ع لأنها لا تدفأ لتمرّط شعرها ورقّة جلدها، وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني: وبعضهم يقول: أصرد من عين حرباء وكأنّ هذا تصحيف للمثل الأول إلاّ أنه مخلص حسن لأن الحرباء يستقبل الشمس أبدًا بعينه يستجلب إليه الدفء.
وقولهم: " أنجد من رأى حضنًا " ع حضن: جبل في ديار بني عامر فمن أقبل منه فقد أنجد ومن خلّفه فقد أتهم. وقولهم: " ربضك منك وإن كان سمارًا ". ع قال ابن الأعرابي في نوادره الربض: قيّم بيته. والسمار: الكثيرة الماء كأنّه ضربه مثلًا للإنسان المذق. وقال غيره الربض والربض: ما أويت إليه من امرأة وقرابة، وقال ابن دريد أو منزل. والمعنى في المثل أهلك منك وإن كان ممزوجًا بأخلاق تكرهها، وأخبرني بعض من لقيته من العلماء أنّه رأى في تفسير هذا المثل معناه حبلك منك وإن كان سمارًا. والسمار: ضرب من الأميل وهو الريش، والعامة تقول له سمّار. والربض: الحبل وجمعه أرباض. قال ذو الرمّة:
إذا غرّقت أرباضها ثنى بكرة بتيهاء لم تصبح رؤومًا سلوبها
وليس للسمار الذي هو اللبن الممذوق فعل يتصرّف. وقولهم: " أعييتني بأشر فكيف
[ ١ / ٤٧٩ ]
أرجوك بدردر ". ع أصل هذا المثل أن دغة - وهي ماوية بنت مغنج وهو ربيعة بن عجل. قال المفضل بن سلمة: من قال مغنج بالغين معجمة فتح الميم ومن قال بالعين مهملة كسر الميم - زوّجت في بني العنب رنب عمرو بن تميم من عمرو بن جندب بن العنبر فلما ضربها المخاض ظنّت أنها تريد الخلاء فبرزت إلى بعض الغيطان فولدت واستهلّ الوليد، فانصرفت إلى الرحل وهي تظنّ أنها أحدثت، وقالت لضرّتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرفاه؟ قالت: نعم ويدعو أباه. فبنو العنبر تسبّ بها فيقال لهم بنو الجعراء، ويضرب بحمقها المثل، فيقال " أحمق من دغة " ومن حمقها أنها نظرت إلى زوجها يقبّل بنتها منه ويقول بأبي دردرك فذهبت ودقّت أسنانها بفهر، ثم جاءته وقالت: كيف ترى دردري. فقال: " أعييتني بأشر فكيف بدردر " أي إنما كان أحسن شيء فيك أسنانك وكنت مع ذلك غير حظيّة عندي فكيف إذا فسد أحسن شيء فيك، ويقال بل قال لها ذلك حين سقطت أسنانها من الكبر.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠٠ ":
وقد علتني ذرأة بادي بدي
ع هو لأبي نخيلة. وصلته:
كيف التصابي فعل من لم يهتد وقد علتني ذرأة بادي بدي
ورثية تنهض في تشدّدي بعد انتهاضي في الشباب الأملد
وبعد ما أذكر من تأوّدي وبعد تمشائي وتطويحي يدي
[ ١ / ٤٨٠ ]
الرثية: وجع المفاصل، والأملد والأملود: المتثّني وكذلك المتأوّد. وتمشاي: مشي وتطويحي يدي: أي أطوّح بها حيث أخطر يعني اختيالا. وقوله: بادي بدي: يريد أوّل شيء، يصلح أن يكون حالًا وأن يكون ظرفًا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ " لأوس بن حجر:
وإن مقرم منا ذرا حدّ نابه تخمّط فينا ناب آخر مقرم
ع وصلته:
أرى حرب أقوام تدق وحربنا تجلّ فنعروري بها كلّ معظم
ترى الأرض منّا بالفضاء مريضة معضّلة منا بجمع عرمرم
وإن مقرم منّا ذرا حدّ نابه
يقال عضّلت الناقة بولدها إذا نشب فلم يخرج.
يقول إذا سرنا في الموضع الواسع نشبنا فيه لكثرتنا، كما قال الآخر:
بجمهور يحار الطرف فيه يظلّ معضّلا منه الفضاء
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ " لابن أحمر:
لها منخل تدري إذا عصفت به
ع وقبله:
أربّت عليها كلّ هوجاء سهوة زفوف التوالي رحبة المتنسّم
تبيت ولم تهجع فيصبح ذيلها له ثائب يشقي به كل مخرم
لها منخل تدري إذا عصفت به أهابيّ سفساف من الترب توأم
هوجاء: تركب رأسها لا تنثني. سهوة: ليّنة. والمتنسّم: الموضع الذي تهبّ فيه. وكل شيء فعله فاعل ليلًا يقال فيه بات يفعل كذا وإن لم يكن ثمّ نوم، قال:
باتت ربيعة لا تعرّس ليلها عنّي وليلى عن ربيعة نائم
وكلّ شيء يفعله نهارًا يقال ظلّ يفعل. والثائب: الشيء يثوب بعد الشيء. ومنقطع كلّ
[ ١ / ٤٨١ ]
غلظ مخرم. وقوله لها منخل: هذا مثل. وأهابيّ جمع أهباء وأهباء جمع هباء. وسفساف: دقيق. وتوأم: تراب مشتبه لا يعرف ذا من ذا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ ":
عمدًا أذرّي حسبي أن يشتما بهدر هدّار يمجّ البلغما
ع الرجز لرؤبة وقد تقدم موصولا " ٣٣ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٤، ٢٠١ ":
على كلّ هتّافة المذروين صفراء مضجعة في الشمال
ع هو لأميّة ابن أبي عائذ وقبله قال يصف راميًا:
تراح يداه بمحشورة خواظي القداح عجاف النصال
كخشرم دبر له أزمل أو الجمر حشّ بصلب جزال
على عجس هتافة المذروين زوراء مضجعة في الشمال
هكذا رواه الأصمعي والسكري على عجس هتّافة لا على كلّ هتافة كما أنشده أبو علي ولأنّه إنما يرمي عن قوس واحدة لا عن كلّ هتّافة. قال الأصمعي: يقال يداه تراحان إلى المعروف فجاء به على هذا. وخواظ: ممتلئة ليست بدقاق. والخشرم: جماعة النحل والدبر. وحشّ: أوقد، والعرب تشبّه متابعة الرمي عند استشرائه واحتدامه بسعر اللهب واضطرامه، فتقول: ضرب هبر، وطعن نثر، ورمى سعر، قال كعب بن مالك يشبّه الضرب بذلك:
من سرّه ضرب يرعبل بعضه بعضًا كمعمعة الأباء المحرق
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٥، ٢٠١ " لعنترة:
[ ١ / ٤٨٢ ]
أحولي تنفض استك مذرويها لتقتلني فها أنا ذا عمارا
ع هذا أوله وبعده:
متى ما تلقني فردين ترجف روانف أليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه أشاجع لا ترى فيها انتشارا
حسام كالعقيقة وهو كمعي سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
يخاطب به عمارة بن زياد العبسي وهو عمارة الوهّاب، وكان بلغه أنّه يقول لقومه قد أكثرتم ذكر هذا العبد، وددت أنّي لقيته خاليًا حتى يعلم أنّه عبد. وروى أن عنترة وقف ينشد:
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم عنها ولكنّي تضايق مقدمي
فبوّأ له عمارة بن زياد الرمح وقال نحن نتّقي بك الأسنّة يا ابن السوداء. فقال له عنترة: اغفرها وكان عنترة حاسرًا أعزل فذهب واستلأم وركب فرسه، ثم أقبل حتى وقف موقفه الأوّل وأنشد البيت:
إذ يتّقون بي الأسنّة
فتغافل عنه عمارة حين رآه في سلاحه، فقال عنترة:
أحولي تنفض استك مذرويها
والروانف: أعلى الأليتين. وتستطارًا: منصوب على الجواب بالواو كما تقول: إن تكرمني يكرمك بكر ويحبوك عمرو، أي يجتمع لك إكرام بكر مع حباء عمرو. وفي تستطارا ضمير المخاطب، ويحتمل أن يكون الألف ضمير الاثنين يعني الرانفتين أو الأليتين وسقطت النون للجزم، أو لأنه منصوب على الجواب بالواو كما تقدّم. والكمع: الضجيع. والفطار: المتشقّق.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٥، ٢٠٢ " لمعقّر بن حمار البارقيّ: إذا استرخت عماد الحيّ شدّت ع اسم معقّر عمرو بن حمار بن شجنة بارقي، شاعر جاهليّ. وقد قيل اسمه عامر حليف
[ ١ / ٤٨٣ ]
لبني نمير، وبارق هو سعد بن عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء ابن عامر، وإنما لقّب معقّرًا لقوله:
لها ناهض في الوكر قد مهدت له كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وصلة البيت:
وذبيانيّة وصّت بنيها بأن كذب القراطف والقروف
تجّهزهم بما وجدت وقالت بنيّ فكلّكم بطل مسيف
فأخلفنا مودّتها فقاظت ومأقي عينها حذل نطوف
إذا استرخت حبال البيت شدّت ولا يثني لقائمة وظيف
هكذا أنشده أبو عبيدة ووصله. مدح بهذه القصيدة بني نمير بن عامر بن صعصعة، وذكر ما فعلوا ببني ذبيان يوم شعب جبلة، وكانت الذبيانيّة وصّت بنيها أن يغنموا القطائف وهي القراطف والقروف وهي أوعية من أدم ينتبذ فيها. والمسيف: الذي وقع السواف في ماله، والمسيف أيضًا الذي معه سيف. قال فأخلفنا هواها فقتلناهم فقاظت دامعة العين حزينة القلب في حيّ هاربين خائفين غير مطمئنّين، لا ينيخون بعيرًا، ولا يثنون له وظيفًا، خوفًا وفرقًا ونجاء وهربًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٢ " لجميل:
وقالوا لا يضيرك ناي شهر فقلت لصاحبيّ فما يضير
[ ١ / ٤٨٤ ]
ع اختلف فيهما أشدّ اختلاف فأنشدهما أبو تمّام لرجل من خزاعة. وقال الرياشي: هو سليمان ابن أبي دباكل الخزاعيّ، وقال دعبل هما لأبي سعيدة الأسلميّ، وقد رويا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ورويا لجميل وهما في ديوانه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٣ " لابن الدمينة:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب ولا النفس عن وادي المياه تطيب
الصحيح أنّ هذا الشعر لمالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر بدويّ إسلاميّ مقلّ، وكان فارسًا جوادًا جميل الوجه يهوي جنوب بنت محصن الجعديّة، وكان أخوها الأصبغ بن محصن من فرسان العرب وأهل النجدة فيهم، فنمى إليه نبذ من خبر مالك فآلي يمينًا جزمًا لئن بلغه أنه عرض لها أو زارها ليقتلّنه، فبلغ ذلك مالكًا فقال هذا الشعر. هكذا رواه المدائني وأبو عمرو الشيبانيّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠٦، ٢٠٣ ":
صفراء من بقر الجواء كأنّما ترك الحياء بها رداع سقيم
هذا مذهب كثير للعرب. قال ذو الرمّة:
[ ١ / ٤٨٥ ]
حكلاء في برج صفراء في نعج كأنّها فضّة قد شبابها ذهب
أي خالطها. قال: وذلك أحسن لها إذ كان لونها درّيًّا كما قال الراجز:
بيضاء صفراء اصفرار العاج في نعج منها وفي انبلاج
والبرج: سعة العين. والنعج: البياض. وأما قول الأعشى:
ترضيك من دلّ ومن حسن مخالطه غراره
بيضاء ضحوتها وصف راء العشيّة كالعراره
ففيه قولان: أحدهما أنها تمسى رادعة وتغتسل بالغداة فتصبح بيضاء. والقول الآخر أنها لرقّة بشرتها وصفاء لونها تتلوّن بلون الهواء وتحكيه كما تحكى المرآة. والمهاة والهواء عند الطفل يصفرّ باصفرار الشمس ويتوضّح عند الصباح لبياضها. قال أسقفّ نجران:
منع البقاء تصرّف الشمس وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية وغروبها صفراء كالورس
وقال ابن الروميّ:
إذا رنّقت شمس الأصيل ونفّضت على الأفق الغربي ورسًا مزعزعًا
ولاحظت النوّار وهي مريضة وقد وضعت خدًّا إلى الأرض أضرعا
كما لاحظت عوّاده عين مدنف توجّع من أوصابه ما توجّعا
وقال أبو تمام في محمد بن يوسف حين سافر إلى مكة:
خير الأخلاّء خير الأرض همّته وأفضل الركب يقرو أفضل السبل
[ ١ / ٤٨٦ ]
حطّت إلى عمدة الإسلام أرحله والشمس قد نفضت ورسًا على الأصل
وقال آخر في مذهب قول الأعشى:
لتعلمن بيضاء صفراء الأصل أنّي سأغني اليوم ما أغني رجل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٠٧، ٢٠٣ ":
لك الله إنّي واصل ما وصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب
ع قوله لك معلّقة بفعل القسم المضمر كأنه قال: أقسم لك بالله فلما حذف الباء أوصل الفعل فنصب، ويروى لك الله بالرفع أنّي واصل بفتح الهمزة المعنى لك الله شاهد أو كفيل على أنّي واصل ما وصلتني.