بسم الله الرحمن الرحيم قال سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر، صلوات اله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: الدنيا دار بلاء، ومنزلة بلغة وعناء، قد نزعت عنها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء، فأسعد الناس بها أرغبهم عنها، وأشقاهم بها أرغبهم فيها، فهي الغاشة لمن استنصحها، والمغوية لمن أطاعها، الفائز من أعرض عنها، والهالك من هوى فيها، طوبى لعبد اتقى فيها ربه، وقدم توبته وغلب شهوته، من قبل أن تليقيه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن موحشة غبراء مدلهمة ظلماء لا يستطيع أن يزيد في حسنة ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر إما جنة يدوم نعيمها أو إلى نار لا ينفذ عذابها.
في الحديث عن النبي ﷺ: قال الله تعالى إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني
أبو حمزة الثمالي: قال رأيت علي بن الحسينم ﵉ يصلي وقد سقط رداؤه عن منكبه، فلم يسوه حتى فرغ من صلاته، فقلت له في ذلك فقال ويحك أتدري بين يدي من كنت؟ إن العبد لا يقبل منه صلاة إلا ما أقبل فيها، فقلت: جعلت فداك، هلكنا إذن، فقال: كلا، إن الله يتم ذلك بالنوافل:
لبعض الأعراب في تصميم العزائم:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر يفي أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
ولبعضهم في هذا المعنى:
سأغسل عن العار بالسيف جالبا علي قضاء الله ما كان جالبا
وتصغر في عيني بلادي إذا انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا
من خط س عن عنوان البصري وكان شيخا فد أتى عليه أربع وتسعون سنة قال:
[ ٢ / ٣ ]
كنت أختلف إلى مالك بن أنس، فلما قدم جعفر بن محمد الصادق ﵉ اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يوما، إني رجل مطلوب، ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة في آناء الليل وأطراف النهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف، فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرس في خيرا ما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول ﷺ وسلمت عليه، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين وقلت: أسألك يالله يا الله أن تعطف علي قلب جعفر، وترزقني من عليه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم، ورجعت إلى داري مغتما، ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حب جعفر، فما خرجت من داري إلا للصلاة المكتوبة، حتى عيل صبري فلما ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفرًا ﵁ وكان بعد ما صليت العصر فلما حضرت باب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له فقال: ما حاجتك؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلا يسيرًا إذا خرج خادم فقال: ادخل على بركة الله فدخلت وسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: إجلس غفر الله لك فجلست فأطرق مليًا ثم رفع رأسه فقال: أبو من؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك وفقك يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن في زيارته والتسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيرًا، ثم رفع رأسه فقال: ما مسألتك؟ قلت: سألت الله أن يعطف علي قلبك ويرزقني من علمك وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته.
فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم وإنما هو نور يقع على قلب من يريد الله ﵎ أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أولًا في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك.
قلت: يا شريف: قال: قل: يا أبا عبد الله، قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكًا، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يورن المال مال الله يضعونه حيث أمر الله به، ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرًا، وجعل اشتغاله فيما أمر الله تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله ملكًا هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوض العبد تدبير نفسه إلى مدبره هان عليه مصايب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس وإذ أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثرًا أو تفاخرًا ولا يطلب ما عند الناس عزًا وعلوًا ولا يدع أيامه باطلًا فهذا أول درجة التقى.
قال الله تعالى: " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين "
[ ٢ / ٤ ]
قلت يا أبا عبد الله أوصني فقال: أوصيك بتسعة أشياء: فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى والله أسأل أن يوفقك لاستعماله، ثلاثة، منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها.
قال عنوان: ففرغت قلبي له قال: أما اللواتي في الرياضة فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالًا، وسم الله، وذكر حديث الرسول: ما ملأ آدمي وعاء شرًا من بطنه، فإن كان ولابد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه.
فأما اللواتي في الحلم، فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشرًا، فقل له: إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة. ومن شتمك فقل: إن كنت صادقًا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي وإن كنت كاذبًا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنا فعده بالنصيحة والدعاء.
وأما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتًا وتجربة وإياك أن تعمل برأيك شيئًا وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلًا، واهرب من الفتيا هربك من الأسد ولا تجعل رقبتك في الناس جسرًا: قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك ولا تفسد علي وردي فإني امرؤ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى منقولة كله من خط س.
إن أرباب الأرصاد الروحانية أعلى شأنًا وأرفع مكانًا من أصحاب الأرصاد الجسمانية فصدق هؤلاء أيضًا فيما ألقوه إليك مما دلت عليه أرصادهم، وأدى إليه اجتهادهم، كما تصدق أولئك السيد الرضي.
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى ولاقي بها ليلًا نسيم ربى نجد
فإن بذاك الحي حبي عهدته وبالرغم من أن يطول به عهدي
ولولا تداوي القلب من ألم الجوى بذكر تلاقينا قضيت من الوجد
في الحديث لا يترك الناس شيئًا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه.