من الملل والنحل في ذكر حكماء الهند: ومن ذلك أصحاب الفكرة، وهم أهل العلم منهم بالفلك والنجوم وأحكامها.
وللهند طريقة تخالف طريقة منجمي الروم والعجم وذلك: أنهم يحكمون أكثر الأحكام باتصالات الثوابت دون السيارات، وينسبون الأحكام إلى خصايص الكواكب دون طبايعها، ويعدون زحل السعد الأكبر وذلك لرفعه مكانه، وعظم جرمه، وهو الذي يعطي العطايا الكلية من السعادة الخلية من النحوسة، فالروم والعجم يحكمون من الطبايع، والهند يحكمون من الخواص، وكذلك طبهم، فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبايعها، وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون أمر الفكر؛ ويقولون: هو المتوسط بين المحسوس والمعقول والصور من المحسوسات ترد عليه والحقايق من المعقولات ترد عليه أيضًا، فهو مورد المعلمين من العالمين ويجتهدون كل الجهد حتى يصرف الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضات البليغة والاجتهادات المجهدة، حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، فربما يخبر عن مغيبات الأحوال وربما يقوى على حبس الأمطار، وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الآن في الحال ولا يستبعد ذلك فإن للوهم أثرًا عجيبًا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس. أليس الاحتلام في تصرف الوهم في الجسم؟ أليس الإصابة بالعين تصرف الوهم في الشخص؟ أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية، والوهم إذا تجرد، عمل أعمالًا عجيبة ولهذا كانت أهل الهند تغمض عينها أيامًا لئلا يشغل الفكر والوهم بالمحسوسات ومع التجرد إذا اقترن به وهم أخر اشتركا في العمل،
[ ١ / ١٩٥ ]
خصوصًا إن كانا مشتركين في الاتفاق، ولهذا كانت عادتهم إذا دهمهم أمر يجتمع أربعون رجلًا من الهند المخلصين المشفقين على رأي واحد في الإصابة لينجلي لهم المهم الذي دهمهم حمله، ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكاد ثقله ومنهم البكريسته لنلكر بسته يعني المصفدين بالحديد وسنتهم حلق الرؤوس واللحى وتعرية الأجساد ما خلا العورة، وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم، لئلا ينشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر، ولعلهم رأوا في الحديد خاصية تناسب الأوهام، وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن وكثرة العلم كيف يوجب ذلك؟ !