذا كانت في دنها كان عليها شيء من الزبد وهو الذي أراده. وكان الأصمعي حاضرًا فقال: يا أمير المؤمنين إن أبا علي أجل خطرًا، وإن معانيه لخفية فاسألوه عن ذلك، فأحضر وسئل فقال: إن الكرم أول آن يخرج العنقود في الزرجون يكون عليه شيء شبيه بالقطن، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن أبا نواس أدق نظرًا مما قلتم؟ ! .
مسألة قوله تعالى: " كيف نكلم من كان في المهد صبيًا " قال ابن الأبناري في أسرار العربية: كان هنا تامة، وصبيًا منصوب على الحال، ولا يجوز أن تكون ناقصة لأنه لا اختصاص بعيسى ﵇ في ذلك، ولأنه كان في المهد صبيًا، ولا عجب في تكليم من كان في ما مضى في حال الصبى إنتهى، وقال أبو البقا: كان زائدة، أي هو في المهد وصبيًا حال من الضمير في الجار والمجرور، والضمير المنفصل المقدر كان متصلًا لكان، وقيل: كان الزائدة لا يستتر فيها ضمير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير هو بل يكون الظرف صلة من، وقيل: لست زائدة، بل هي كقوله: " وكان الله غفورًا رحيمًا " وقيل: بمعنىصار وقيل: هي تامة إنتهى.
يقال: أهجى بيت قالته العرب قول الأخطل:
قوم إذا استنج الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار
ضيقت فرجها بخلًا ببولتها ولم تبل لهم إلا بمقدار
[ ١ / ٣٢٢ ]
قال الصفدي: اشتمل قوله قوم إلى آخره على معايب: أولها أنهم لا يعطون للضيف شيئًا حتى يرضى بنباح كلابهم فيستنج منها، وثانيها إن لهم نار قليلة لفقرهم تطفى ببول امرأة، وثالثها أن أمهم تخدمهم فليس لهم خدم غيرها، ورابعها أنهم كسالى عن مباشرة أمورهم حتى تقوم بها أمهم، وخامسها أنهم عاقون لوالدتهم بحيث أنهم يمتهنونها في الخدمة وسادسها عدم أدبهم لأنهم يخاطبون أمهم هذه المخاطبة التي تستحي الكرام الإلتفات بها، وثامنها أنهم جبناء لا يرقدون لأنهم مستيقظون يسمعون الحس الخفي من البعد وتاسعها قذارتهم لأنهم لا يتألمون بما يصعد من رائحة البول إذا وقع في النار، وعاشرها إلزام والدتهم بأن لا تبول لهم إلا بمقدار وتدخر ذلك لوقت الحاجة إليه وإلا فما كل وقت يطلب الإنسان الإراقة يجدها فتجد لذلك ألمًا ومشقة من احتباس البول، حادي عشرها إفراطهم في البخل إلى غاية يشفقون معها على الماء أن تطفي به النار، وثاني عشرها أنها تأكد بهذا القول عداوة المجوس للعرب لأن الفرس يعبدونها وأولئك يبولون عليها فيؤكد الحقد. حكي أن بعض الأطباء كان في خدمة بعض الملوك في غزوة لم يكن معه وقت النصرة كاتب يرسل، فتقدم للطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك، فكتب إليه: أما بعد فإن كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان حتى لو رميت بصاقة لما وقعت إلا علي فيقال: فلم تكن إلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم، فهلك الجميع بسعادتك يا معتدل المزاج. قريب من هذا قول من كان يعرف الرياضي حين احتضر: اللهم يا من يعلم قطر الدائرة، ونهاية العدد، والجذر الأصم، أقبضني إليك على زاوية قائمة، واحشرني على خط مستقيم
[ ١ / ٣٢٣ ]
للشيخ فتح الدين بن سيد الناس الحافظ في جماعة، كانوا شبيهين بالنبي ﷺ
لخمسة شبه المختار من مضر يا حسن ما خؤلوا من شبه الحسن
كجعفر وابن عم مصطفى قثم وسائب وأبي سفيان والحسن
ومن جملة التطيرات ما جرى لجرير عند عبد الملك لما أنشد قوله أتصحو أم فؤادك غير صاح؟ فتشاءم به عبد الملك، وقال: يا ابن الفاعلة بل فؤادك، وكذلك لما أنشده ذو الرمة ما بال عينيك منها الماء ينسكب وكان بعين عبد الملك مرض لا يزال تدمع منه، فقال له: وما سؤالك عن هذا يا جاهل؟ وأمر بإخراجه.
وكذلك ما وقع لأبي نواس لما هنى جعفر بن يحيى بانتقاله إلى قصر جديد بناه بقصيدة وختمها بقوله:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم بني برمك من رائحين وغاديا
فتطير يحيى وقال نعينا لأنفسنا، وبعد أيام أوقع بهم الرشيد.
وقيل: إن أبا نؤاس قصد التشاؤم لهم، وكان في نفسه من جعفر شيء.
لابن القيرواني وأجاد
وأسرى بناس يمموا كعبة الندى فهم سجد فوق المذاكي وركع
على كل نشوان العنان كأنما جرى في وريديه الرحيق المشعشع
شكائمها معقودة بسياطها تخال بأيدينا أراقم تلسع
للأرجاني
كنا جميعًا والدار تجمعنا مثل حروف الجميع ملتصقة
واليوم جاء الوداع يجعلنا مثل حروف الوداع مفترقة.
لابن إسرائيل
وأسمر عسجدي اللون يحكي معاطف فده السمر العوالي
يدير على الشقيق عذار آس ويبسم بالعقيق عن اللئالي
لمرة بن يحكان، يخاطب امرأته وقد نزل به ضيف.
[ ١ / ٣٢٤ ]
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رحال القوم والسلبا
في ليلة من جمادي ذات أندية لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة حتى يلف على خيشومه الذنبا
قوله أندية: جمع ندى شاذ إذ القياس في جمع المقصور أن يكون على أفعال مثل حشى وأحشاء وقفا وأقفاء، وفي الممدود أن يكون على أفعله مثل غطاء وأغطية، وهواء وأهوية كما في الجوار شاء وأرشية وثبت أن ندى جمعه أنداء وتأوله بعضهم فقال: أندية جمع ناد وهو المجلس يعني أنهم كانوا يجلسون في الأندية يصطلون وليس بشيء.
قال الصفدي: ذكرت بالأبيات هنا، ما حكاه الشيخ محمد بن محمد بن محمد سيد الناس العمري قال اجتمع تاج الدين الأثير وفخر الدين بن لقمان وكان لتاج الدين مملوك يدعى الطنبا فجعل يدعوه باسمه والطنبا بجنبه، وهو لا يراه ويكرره نداءه ويقول: أين أنت يا الطنبا فإني لا أراك، فقال فخر الدين:
في ليلة من جمادي ذات أندية لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا
الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار مضى فلا تكدره بآثامك.