من النهج والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهدًا وأجر في الأغلال مصفدًا أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالمًا لبعض العباد، وغاصبًا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدًا لنفس تسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها.
والله ولقد رأيت عقيلًا وقد أملق حتى استماحني من بركم صاعًان ورأيت صبيانه شعث الألوان شعث الشعور، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدًا وكرر علي القول مرددًا، فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قيادة مفارقًا طريقي فأحميت له حديدة ثم أدنيها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من مسحها فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبة؟ وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى؟ ولا أئن من لظى، وأعجب من ذاك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنأها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها فقلت: أصله، أم زكاة أم صدقة؟ فذاك محرم علينا أهل البيت فقال: لا ذاك ولا ذاك ولكنه هدية فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أم ذو جنة أم تهجر؟ .
والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي أهون من ورقة في فم جرادة تقتضمها ما لعلي ونعيم يفنى؟ ﴿ولذة لا تبقى؟﴾ نعوذ بالله سبحانه من سيئات العقل وقبح الزلل وبه نستعين.
أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.
عن أمير المؤمنين علي ﵁ أربع خصال الجهل: من غضب على من لا يرضيه، وجلس إلى من لا يدنيه وتفاقر إلى من لا يغنيه وتكلم بما لا يعنيه.
[ ٢ / ٢٠ ]
قال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يعلم أن الناس لا خير فيهم وأن يعلم أنه لابد منهم وإذا عرف ذلك عاملهم على قدر ما تقتضيه هذه المعرفة.
شتم رجل بعض الحكماء فتغافل عن جوابه، فقال: إياك أعني فقال الحكيم وعنك أغمض.
ومن درة الغواص قولهم: هاون غلط إذ ليس في كلام العرب فاعل والعين فيه واو الصواب أن يقال هاوون على وزن فاعول.
لسان العاقل من وراء قلبه وقلب الأحمق من وراء لسانه.
السكاكي يستهجن قول أبي تمام:
لا تسقني ماء الملام فإنني صب قد استعذبت ماء بكائي
لأن الاستعارة التخييلية فيه منفكة عن الإستعارة بالكناية، وصاحب الإيضاح يمنع الإنفكاك فيه مستندًا بأنه يجوز أن يكون قد شبه الملام بظرف شراب مكروه فيكون استعارة بالكناية، وإضافة الماء تخييلية، وأنه تشبيه من قبيل لجين الماء لا استعارة، قال ووجه الشبه أن اللوم يسكن حرارة الغرام كما أن الماء يسكن غليل الأوام.
وقال الفاضل الجلبي في حاشية المطول: فيه نظر، لأن المناسب للعاشق أن يدعي أن حرارة غرامه لا تسكن لا بالملام، ولا بشيء آخر، فكيف يجعل ذلك وجه شبه؟ ! إنتهى كلامه هذا.
ونقل ابن الأثير في كتاب المثل السائر أن بعض الظرفاء من أصحاب أبي تمام لما بلغه البيت المذكور أرسل إليه قارورة وقال: إبعث إلينا شيئًا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام إبعث علي بريشة من جناح الذل لأبعث إليك بشيء من ماء الملام. ثم إن ابن الأثير استضعف هذا النقل وقال: ما كان أبو تمام بحيث يخفى عليه الفرق بين التشبيه في الآية والبيت، فن جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح مناسب للذل، وذلك أن الطائر عند إشفاقه وتعطفه على أولاده يخفض جناحه ويلقيه على الأرض، وهكذا عند تعبه ووهنه، والإنسان عند تواضعه وانكساره يطأطىء رأسه ويخفض يديه اللذين هما جناحاه، فشبه ذله وتواضعه لحالة الطائر على طريق الاستعارة بالكناية وجعل الجناح قرينة لها وهو من الأمور الملائمة للحالة المشبه بها، وأما ماء الملام فليس من هذا القبيل كما لا يخفى انتهى كلام ابن الأثير مع زيادة وتنقيح هذا.
ويقول كاتب هذه الأحرف إن للبيت محملًا آخر كنت أظن أني لم أسبق إلى هذا الوجه حتى رأيته في التبيان وهو أن يكون ماء الملام من قبيل المشاكلة لذكر ماء البكاء ولا يظن أن
[ ٢ / ٢١ ]
تأخر ذكر ماء البكاء يمنع المشاكلة، فإنهم صرحوا في قوله تعالى: " فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين " أن تسميه الزحف على البطن مشيًا لمشاكلة ما بعده وهذا الحمل إنما يتمشى على تقدير عدم صحة الحكاية المنقولة.
ثم أقول: هذا الحمل أولى مما ذكره صاحب الإيضاح فإن الوجهين اللذين ذكرهما في غاية البعد، إذ لا دلالة في البيت على أن الظرف أو الماء مكروه كما قاله المحقق التفتازاني في المطول والتشبيه لا يتم بدونه.
وأما ما ذكره صاحب المثل السائر في أن وجه الشبه أن الملام قول يعنف به المعلوم وهو مختص بالسمع؛ فنقله أبو تمام إلى ما يختص بالحلق، كأنه قال: لا تذقني ما الملام ولما كان السمع يتجرع الملام أو لا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، فهو وجه في غاية البعد أيضًا كما لا يخفى.
والعجب منه أنه جعله قريبًا وغاب عنه عدم الملائمة بين الماء والملام هذا وقد أجاب بعضهم على نظر الفاضل الجلبي في كلام إيضاح بأن تشبيه الشاعر الملام بالماء في تسكين نار الغرام إنما هو على وفق معتقد اللوام أن حرارة غرام العشاق تسكن بورود الملام وليس ذلك على وفق معتقده، فلعل معتقده أن نار الغرام تزيد بالملام كما ينظر إليه قول أبو الشيص:
أجد الملامة في هواك لذيذة حبًا لذكرك فليلمني اللؤم
أو أن تلك النار لا يؤثر فيها الملام كما قال الآخر:
جاؤوا يرمون سلواني بلومهم عن الحبيب فراحوا مثل ما جاؤوا
فقول الجلبي: لأن المناسب للعاشق الخ غير جيد، فإن صاحب الإيضاح لم يقل إن التشبيه معتقد العاشق.
ويقول كاتب الأحرف: إن ذكره صاحب الإيضاح الكراهة في الشراب صريح بأنه غير راض بهذا الجواب انتهى.
لبعضهم
بكرت عليك فهيجت وجدا هوج الرياح وأذكرت نجدا
أتحن من شوق إذا ذكرت نجد؟ وأنت تركتها عمدا
ابن الخياط
خذا من صبا نجدٍ أمانًا لقلبه فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه إذا مر كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أبصرتما لعلمتما مكان الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
وفي الحي محني الضلوع على جوى متى يدعه داعي الغرام يلبه
غرام على يأس الهوى ورجائه وشوقًا على بعد المزار وقربه
ومحتجب بين الأسنة والقنا وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا أنست في الحي أنة حذارًا عليه أن تكون لحبه
آخر
وأتعب الناس ذو حال ترقها يد التجمل والأقتار تخرقها
نقل ركابك للعلا ودع الغواني للقصور
[ ٢ / ٢٢ ]
فمحالفوا أوطانهم أمثال سكان القبور
لولا التغرب ما ارتقى درر البحور إلى النحور