قال ابن الحزم في مراتب الإجماع: وأجمعوا على أن ليلة القدر حق: وهي في السنة ليلة احدة انتهى، ومنهم من قال هي في مجموع شهر رمضان، ومنه من قال في أفراد العشر الآخر، ومنهم من قال في السابع والعشرين وهو قول ابن عباس، لأن قوله: هي سابع وعشرون لفظة من السورة وليلة القدر تسعة أحرف، وهي مذكورة ثلاث مرات، فيكون سبعة وعشرين لفظة، ومنهم من قال في مجموع السنة: لا يخص بها رمضان ولا غيره روى ذلك ابن مسعود، قال: من يقم الحول يصيبها، ومنهم من قال: رفعت بعد النبي ﷺ إن كان فضلها لنزول القرآن، فالذي قال إنها في مجموع رمضان اختلفوا في تيينها على ثمانية أقوال: قال ابن رزين هي الليلة الأولى، وقال الحسن البصري هي السابعة عشر وعن أنس أنها التاسعة عشر، وقال محمد بن إسحاق: هي الحادية والعشرون، وعن ابن عباس السابعة والعشرون. وعن أبي الثالثة والعشرون: وقال ابن مسعود الرابعة والعشرون وقال أبو ذر الغفاري هي الخامسة والعشرون.
ومن قال إنها لا تخص رمضان يلزمه أنه إذا قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر، وإنها لا تطلق حتى يحول عليها الحول لأنها قد مرت بيقين لأن النكاح أمر متيقن لا يزول إلا بمثله وكونها في رمضان أمر مظنون، وفي هذا التفقه نظر، لأن الأحاديث الصحيحة التي تثبت بخبر الآحاد توجب العمل ولا تفيد العلم.
وقيل: في تسميتها بليلة القدر وجوه: أحدهما إنها ليلة تقدير الأمور والأحكام قال عطا عن ابن عباس إن الله تعالى قدر ما يكون في تلك السنة فيها من رزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة. وقيل القدر الضيق، لأن الأرض تضيق على الملائكة فيها.
وقيل: القدر المرتبة للفاعل متى أتى فيها بالطاعة، كان ذا قدر وشرف. وقيل نزل فيها كتاب ذو قدر وشرف عظيم، وقيل غير ذلك.
واعلم أن الله تعالى لا يحدث تقديره في هذه الليلة، لأنه تعالى قدر المقادير قبل خلق السماوات والأرض في الأزل، ولكن المراد إظهار تلك المقادير من شرح لامية العجم للصفدي.
لأبي الحسين الجزار في الحث على الإنفاق
إذا كان لي مال على ما أصونه؟ وما ساد في الدنيا من البخل دينه
ومن كان يومًا ذا يسار فإنه خليق لعمري أن تجود يمينه
للصفدي فيه
[ ١ / ٣٠٧ ]
لا تجمع الدينار واسمح به ولا تقل كن في حمى كنفي ما الدهر نحوي فينحو الهدى ويمنع الجمع من الضرف
لابن عبدون
كأن عداه في الهيجا ذنوب وصارمه دعاء مستجاب
البختري
تسرع حتى قال من شهد الوغى لقاء أعاد أم لقاء حبائب؟
لأبي تمام رحمه الله تعالى
يستعذبون مناياهم كأنهم لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
ابن عنيز أو عنترة
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
للخفاجي الحلبي
ولا ينال كسوف الشمس طلعتها وإنما هو فيما يزعم البصر
لابن قزل في عمياء عشقها
علقتها عمياء مثل المها فخان فيها الزمن الغادر
أذهب عينيها فإنسانها في ظلمة لا يهتدي حائر
تجرح قلبي وهي مكفوفة وهكذا قد يفعل الباتر
ونرجس اللحظ بدا ذابلًا واحسرتا لو أنه ناظر
للشيخ الجليل النبيل الشيخ لطف الله في لامة يقرى وهو السيف القاطع سلمه الله تعالى:
أيا من يجمع العلوم أشهر وساد الأنام ببحر وبر
أبن لي اسم مولى ولي موئلًا إليه انتهى الدين بين البشر
وعنه النقول ورشد العقول وأخبار دين وجل الأثر
حوى إسمه الجفر والأرض ثم ضياء وماء وعين البصر
وقسمين من أربع أعربت بمجموعها معربات السور
[ ١ / ٣٠٨ ]
وما قابل الشرع والأصل بل هما في المسمى العظيم الخطر
وما بعد عسر وضيق يجيء وزلزاله مقتضاها الضرر
بلفظين كل وجزء له وكل مفيد لها في النظر
وأحرف قد رتبت دون ما تأخر عنها فدعه وذر
وجل مراتب عد على الترتب فيه على ما صدر
بلا فاصل أجبني لها ووسطى المراتب من ذي الدرر
لعقدين من غير فصل على الترتب حازت كما قد بدر
وليس له مركز سيدي وصدراه سيان أي في القدر
وعجزان أيضًا سوى أن ذين أقل وأكثر عند الفكر
وفيما التساوي به قد بدى تبدي التفاوت أيضًا وقر
وصدران قلبيهما واحد وأيضًا كثير لمن اعتبر
وعجز أخيريه مستوحد بلا كثرة العديا من خبر
وإلا فهذا له كثرتان يفوقان ذاك بكل السير
وذا القلب مع نفسه قد حوى لدى العجز أيضًا فزاد الأثر
وقد جمع الصدر والعجز جزء وجزآن أيضًا بعين العبر
وليس لعجزيه قلب وإن لثالثه القلب منه بدر
ولحى لثانيه قلب وقد حوى أولان جهات البصر
وعجزان ثلثان فيها مع التناصف فانظر رقيب الحذر
وفي أوليه وفي آخريه على ما هما مضمرات أخر
فأسرع أيا صاح في حله فقد من بياني جدًا ظهر
فذاك مرادي مع سابقيه ومع لاحقيه إلى المنتظر
عليهم سلام بلا منتهى يزيد على الرمل ثم الوبر
بكل زمان وإن به بكل لسان شكى أو شكر
ولعن الإله بلا منتهاه على مبغضيهم ببحر وبر
[ ١ / ٣٠٩ ]
جوابه لجامع الكتاب ولكاتب هذا اسم الشريف، بعضه علم الفاعلية، وبعضه علم المفعولية وطرفان علم الإضافة، ووسطاه بمعنى النزاهة والعفافة، ببينات، صدره ضد الشمال، ومرادف القسم في كل حال، وربعه فعل ماض بمعنى الرجوع والإياب، ونصفه أيضًا ماض بمعنى الهزيمة والذهاب، إذا نقصت من ثانيه عن تاليه صار حرفًا موصوفًا بالكمال مخصوصًا بين ساير الحروف بمزيد الإجلال، وإن أعجمت ثانيه صار خمسة أمثال الثاني وأول الأخيرة من السبع المثاني، حرفه عشرة في العدد مع أنها أربعة من غير لدد مجموعها يساوي مفرد الأشجان، وآخرها آخر الآخر ونصف أول التبيان، مبدؤه ثلاثي بالمعنين، ومنتهاه اسم فاعل لذي عينين، وإن شئت قل مبدأه عدد صلوات القصر، ومنتهاه آخر سورة العصر، وتالي صدره أول العافية والعيش، ومتلو عجزه آخر سورة قريش وإن أحببت التوضيح وأبيت إلا التصريح فقل: أوله نصف عدد تام في الحساب، وثانيه أول عدد كامل نطق بكماله الكتاب وثالثه ضعف ميقاة موسى، ورابعه أول لقب عيسى.
للأرجاني
ما جبت آفاق البلاد مطوفا إلا وأنتم في الورى متطلبي
أسعى إليكم في الحقيقة والذي تجدون مني فهو فعل الدهر بي
أنحوكم فيرد وجهي القهقري دهري فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى له والسير رأي العين نحو المغرب
لبعضهم وأحسن في قوله
بأبي حبيب زارني متنكرا فبدا الوشاة له قولي معرضا
فكأنني وكأنه وكأنها أمل ونيل حال بينهما القضا
لبعض الصوفية
نسمات هواك لها إرج تحيى وتعيش به المهج
آخر
تمنت سليمى أن نموت بحبها وأهون شيء عندنا ما تمنت
قيل: أرسل رجل سني إلى رجل شيعي قدرًا من الحنطة وكانت عتيقة فردها عليه، ثم أرسل إليه عوضها جديدة، لكن فيها تراب، فكتب له بعد قبولها هذا الشعر:
بعثت لنا بذاك البربرا رجاء للجزيل من الثواب
[ ١ / ٣١٠ ]
رفضناه عتيقًا وارتضينا به إذا جاء وهو أبو تراب
لبعضهم
لا تنكرون لأهل مكة قسوة والبيت فيهم والحطيم وزمزم
آذوا رسول الله وهو نبيهم حتى حماه أهل طيبة منهم
خاف الإله على الذي قد جاءه سلبًا فلا يأتيه إلا محرم
الشيخ الإمام التقي الدين بن دقيق العبد:
والحمد كم أسمو بعزمي في نيل العلا وقضاء الله ينكسه
كأنني البدر يبغي الشرق والفلك الأعلى يعارض مسراه فيعكسه
قال علي ﵁: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم.
وقال بعض السلاطين: إني لأستحيي أن أظلم من لا يجد ناصرًا إلا الله تعالى.
مر بعض الصوفية برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك بالظالمين أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين، فإذا بمناد ينادي حلمي على الظالمين قد أدخل المظلومين في أعلى عليين.
ولما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاثه الناس من ظلمه، توجهوا إلى السيدة نفيسة، فشكوه إليها، فقالت لهم: متى يركب؟ فقالوا: في غد فكتبت رقعة ووقفت في طريقه، وقالت: يا أحمد بن طولون فلما رآها عرفها وترجل عن فرسه وأخذ الرقعة منها وقرءها، فإذا فيها مكتوب ملكتم فأسرتم، وقدرتم وقهرتم، وخولتم فعسفتم ودرت عليكم الأرزاق فقطعتم، هذا، وقد عملتم أن سهام الأسحار نافذة لاسيما من قلوب أوجعتموها، وأجساد أعريتموها، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون واظلموا فإنا متظلمون " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " قال: فعدل من وقته وساعته.
قال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء، قراءة القرآن بالتدبر، وخلو البطن، وقيام الليل؛ والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. قال الشيخ النوري في كتاب الأذكار: قد كانت السلف لهم عادات مختلفة في القدر الذي
[ ١ / ٣١١ ]
يختمون فيه، فكانت جماعة يختمون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثلاث ليال ختمة، وجماعة في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمان: أربعة في الليل، وأربع في النهار، وروى أن محمدًا كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. وأما الذين ختموا القرآن في ركعتين فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان وتميم الداري، وسعيد بن جبير.
اعترض الشيخ عبد القادر على بعض التعاريف المتداولة للمفعول به، ينقض قوله خلق الله العالم لنا، فإنهم قالوا: إن العالم ها هنا وقع مفعول به، وليس كذلك، فإن المفعول به ما كان أولًا ووقع الفعل عليه ثانيًا، وما كان العالم قبل الخلق شيئًا. وأجيب عنه في بعض الكتب وإيراده لا يخلو عن تطويل.
قال بعض الحكماء: الظلم من طبع النفس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما علة دينية كخوف معاد. وإما سياسية كخوف السيف، أخذه أبو الطيب فقال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
مثل: فلان رجع رجوع المفلس إلى بقايا الدفاتر الموروثة.
لأبي نواس
عجبت من إبليس في تيهه وما الذي أضمر من نيته
تاه على آدم في سجدة وصار قوادًا لذريته
ابن نباتة
صلوا مغرمًا قد واصل السقم جسمه ومن أجلكم طيب الرقاد فقد فقد
بأحشائه نار يهب يشب لهيبها ومن لي بإطفاء اللهيب وقد وقد
في مليح له خال على عذاره
على لام العذار رأيت خالًا كنقطة عنبر بالمسك أفرط
فقلت لصاحبي هذا عجيب متى قالوا بأن اللام تنقط
للصفدي
ضممت خيالك لما أتى وقبلته قبلة المغرم
وقمت ومن فرحتي باللقا حلاوة ذاك اللمى في فمي
[ ١ / ٣١٢ ]
كتب إلى نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي وزيره إذ غضب عليه وطلبه ميطيقا.
ألقى في لظى فإن غيرتني فتيقن أن لست بالياقوت
عرف النسج كل من حاك لكن ليس داود فيه كالعنكبوت
فكتب يعقوب إليه
نسج داود لم يفد صاحب الغار وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمندر في لهب النار مزيل فضيلة الياقوت
قال بعضهم: في مليح اسمه ياقوت:
ياقوت ياقوت قلبي المستهام به من المروة أن لا يمنع القوت
سكنت قلبي وما تخشى تلهبه وكيف يخشى لهيب النار ياقوت؟
ذكر الأصمعي في كتاب الحلى، قال: تزوجت أعرابية غلامًا من الحي فمكثت معه أيامًا، ووقع بينهما فخرج في نادي الحي وهو يقول يا واسعة يعيرها بذلك فقالت بديهة:
أني تبعلت من بعد الخليل فتى مرزءًا ما له عقل ولا باه
ما غرني فيه إلا حسن نفثته ومنطق النساء الحي تياه
فقال لما خلا بي أنت واسعة وذاك من خجل مني تغشاه
فقلت لما أعاد القول ثانية أنت الفداء لمن قد كان يملاه
أنت الفداء لمن قد كان يملاه ويشتكي الضيق منه حين يلقاه
من كلام أمير المؤمنين ﵁: ابن آدم أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو فيما بينهما يحمل العذرة، وقد نظمه الشاعر شعرًا:
عجبت من معجب بصورته وكان من قبل نطفة مذرة
وفي غد بعد حسن صورته يصير في الأرض جيفة قذرة
وهو على عجبه ونخوته ما بين هذين يحمل العذرة
وقال آخر
أرى أولاد آدم أبطرتهم حظوظهم من الدنيا الدنية
فلم بطروا وأولهم مني إذا افتخروا وآخرهم منية
آخر
[ ١ / ٣١٣ ]
تتيه وجسمك من نطفة وأنت دعاء لما تعلم
من المشكاة للطيبي فيما أعلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إن الله ﷿ بعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، رواه أبو داود. مشكاة قوله فيما أعلم، أي في جملة ما أعلم يجوز بضم الميم، حكاية عن قول أبي هريرة، وبفتحها ماضيًا عن الاعلام حكاية عن فعله.
وقوله من يجدد لها، قال صاحب جامع الأصول: قد تكلم العلماء في التأويل وكل واحد أشار إلى المقام الذي هو مذهبه، وحمل الحديث عليه والأولى الحمل على العموم، فإن لفظة من تقع على الواحد والجمع ولا يختص أيضًا بالفقهاء، فإن انتفاع الأمر بهم وإن كان كثيرًا فإن انتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ والزهاد أيضًا كثير إذ حفظ الدين وقوانين السياسة وبث العدل وظيفة الأمراء، وكذا القراء وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع، والوعاظ، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا. لكن ينبغي أن يكون مشار إليه في كل فن من هذه الفنون، ففي رأس الأولى من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز ومن الفقهاء محمد بن علي الباقر ﵁، والقاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله عمرو الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهم من طبقاتهم، ومن القراء عبد الله بن كثير، ومن المحدثين ابن شهاب الزهري وغيرهم من التابعين وتابع التابعين. وفي رأس الثانية من أولي الأمر المأمون، ومن الفقهاء الشافعي، وأحمد ابن حنبل لم يكن مشهورًا حينئذ، واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة وأشهب من أصحاب مالك، ومن الإمامية علي بن موسى الرضا ﵁، ومن القراء يعقوب الحضرمي، ومن المحدثين يحيى بن معاذ، ومن الزهاد معروف الكرخي. وفي الثالثة من أولي الأمر المقتدر بالله، ومن الفقهاء أبي العباس بن شريح الشافعي وأبو جعفر الطحاوي الحنفي وابن جلال الحنبلي وأبو جعفر الرازي الإمامي، ومن المتكلمين أبو الحسن الأشعري، ومن القراء أبو بكر أحمد بن موسى ابن مجاهد، ومن المحدثين أبو عبد الرحمن النسائي، وفي الرابعة من أولي الأمر القادر بالله، ومن الفقهاء أبو حامد الأسفرايني الشافعي وأبو بكر الخوارزمي الحنفي وأبو محمد عبد الوهاب المالكي وأبو عبد الله الحسين الحنبلي والمرتضى الطرطوسي أخ الوضاح الشاعر، ومن المتكلمين القاضي أبو بكر
[ ١ / ٣١٤ ]
الباقلاني وابن فورك، ومن المحدثين الحكم ابن النسفي، ومن القراء أبو الحسن الجهامي، ومن الزهاد أبو بكر الدينوري وفي الخامسة من أولي الأمر المستظهر بالله، ومن الفقهاء الإمام أبو حامد الغزالي الشافعي والقاضي محمد بن المروزي الحنفي وأبو الحسن الراغوي الحنبلي، ومن المحدثين رزين العبدري، ومن القراء أبو الفداء القلانسي هؤلاء كانوا من المشهورين في الأمة المذكورة، وإنما المراد بذكر ذكر من انقضت المأة وهو حي عالم مشار إليه والله أعلم. من رسالة المشهور قال سيدنا وسندنا وشيخنا ومولانا صفي الحق والحقيقة والدين عبد الرحمن خلد الله تعالى ظلاله علينا وعلى سائر أهل الإيمان: ذكر لي الشيخ برهان الدين الموصلي وهو رجل عالم ﵀ قال: توجهنا من مصر إلى مكة المعظمة آمين البيت الحرام نريد الحج فلما كنا في أثناء الطريق نزل منزلًا وخرج علينا ثعبان، فتبادر الناس بقتله وسبقهم إليه ابن عمي فقتله، فاختطف ابن عمي ونحن ننظره ونرى سعيه ولا نرى الجني فتبادر الناس على الخيل والركاب يريدون رده، فلم يقدروا على ذلك إلا لاح سعيًا وهم ينظرون فحصل لنا من ذلك أمر عظيم، فلما أن كان آخر النهار فإذا به وعليه السكينة والوقار، فلقيناه وسألنا ما بالك؟ فقال لنا: ما هو إلا أن قتلت هذا الثعبان الذي رأيتموه فصنع لي كما رأيتم وإذا أنا بين قوم من الجن يقول بعضهم: قتلت أبي، وبعضهم يقول: قتلت ابن عمي فتكاثروا علي، وإذا برجل لصق بي وقال لي: قل أنا بالله وبالشريعة المحمدية، فأشار إلى واليهم أن سيروا إلى الشرع فسرنا وصلنا إلى شيخ كبير على مسطبة فلما صرنا بين يديه، قال: خلوا سبيله وادعوا عليه، فقال الأولاد: ندعي عليه إنه قتل أبانا، قال: فقلت حاش لله إنما نحن وفد بيت الله الحرام نزلنا هذا المنزل فخرج علينا ثعبان فبادر الناس إلى قتله فضربته فقتلته، فلما أن سمع الشيخ مقالتي قال: خلوا سبيله سمعت النبي ﷺ ببطن نخلة وهو يقول: من تزيا بغير زيه فقتل فلا دية ولا قود، وردوه إلى مأمنه، قال: فبادروا وجاؤا بي من مكانهم إلى أن أروني الركب فهذه قصتي والحمد لله رب العالمين.
للشيخ الرئيس رسالة في العشق، وقال فيها إن العشق سار في المجردات والفلكيات والعنصريات، والمعدنيات، والحيوانات، حتى أن أرباب الرياضي
[ ١ / ٣١٥ ]
قالوا في أعداد المتحابة واستدركوا ذلك على إقليدس، وقالوا فاته ذلك ولم يذكره وهي المأتان وعشرون عدد زائد أجزائه أكثر منه، وإذا جمع كانت أربعة وثمانين ومأتين بغير زيادة ولا نقصان والمأتان وأربعة وثمانون عدد ناقص أجزاؤه أقل منه، وإذا جمعت كانت جملتها مأتين وعشرين، فلكل من العددين المتحابين أجزاء مثل آخر.
فالمأتين والعشرون لها نصف وربع وخمس وعشر ونصف عشر وجزء من أحد عشر وجزء من اثنين وعشرين وجزء من أربعة وأربعين وجزء من خمسة وخمسين وجزء من مائة وعشرة وجزء من مأتين وعشرين وجملة ذلك من الأجزاء البسيطة الصحيحة مأتين وأربعة وثمانين.
والمأتان والأربعة والثمانون ليس لها إلا نصف وربع وجزء من أحد وسبعين وجزء من مأة واثنين وأربعين وجزء من مأتين وأربعة وثمانين فذلك مأتان وعشرون فقد ظهر بهذا المثال تحاب العددين، وأصحاب العدد يزعمون أن ذلك خاصية عجيبة في المحبة مجرب.
للحبتري
وإذا الزمان كساك حلة معدم فالبس له حلل النوى وتغرب
أبو الطيب
كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وللنفس أخلاق تدل على الفتى أكان سخاء ما أتى أم تساخيا؟
خلقت الوفا لو رحلت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
فتى ما سرينا في ظهور جدودنا إلى عصره إلا نرجى التلاقيا
ما فيه صنعة الاستخدام
إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا
قال الصفدي للقاضي زين الدين وقد أنشده بعض شعراء العصر بيتًا له يجمع استخدامين، فاستخدم هو أربعة شعر:
ورب غزالة طلعت بقلبي وهو مرعاها نصبت لها شباكًا من نضار ثم صدناها
وقالت لي وقد صرنا إلى عين قصدناها
[ ١ / ٣١٦ ]
بذلت العين فاكحلها بطلعتها ومجراها
ومعنى الاستخدامات الأربعة: بذلك الذهب فاكحل عينك بطلوع عين الشمس ومجرى العين الجارية من الماء.
قال الجنيد: العشق ألفة رحمانية وإلهام شوقي أوجبها الله تعالى على كل ذي روح، ليحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثالها إلا بتلك الألفن، وهي موجودة في النفس، مقدرة مراتبها عند أربابها، فما أحد إلا عاشق لأمر يستدل به على قدر طبقة من الخلق، ولذلك كان أشرف المراتب في الدنيا مراتب الذين زهدوا فيها، مع كونها معاينة، ومالوا إلى الآخرة مع كونها مخبرًا لهم عنها بصورة لفظ. لمجير الدين محمد بن تميم كتبها على وردة وأرسلها إلى معشوقه:
سيقت إليك من الحدائق وردة وأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت فمها إليك كطالب تقبيلا
وسقيم الجفون أودعه الله بذاك السقام سرًا خفيا
غلبت مقلتاه قلبي عشقًا وضعيفان يغلبان قويا
للشيخ العلامة تقي الدين ابن دقيق العبد:
كم ليلة فيك وصلنا السرى لا نعرف الغمض ولا نستريح
واختلف الأصحاب ماذا الذي يزيل من شكواهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعة وقيل بل ذكراك وهو الصحيح
قال الصفدي: انظر إلى هذا النظم، ما ألطف تركيب ألفاظه وما أحلاه. وكونه استعمل طريق الفقهاء في البحث في ذكر اختلاف الأصحاب، وأنه قيل كذا وقيل كذا وقلت كذا وهو الصحيح، كأنه إمام الحرمين وقد ألقى درسًا في مسألة فيها خلاف بين الأصحاب، وقد رجح ما رآه هو عنده من الدليل، وما رأيت أحسن من هذا بيتًا وهو يصف أحوالهم في السري. ومشاقهم في التعب ويشاورهم فيما بينهم، وما أشار به كل منهم على إزالة ما نالهم من العناء وأدخل فيه ذكر الممدوح، ونص على تصحيحه، فكأنه في حلقة الدرس وقد شرع في مسألة خلافية ويحرم هذا النظم على غير الشيخ تقي الدين
[ ١ / ٣١٧ ]
فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها
أبو الطيب
وكل امرىء يولي الجميل محبب وكل مكان ينبت العز طيب
وأنت مع الله في جانب قليل الرقاد كثير التعب
كأنك وحدك وحدته وأن البرايا با أبن وأب
قال مسلم بن الوليد يمدح ابن مزيد الشيباني شعرًاك
تراه في الأمن في درع مضاعفة لا يؤمن الدهر إن يدع على عجل
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ولا يمسح عينيه من الكحل
يقال: إن هارون الرشيد لما سمع هذا البيت وفهم أنه لمن وفيمن، طلب ابن مزيد فأحضر وعليه ثياب ملونة ممصرة فلما نظره الرشيد في تلك الحال قال: أكذبت شاعرك يا ابن مزيد؟ قال: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله: تراه في الأمن الخ، فقال: لا والله ما أكذبته، وإن الدرع علي، ما فارقني، وكشف ثيابه فإذا عليه درع. فأمر الرشيد بحمل خمسين ألف دينار إلى مزيد وخمسة آلاف دينار إلى مسلم، ويقال: إنه لما سمع البيت قال: منعي من الطيب وأرهقني باقي عمري، فما رؤي بعد ذلك ظاهر الطيب ولا مكتحلًا: ويقال إنه كان أعطر الناس في زمانه، وكان يقول: الله بيني وبين مسلم، احرمني أحب الأشياء.
[ ١ / ٣١٨ ]
من محاسن المتخلصات قول أبو الطيب
نودعهم والبين فينا كأنه قنا بن أبي الهيجاء في صدر فيلق
وليلة كحلت بالسهد مقلتها ألقت قناع الدجى في كل أخدود
قد كان تفرقني أمواج ظلمتها لولا اقتباسي سنًا من وجه داود
آخر
أتتنا بها ريح الصبا فكأنها فتاة تزجيها فتاة تقودها
فما برحت بغداد حتى تفجرت بأودية ما تستفيق مدودها
فما قضت حق العراق وأهله أتاها من الريح الشمال بريدها
فمرت تفوت الطرف سعيًا كأنها جنود عبيد الله ولت بنودها
لا يرجع الكلف الدليل عن الهوى أو يرجع الملك العزيز عن الندى
فالوجد لي وحدي دون الورى والملك لله وللظاهر
لأبي الحسين الجزار يمدح فخر القضاة نصر الله ابن قصافة:
وكم ليلة قد بتها معسر ولي بزخرف آمالي كنوز من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنى إذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
للأرجاني في كثرة أسفاره
وأخو الليالي ما يزول مراوحًا ما بين أدهم خيلها والأشهب
والأرض لي كرة أواصل ضربها وصوالجي أيدي المطايا اللعب
فيه لغيره
ألف النوى حتى كأن رحيله للبين رحلته إلى الأوطان
للأمير علاء الدين
[ ١ / ٣١٩ ]
ردفه زاد في الثقالة حتى أقعد الخصر والقوام السويا نهض الخصر والقوام وقاما وضعيفان يغلبان قويا
جمال الدين محمد بن بنانة
ومليح قد أخجل الغصن والبدر قوامًا رطبًا ووجهًا جليا
غلب الصبر في لقانا ظريه وضعيفان يغلبان قويا
لأبي الطيب في بعض أسفاره
أهم بشيءٍ والليالي كأنها تطاردني من كونه وأطارد
وحيدًا من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد
وتسعدني في غمرة بعد غمرة سبوح لها منها عليها شواهد
خليلي إني لا أرى غير شاعر فلم منهم الدعوى ومني القصائد
فلا تعجبوا أن السيوف كثيرة ولكن سيف الدولة اليوم واحد
من أبيات وقعت فيها ألفاظ مكررة لأبي الطيب:
ولم أر مثل جيراني ومثلي لمثلي عند مثلهم مقام
أسد فرايسه الأسود يقودها أسد تصير له الأسود ثعالبا
وقال الأصمعي لمن أنشده
فما للنوى جد النوى قطع النوى كذاك النوى قطاعة لوصاله
لو تسلط على هذا البيت شاة لأكلته.
[ ١ / ٣٢٠ ]
أبونواس
أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ويومًا له يوم الترحل خامس
قال: ابن الأثير: في المثل السائر مرادهم من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام ويا عجبًا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف على المعنى الفاحش. قال الصفدي: أبو نؤاس أجل قدرًا من أن يأتي بمثل هذه العبارة لغير معنى طائل، وهو له مقاصد يراعيها، ومذاهب يسلكها فإن المفهوم منه أن المقام كان سبعة أيام، لأنه قال وثالثًا ويومًا آخر له اليوم الذي رحلنا فيه خامس، وابن الأثير لو أمعن الفكر في هذا ربما كان يظهر له.
للازري
قسمًا بها ما شاق قلبي بعدها مغنى سوى مغنى بأطراف القرى
مغنى حوى قبرًا حوى جسدًا حوى صدرًا حوى علم النبي الأطهر