لما مات جالينوس وجد في جيبه رقعة فيها مكتوب: أحمق الحمقاء من يملأ بطنه من كل ما يجد، فما أكلته فلجسمك، وما تصدقت به فلروحك، وما خلفته فلغيرك والمحسن حي وإن نقل إلى دار البلى، والمسيء ميت وإن بقي في الدنيا، والقناعة تستر الخلة وبالصبر تدرك الأمور، وبالتدبير يكثر القليل، ولم أر لابن آدم شيئًا أنفع من التوكل على الله تعالى.
من كلام المسيح على نبينا وعليه السلام: لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها.
كان سقراط الحكيم قليل الأكل خشن اللباس، فكتب إليه بعض فلاسفة عصره: أنت تزعم تحسب أن الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنت ذو روح، فلم لا ترحمها بترك قلة الأكل وخشن اللباس؟ فكتب في جوابه: عاتبتني على لبس الخشن وقد يعشق الإنسان القبيحة ويترك الحسناء، وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن آكل لأعيش، وأنت تريد أن تعيش لتأكل: والسلام.
فكتب إليه الفيلسوف: قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة كلامك، وإذا كنت تبخل على نفسك بالمأكل، فلم تبخل على الناس بالكلام؟ فكتب في جوايه: ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس، فليس لك والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق سبحانه لك أذنين ولسانًا لتسمع ضعف ما تقول، لا لتقول أكثر مما تسمع والسلام.
لبعضهم
إلى الله أشكو إن في النفس حاجة تمر بها الأيام وهي كما هيا
روى شيخ الطايفة في التهذيب في أوايل كتاب المكاسب بطريق حسن، أو صحيح، عن الحسن ابن محبوب، عن جرير: قال سمعت أبا عبد الله ﵁ يقول: اتقوا الله وموتوا أنفسكم بالورع، وقووه بالثقة، والاستغناء بالله عن طلب الحوائح إلى صاحب سلطان.
واعلم أنه من خضع لصاحب سلطان، أو لمن يخالفه على دينه طلبًا لما في يديه من دنياه أخمله الله ومقته عليه، ووكله إليه فإن هو غلب على شيء من دنياه، فصار إليه منه شيء نزع الله منه البركة ولم يؤجره على شيء من دنياه ينفقه في حج ولا عتق ولا بر.
أقول: قد صدق ﵁ فإنا قد جربنا ذلك وجربه المجربون قبلنا، واتفقت الكلمة منا، ومنهم على عدم البركة في تلك الأموال وسرعة نفادها واضمحلالها وهو أمر ظاهر محسوس يعرفه كل من حصل شيئًا من تلك الأموال الملعونة، نسأل الله تعالى رزقًا حلالًا طيبًا يكفينا ويكف أكفنا عن مدها إلى هؤلاء وأمثالهم، إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء.
شعر لابن سينا
تعس الزمان فإن في أحشائه بغضًا لكل مفضل ومبجل
وتراه يعشق كل رذل ساقط عشق النتيجة للأخس الأرذل
المعري
[ ١ / ١٧٥ ]
لا تطلبن بآلة لك رتبة قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السما كان السماء كلاهما هذا له رمح وهذا أعزل
آخر
وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الظن ما الله صانع كان سقراط الحيكم: قليل الأكل، خشن اللباس، فكتب إليه بعض بعض الفلاسفة: أنت تحسب أن الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنتت ذو فلا ترحمها بترك قلى الأكل وخشن اللباس؟ فكتب في جوابه: عاتبتني على لبس الخشن، وقد بعشق الإنسان القبيحة، ويترك الحسناء، وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن أكل لأعيش، وأنت تريد أن تعيش لتأكل والسلام. فكتب إليه الفيلسوف: قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة الكلام؟ وإذا كنت تبخل على نفسك بالمأكل، فلم تبخل على الناس بالكلام؟ فكتب في جوابه: ما احتجت إلى مفارقته وتركه للناس فليس لك، والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق سبحانه لك أذنين ولسانا ضعف ما تقول، لا لتقول أكثر مما تسمع والسلام. لبعضهم:
(إلى الله أشكو أن في النفس حاجة بمر بها الأيام وهي كما تريد)
روى شيخ الطائفة: في التهذيب في أوائل كتاب المكاسب بطريق حسن أو صحيح، عن الحسن بن محبوب، عن حريز قال: سمعت أبا عبد الله ﵁ وأرضاه يقول: اتقوا الله وموتوا أنفسكم بالورع، وقوة الثقة، والاستغناء بالله عن طلب الحوائج إلى صاحب سلطان، واعلم أن من خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طالبا لما في يديه من دنباه أخمله الله ومقته ووكله إليه، فإن هو غلب على شيء من دنياه فصار إليه منه شيء نزع الله منه البركة ولم يؤجره على شيء من دنياه ينفعه في حج ولا عتق ولا بر. أقول: قد صدق ﵁، فإنا قد جربنا ذلك وجربه المجربون قبلناه، واتفقت الكلمة منا ومنهم على عدم البركة في تلك الأموال، وسرعة نفاذها، واضمحلالها، وهو أمر ظاهر محسوس يعرفه كل من حصل شيئا من تلك الأموال الملعونة. نسأل الله أن يرزقنا رزقا حلالا طيبا يكفينا ويكف أكفنا على مدها إلى هؤلاء وأمثالهم إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء. انتهى. من كلام النبي في وصية النبي ﷺ لأبي ذر ﵁: كن على عمرك
[ ١ / ١٧٦ ]
أشح منك على درهمك ودينارك، يا أبا ذر دع ما لست منه في شيء ولا تنطق بما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك.
وفي كلام أمير المؤمنين ﵁: من جمع له مع الحرص على الدنيا البخل بها فقد استمسك بعمودي اللؤم، من لم يتعاهد علمه في الخلاء فضحه في الملاء، من اعتز بغير الله سبحانه أهلكه العز، من لم يصن وجهه عن مسألتك فصن وجهك عن رده لا تضيعن مالك في غير معروف، ولا تضعن معروفك عند غير عروف، لا تقولن ما يسؤوك جوابه، لا تمار اللجوج في محفل، لا يكونن أخوك على الإساءة إليك أقوى منك على الإحسان إليه.
قال حبر من بني إسرائيل في دعائه: يا رب كم أعطيك ولا تعاقبني، فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان قل لعبدي: كم أعاقبك ولا تدري ألم أسلبك حلاوة مناجاتي؟ ! نقل الراغب في المحاضرات: أن بعض الحكماء كان يقول لبعض تلامذته: جالس العقلاء أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل.
كان الربيع بن خيثم
يقول: لو كانت الذنوب تفوح ما جلس أحد إلى أحد.
كان أبو حازم يقول: عجبت لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويتركون العمل لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة، وكان يقول: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا ما وري عنا. قال المسيح على نبينا وعليه السلام: لو لم يعذب الله الناس على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصوه شكرًا لنعمته. لما اجتمع يعقوب على نبينا وعليهما السلام مع ولده يوسف قال
[ ١ / ١٧٧ ]
يا بني حدثني بخبرك، فقال له يا أبت لا تسألني عما فعل بي إخوتي واسألني عما فعل الله سبحانه بي.
قال هرون الرشيد للفضيل بن عياض: ما أشد زهدك؟ ! فقال أنت أزهد مني، لأني زهدت في فانٍ لا يبقى، وأنت زهدت في باقٍ لا يفنى.
كان بعض الحكماء يقول: لا شيء أنفس من الحياة ولا غبن أعظم من أنفادها لغير حياة الأبد.
لبعضهم
جربت دهري وأهليه فما تركت لي التجارب ود امرىءٍ غرضا
وقد عرضت من الدنيا فهل زمني معط حياتي لغيري بعدما عرضا
وقد تعوضت عن كل بمشبهه فما وجدت لأيام الصبا عوضا
ابن الخياط الشامي وهو صاحب الأبيات المشهورة التي أولها:
خذا من صبا نجد أمانًا لقلبه فقد كاد رياها يطير بلبه
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم أمات الهوى مني فؤادًا وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم بواد الغضايا بعدما أتمناه
لله درهما من بيتين يأخذان بمجامع القلوب.
شهاب الدين السهروردي صابح كتاب المعروف
تصرمت وحشة التنائي وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حسودًا من كان في حجركم رثالي
وحقكم بعد إذ حصلتم بكل ما فات لا أبالي
وما على عادم أجاجًا وعنده بحر الزلال
دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصضادق ﵇ فقلا: علمني يا ابن رسول اللله مما علمك الله، قفقلا إذا تظاهرت الذتوب عليك بالاستغفار / وإذا تظاهرت بالنعم فعليك بالشكر، وإذا تظاهرت الغموم فقل لا حول ولا قوة إلا بالله، فخرج سفيان وهو يقول: ثلاث وأي ثلاث
ورد في الحديث عنه ﷺ أنه قال: عجبت ممن يحتمي عن الطعام مخافة المرض كيف لا يحتمي عن الذنوب مخافة النار.
[ ١ / ١٧٨ ]
لبعضهم:
مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك.
أنت لا تدركه متبعا فإذا زليت عنه تبعك.
عبد الله القاسم الشهرزوري:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل ولحظ عيني كليل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ذاك الغرام الدخيل
ثم قابلتها وقلت لصحبي هذه النار نار ليلى فميلوا
قرموا نحوها لحاظًا صحيحاتٍ فعادت خواسئًا وهي حول
ثم مالوا إلى الملام وقالوا خلب ما رأيت أم تخييل؟
فتجنبتهم وملت إليها والهوا مركبي وشوقي الزميل
ومعي صاحب أتى يقتفي الآثار والحب شأنه التطفيل
وهي تبدو ونحن ندنو إلى أن حجزت دونها طلول محول
فدنونا من الطلول فحالت زفرات من دونها وعويل
قلت من بالديار قالت جريح وأسير مكبل وقتيل
ما الذي جئت تبتغي قلت ضيف جاء يبغي القرى فأين النزول؟
فأشارت بالرحب دونك فاعقرها فما عندنا لضيف رحيل
من أتانا ألقى عصا السير عنه قلت من لي بذا وكيف السبيل؟
فحططنا إلى منازل قوم صرعتهم قبل المذاق الشمول
درس الوجد منهم كل رسم فهو رسم والقوم فيه حلول
منهم من عفى ولم يبقى للشكوى ولا للدموع فيه مقيل
ليس إلا الأنفاس تخبر عنه وهو عنها مبرأ معزول
ومن القوم من يشير إلى وجد تبقى عليه منه القليل
قلت أهل الهوى سلام عليكم بي فؤاد عنكم بكم مشغول
لم يزل حافز من الشوق يحدوني إليكم والحادثات تحول
[ ١ / ١٧٩ ]
جئت كي أصطلى فهل لي إلى ناركم هذه الغداة سبيل؟
فأجابت شواهد الحال عنهم كل حد من دونها مفلول
لا تروقنك الرياض الأنيقات فمن دونها ربي وذحول
كم أتاها قوم على غرة منها وراموا قرىً فعز الوصول
(وقفوا شاخصين حتى إذا ما لاح للوصل غرة وحجول)
(وبدت راية الوفا بيد الوجد ونادى أهل الحقائق جولو)
(أين من كان يدعينا فهذا اليوم فيه سيف الدعاوي يصول)
(حملوا حملة الفحول ولا يصوع يوم اللقاء إلا الفحول)
(بذلوا أنفسا سخت حين سخت بوصال واستصغر المبذول)
( ثم غابوا من بعد ما اقتحموها بين أمواجها وجاءت سيول)
(قذفتهم إلى الرسوم وكل دمه في طلولها مطلول)
(منتهى الحظ ما تزود من اللحظ والمدركون منه قليل)
(نارها هذه تضئ لمن يسري بليل لكنها لا تنيل)
(جاءها من عرفت يبغي اقتباسا وله البسط والمنى والسول)
(فتعالت عن المنال وعزت عن دنو إليه وهو رسول)
(ولكل منهم رأيت مقاما شرحه في الكتاب مما يطول)
فوقفنا كما عهدت حيارى كل عزم من دوننا محلول
يدفع الوقت بالرجاء وناهيك بقلب غذاؤه التعليل
كلما ذاق كأس يأس مريرٍ جاء كأس من الرجا معسول
وإذا سولت له النفس أمرًا حيد عنه وقيل صبر جميل
هذه حالنا وما وصل العلم إليه وكل حال تحول
من وفيات الأعيان: دخل عمرو بن عبيد يومًا على المنصور، وكان صديقه قبل
[ ١ / ١٨٠ ]
خلافته فقربه وعظمه، ثم قال له عظني: فوعظه بمواعظ منها: قوله: إن لهذا الأمر الذي في يدك لو بقي في يد غيرك لم يصل إليك، فاحذر ليلة يوم لا ليل بعده، فلما أراد النهوض قال له: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لي فيها فقال: والله تأخذها فقال والله لا آخذها.
وكان المهدي ولد المنصور حاضرًا، وقال يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال هذا المهدي ولدي وولي عهدي، قال: أما لقد ألبسته لباسًا هو لباس الأبرار وسميته باسم ما استحقه ومهدت له أمرًا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت عمرو إلى المهدي وقال: يا ابن أخي إذا حلف أبوك أحنثه عمك، لأن أباك أقوى على الكفارة من عمك، فقال له المنصور هل من حاجة؟ قال لا تبعث إلي حتى آتيك قال إذن لا تلقاني، قال هي حاجتي ومضى فأتبعه المنصور طرفه.
وقال:
كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد
غير عمرو بن عبيد توفي عمرو بن عبيد سنة أربع وأربعين ومائة وهو راجع من مكة بموضع يقال له مران.
ورثاه المنصور بقوله
صلى الإله عليك من متوسد قبرًا مررت به على مران
قبرًا تضمن مؤمنًا متحققًا صدق افله ودان بالفرقان
لو أن هذا الدهر أبقى صالحًا أبقى لنا عمروًا أبا عثمان
قال ابن خلكان: لم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه ومران بفتح الميم وتشديد الراء موضع بين مكة والبصرة.
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان عند ذكر حماد عجرد ما صورته: إن حمادًا كان ماجنًا خليعًا متهمًا في دينه بالزندقة، وكان بينه وبين أحد الأئمة الكبار مودة، ثم تقاطعا فبلغه أنه ينتقصه فكتب إليه هذه الأبيات.
إن كان نسكك لا يتم بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي كيف شئت؟ مع الأداني والأقاصي
فلطالما شاركتني وأنا المقيم على المعاصي
أيام نأخذها ونعطي في أباريق الرصاص
ويقال: إن الإمام المذكور هو أبو حنيفة
[ ١ / ١٨١ ]
ذكر صاحب تاريخ الحكماء عند ترجمة الشيخ موفق الدين البغدادي أنه قال: لما اشتد بأستاذي المرض الذي مات فيه، وكان ذات الجنب عن نزلة فأشرت عليه بالمداواة فأنشد:
لا أذود الطير عن شجر قد بلوت المر من ثمره
من كلام النبي ﷺ: لأن أكون في شدة أتوقع رخاء، أحب إلي من أن أكون في رخاء أتوقع شدة.
وقال النبي ﷺ: من أذنب ذنبًا، فأوجع قلبه عليه، غفر له ذلك الذنب وإن لم يستغفر منه.
العباس بن الأحنف
لابد للعاشق من وقفة تكون بين الصد والصرم
حتى إذا الهجر تمادى به راجع من يهوى على رغم
وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
قال صاحب الإكسير في تفسير هذه الآية: المراد وما وليناك الجهتين إلا لأنك المنعوت في التوراة بذي القبلتين فأكدنا على اليهود الحجة لنعلم من يتبعك عن ظهور أيامك انتهى ولا يخفى أنه يمكن تطبيق كلامه هذا على كل من الجعل الناسخ والمنسوخ فتدبر.
وقال صاحب جامع البيان وهو من المتأخرين عن زمان البيضاوي: ويحتمل أن يراد من التي كنت عليها الكعبة أي خاطرك مائل إليها فإن الأصح أن القبلة قبل الهجرة الصخرة لكن خاطره الأشرف مايل إلى أن تكون الكعبة قبلة انتهى كلامه ولا يخفى أنه على هذا يمكن توجيه إرادة الجعل الناسخ في الرواية عن أئمتنا ﵃، أن قبلته ﷺ كانت في مكة بيت المقدس فتأمل.
من الكشاف في تفسير وما جعلنا الآية التي كنت عليها ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعول جعل يريد وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها، وهي الكعبة لأن رسول الله ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفًا لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولًا بمكة، يعني وما رددناك إليها إلا امتحانًا للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصافية ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه فيرتد كقوله: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، الآية، ويجوز أن يكون بيانًا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته أن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وإن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض، وإنما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلتك وقبل هذا وهي بيت المقدس لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه.
لله در من قال
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا تكن إلى أحد منهم بمؤتمن قد كان لي كنز صبر فافتقرت إلى إنفاقه في مداراتي لهم ففني
الشيخ شمس الدين الكوفي
إليك إشاراتي وأنت مرادي وإياك أعني عند ذكر سعاد
وأنت تثير الوجد بين أصابعي إذا قال حاد أو ترنم شادي
[ ١ / ١٨٢ ]
وحبك ألقى النار بين جوانحي بقدح وداد لا بقدح زناد
خليلي كفا عني العذل واعلما بأن غرامي آخذ بقيادي
ولذة ذكرى للعقيق وأهله كلذة برد الماء في فم صادي
طربنا بتعريض العذول بذكركم فنحن بواد والعذول بواد
مما أنشده العلامة على الإطلاق مولانا قطب الدين شيرازي:
خير الورى بعد النبي ص من بنته في بيته
من في دجى ليل العمى ضوء الهدى في زيته
قال المحقق الدواني في بحث التوحيد من إثبات الواجب الجديد أقول: لأن هذا المطلب أدق المطالب الإلهية وأحقها بأن يصرف فيه الطالب وكده وكده، ولم أر في كلام السابقين ما يصفو عن شوب ريب، ولا في كلام اللاحقين ما يخلو عن وصمة عيب، فلا بأس على أن أشبع فيه الكلام حسبما يبلغ إليه فهي وإن كنت موقنًا بأنه سيصير عرضة لملام اللئام.
بيت
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا علي لئامها
وأقدم على ذلك مقدمة
هي أن الحقايق لا يقتنص من قبيل الإطلاقات العرفية، وقد يطلق في العرف على معنى من المعاني لفظ توهم ما لا يساعده البرهان، بل يحكم بخلافه، ونظير ذلك كثير منه: إن لفظ العلم إنما يطلق في اللغة على ما يعبر عنه: بدانستن ودانش ومراد فإنهما مما يوهم أنه من قبيل النسب، ثم البحث المحقق والنظر الحكمي يقضي بأن حقيقته هو الصورة المجردة، وربما يكون جوهرًا كما في العلم بالجوهر بل ربما لا يكون قائمًا بالعالم بل قائمًا بذاته كما في علم النفس وساير المجردات بذواتها، بل ربما يكون عين العالم كعلم الواجب تعالى بذاته، ومنه أن الفصول الجوهرية يعبر عنها بألفاظ توهم أنها إضافات عارضة لتلك الجواهر، كما يعبر عن فصل الإنسان بالناطق والمدرك للكليات وعن فصل الحيوان بالحساس والمتحرك بالإرادة، والتحقيق أنها ليست من النسب والإضافات في شيء بل هي الجواهر، فإن جزء الجوهر لا يكون إلا جوهرًا كما تقرر عندهم.
[ ١ / ١٨٣ ]
وبعد ذلك، نمهد مقدمة أخرى وهي: أن صدق المشتق على شيء لا يقتضي قيام مبدء الاشتقاق به وإن كان في عرف اللغة توهم ذلك، حيث فسر أهل العربية اسم الفاعل بما يدل على أمر قام به المشتق منه وهو بمعزل عن التحقيق، فإن صدق الحداد على زيد إنما هو بسبب كون الجديد موضوع صناعته على ما صرح به الشيخ وغيره، وصدق المشمس على الماء المستند إلى نسبة الماء إلى الشمس بتسخينه، وبعد تمهيد هاتين المقدمتين نقول: يجوز أن يكون الوجود الذي هو مبدء الاشتقاق للموجود ما أمرًا قائمًا بذاته هو حقيقة الواجب ووجود غيره تعالى عبارة عن انتساب ذلك الغير إليه سبحانه ويكون الموجود أعم من تلك الحقيقة ومن غيرها المنتسب إليه، وذلك المفهوم العام أمر اعتباري عد من المعقولات الثانية وجعل أول البديهيات فإن قلت: كيف يتصور كون تلك الحقيقة موجودة في الخارج مع أنها كما ذكرته عين الوجود؟ وكيف يعقل كون الموجود أعم من تلك الحقيقة وغيرها؟ قلت: ليس معنى الموجود يتبادر إلى الذهن ويوهمه العرف من أن يكون أمرًا مغايرًا للوجود بل ما يعبر عنه بالفارسية وغيرها ومرادفاتها، فإذا فرض الوجود عن غيرها قائمًا بذاته كان وجودًا لنفسه فيكون موجودًا بذاته كماأن الصورة المجردة إذا قامت بنفسها فكانت علمًا وعالمًا ومعلومًا كالنفوس والعقول بل الواجب تعالى.
ومما يوضح ذلك أنه لو فرض تجرد الحرارة عن النار كان حارًا وحرارة، إذ الحار ما يؤثر تلك الآثار المخصوصة من الإحراق وغيره والحرارة على تقدير تجردها كذلك. قد صرح بهمنيار في كتاب البهجة والسعادة: بأنه لو تجردت الصورة المحسوسة عن الحس وكانت قائمة بنفسها كانت حاسة ومحسوسة ولذلك ذكروا أنه لا يعلم كون الوجود زايدًا على الموجود إلا ببيان مثل أن يعلم أن بعض الأشياء قد يكون موجودًا فيعلم أنه ليس عين الوجود أو يعلم أنه إنما هو عين الوجود يكون واجبًا بالذات، ومن الموجودات ما لا يكون واجبًا وزيد الوجود عليه.
فإن قلت: كيف يتصور هذا المعنى الأعم من الوجود القائم بذاته وما هو منتسب إليه؟ قلت: يمكن أن يكون هذا المعنى أحد الأمرين من الوجود القائم بذاته وما هو منتسب إليه انتسابًا مخصوصًا ومعنى ذلك أن يكون مبدءًا للآثار ومظهرًا للأحكام ويمكن أن يقال: إن هذا المعنى ما قام به الوجود أعم من أن يكون وجودًا قائمًا بنفسه فيكون قيام الوجود به قيام الشيء بنفسه، ومن أن يكون من قيام الأمور المنتزعة العقلية لمعروضاتها كقيام الأمور الاعتبارية مثل الكلية والجزئية ونظايرهما ولا يلزم من كون إطلاق القيام على هذا المعنى مجازًا أن يكون إطلاق الموجود عليه مجازًا كما لا يخفى، على أن الكلام هاهنا ليس في
[ ١ / ١٨٤ ]
المعنى اللغوي وأن إطلاق الموجود عليه حقيقة أو مجازًا فإن ذلك ليس من المباحث العقلية في شيء.
فتلخص من هذا أن الوجود الذي هو مبدأ اشتقاق الموجود أمر واحد في نفسه وهو حقيقة خارجية، والموجود أعم من هذا الوجود القائم بنفسه وهو مما ينتسب إليه انتسابًا خاصًا وإذا حمل كلام الحكماء على ذلك لم يتوجه عليه أن المعقول من الموجود أمر اعتباري هو وصف للموجودات وهو الذي جعلوه أول الأوايل البديهية، فإطلاق الموجود على تلك الحقيقة القائمة بذاتها إنما يكون بالمجاز أو بوضع آخر، ولا يجدي ذلك في استغناء الواجب عن عروض الوجود والمفهوم المذكور أمر اعتباري، فلا يكون حقيقة الواجب تعالى.