وذكر أبو علي إغارة حريم بن نعمان المرادي على إبل عمرو بن براقة ع هكذا صحته حريم بالحاء والراء المهملتين الحاء مفتوحة والراء مكسورة، ومن روى حزيم بالزاي فقد صحف، وليس في العرب حزيم إلا حزيم بن طارق وحزيم بن جعفي رهط الشويعر محمد ابن أبي حمران، وأختلف في مالك بن حريم الهمداني الذي يأتي خبره أثر هذا، فقال ابن النحاس قال لي نفطويه هو: مالك بن حزيم بالزاي. قال: وقرأت على أبي إسحق في كتاب سيبويه في بيت أنشده له مالك بن خريم بالخاء المضمومة المعجمة
[ ١ / ٧٤٨ ]
والراء المهملة المفتوحة، والبيت:
فإن يك غثًا أو سمينا فإنني سأجعل عينيه لنفسه مقنعا
وكذلك كان محمد بن يزيد يقول مالك بن خريم، وقال الهمداني: هو مالك بن حريم بالحاء المهملة المفتوحة والراء المهملة المكسورة. وعمرو بن براقة بن منبه بن شهر الهمداني شاعر جاهلي إسلامي، وكذلك مالك بن حريم بن مالك بن حريم بن دألان الهمداني. وفي الخبر والشفق كاإحريض، والقلة والحضيض، وروى غيره: والذروة والحضيض. وفيه أرى الحمة ستظفر منه بعثرة، بطيئة الجبرة. ع الحمة من قولك حم الله الأمر: أي قضاه وقدره، وأحمه أيضًا، قال عمرو ذو الكلب:
أحم الله ذلك من لقاء أحاد أحاد في الشهر الحلال
وفي الشعر:
وننصر مولانا ونعلم أنه كما الناس مجروم عليه وجارم
يريد كالناس وما زائدة.
وأنشد أبو علي:
أم هل سموت بجرار له لجب جم الصواهل بين السهل والفرط
ع هذا البيت لو علة الجرمى، وقبله:
[ ١ / ٧٤٩ ]
سائل مجاور جرم هل جنيت لها حربًا تزيل بين الجيرة الخلط
وهل سموت.
وهل تركت نساء الحي ضاحية؟ في ساحة الدار يستوقدن بالغبط!
وهذه الأبيات هي التي كتب بها عبد الرحمن بن الأشعث إلى عبد الله بن مروان، فجاوبه عبد الملك بأبيات للحارث بن وعلة المذكور، وهي:
أناة وحلمًا وانتظارًا بهم غدًا فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
وإني وإياكم كمن نبه القطا ولو لم تنبه باتت الطير لا تسرى
أظن صروف الدهر بيني وبينكم ستحملكم مني على مركب وعر
وروى أبو علي هذا الشعر لابن الذئبة الثقفي. وقوله يستوقدن بالغبط: يريد أنه ذهب بإبلهم فغنوا عن أقتابها، فالنساء يستوقدن بها. وقيل أراد أن الخوف يمنعهن من الأحتطاب، فهن يستوقدن بالأقتاب وما جانسها من خشب الرحال والبيوت.
وأنشد أبو علي لعمرو بن شأس:
إن بني سلمى جله
ع هو عمرو بن شأس بن عبيد بن
[ ١ / ٧٥٠ ]
ثعلبة الأسدي شاعر جاهلي إسلامي يكنى أبا عرار بابنه عرار. وبنو سلمى هم ولد الحارث وسعد ابني ثعلبة بن دودان بن أسد، أمهما سلمى بنت مالك بن نهد بن زيد، قال فيهم عمرو:
إن بني سلمى شيوخ جله شم الأنوف لم يذوقوا الذله
بيض الوجوه خرق الأخله مستحقبين حلق الأشله
وأنشد أبو علي شعرًا يرون أنه للشعبي، أوله:
أعيني مهلًا! طال ما لم أقل مهلا وما مرفأ م الآن قلت ولا جهلا
ع ما أعجب أمر أبي علي، هذا الشعر أشهر بالنسبة إلى القحيف العقيلي من أن يرتاب به مرتاب أو يشك فيه شاك، رواه الأصمعي والمفضل، وهو ثابت في اختياراتهما، وقد رواه أبو علي هناك وفي آخره زيادة، وهي:
ومن أعجب الدنيا إلى زجاجة تظل أيادي المنتشين بها فتلا
يصبون فيها من كروم سلافة يروح الفتى عنها كأن به خبلا
والشعبي هو أبو عمرو وعامر بن شراحيل بن عبد بن حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده ودفن به، فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم
[ ١ / ٧٥١ ]
شعبيون، ومن كان منهم بمصر والمغرب قيل لهم الأشعوب، ومن كان منهم بالشأم قيل لهم شعانيون، ومن كان منهم باليمن قيل لهم آل ذي شعبي.
وأنشد أبو علي:
كالسحل البيض جلا لونها سح نجاء الحمل الأسول
ع هو للمتنخل وقد مضى ذكره، وقبل البيت:
للقمر من كل فلا ناله غمغمة يقرعن كالحنظل
فأصبح العين ركودًا على الأوشاز أن يرسخن في الموحل
كالسحل البيض يصف سيلا. والقمر: الحمير شبهها في كل مكان أصابه المطر بالحنظل اليابس يمر فوق الماء وهو يطفو إذا يبس. والعين البقر. ركودا: أي قيامًا. والأنشاز اعتصمن بها من الوحل، يقال: موحل وموحل. ونجاء: جمع نجو وهو السحاب. والحمل: أراد نوء الحمل وهو الكبش، وهو أحد الأثني عشر برجًا. وأنشد أبو علي:
جلاها الصيقلون فأخلصوها خفافًا كلها يتقى بأثر
ع هو لخفاف بن ندبة، وقبله:
ولم أر قبلهم حيًا لقاحًا أقاموا بين قاصية وحجر
رماح مثقف حملت نصالا يلحن كأنهن نجوم بدر
جلاها الصيقلون. نصب رماح على المدح شبههم بالرماح التي فيها النصال.
[ ١ / ٧٥٢ ]
يقول: إذا نظر الناظر إليها اتصل شعاعها بعينيه، فلم يتمكن من النظر إليها، فذلك اتقاؤها بأثرها.
وأنشد أبو علي: وأقطع الليل إذا ما أسدفا ع هو من رجز لحذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب، وحذيفة هو الخطفي جد جرير، لقب الخطفي بقوله في هذا الرجز:
يا عز إن الحجل المسجفا وطول ترحال المطى أخلفا
يرفعن بالليل إذا ما أسدفا أعناق جنان وهاما رجفا
وعنقًا باقي الرسيم خيطفا
أسدف: أظلم وقال ابن الأعرابي: هي ظلمة خلالها ضوء. والرسيم: فوق العنق رسم البعير وأرسمه صاحبه. وخيطف: سريع.
وأنشد أبو علي:
لنا عز ومرمانا قريب ومولى لا يدب مع القراد
وقال في تفسيره: قوله مرمانا قريب: هؤلاء عنزة، يقول: إن رأينا منكم
[ ١ / ٧٥٣ ]
ما نكره انتمينا إلى أسد بن خزيمة.
ع اسم عنزة عامر، سمى عنزة لأنه قتل رجلا بعنزة، وهو ابن أسد بن ربيعة بن نزار، ويقال هو ابن أسد بن خزيمة، فذلك الذي أراد. وأما قوله ومولى لا يدب مع القراد: فإنه عرض لهم بخرابة الإبل، وكان الخارب من العرب يعمد إلى شن فيملأه قردانا، ثم يبيت الإبل فيرسل فيها القردان إذا نوم الناس، فتثور من مباركها وتند وتتفرق في كل أوب ووجهة، فيقتطع منها ما شاء.
وأنشد أبو علي: كالخص إذ جلله الباري ع هو للعجاج وقد تقدم موصولا حيث أنشد أبو علي: والهدب الناعم والخشى وأنشد أبو علي:
قال لي القائلون زرت حسينا لا يزار الكريم في جرجان
ع يريد أنها لا كريم بها فيزار، وإن زرت بها فإنما تزور لئيما.
وأنشد أبو علي لعبد الله بن كعب شعرا، منه:
أمنيكما نفسي إذا كنت خاليا ونفعكما إلا العناء قليل
ع هذا كما تقول: ماله إلا السيف عتاب، أي إن الذي يقوم مقام عتابه السيف، وكذلك الذي يقوم مقام نفع هذين العناء ولا نفع لهما ألبتة.
وأنشد أبو علي قصيدة مهلهل، وقد مضى ذكره ونسبه، وفيها:
[ ١ / ٧٥٤ ]
كأن بنات نعش في دجاها خرائد سافرات في خدور
كان سبيله أن يقول: جوار بيض مكان خرائد، ولكنه خرج مخرج قول الراجز وذكر إبلا دميت أخفافها:
كأن أيديهن بالموماة أيدي جوار بتن ناعما
إنما أراد أيدي جوار مخضبات. فلما كان الخضاب من التنعم قال: ناعمات، وهذا من الإشارة والوحى، كما قال:
وأوصى خالد قدمًا بنيه بأن التمر حلو في الشتاء
وقال عدي: إن تعنيتم في تلقيح النخل وإصلاحه وسقيه أكلتموه في الشتاء، وقال الآخر يعني امرأته:
قد علمت إن لم أجد معينا لأخلطن بالخلوق طينا.
وفيها:
كأنا غدوة وبنى أبينا بجنب عنيزة رحيا مدير
ع الرحيان إذا أدارهما مدير أثرت إحداهما في الأخرى، وهما من معدن واحد، وكذلك هؤلاء هم من أصل واحد يتماحقون ويقتتلون. وفيها:
فلولا الريح أسمع أهل حجر صليل البيض تقرع بالذكور
قال أبو علي عن ابن كيسان عن الأحوال أول كذب سمع في الشعر هذا لأن حجرا قصبة
[ ١ / ٧٥٥ ]
اليمامة وحربهم إنما كان بالجزيرة.
ع اختلف في أكذب بيت قالته العرب، فقال بعضهم بيت مهلهل هذا، وقال آخرون بل بيت الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
وقالت فرقة بل قول النمر بت تولب:
أبقي الحوادث والأيام من نمر أسباد سيف قديم أثره باد
تظل تحفر عنه إن ضربت به بعد الذراعين والساقين والهاجي.
وقال أبو علي في تفسير قوله:
فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير
جليلة أخت كليب وكانت تحت جساس بن مرة قاتل كليب ع هذا غلط فاحش وإنما هي زوج كليب وأخت جساس، وهي القائلة لما قتل زوجها ورحلت فقالت أخت كليب: رحلة المعتدى وفراق الشامت، فبلغ ذلك جليلة فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها، وترقب وترها، ثم أنشأت تقول:
يا ابنة الأقوام إن لمت فلا تعجلى باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت التي عندها اللوم فلومى وأعجلي
يا قتيلا قوض الدهر به سقف بيتي جميعا من عل
فعل جساس وإن كان أخي قاصم ظهري ومدن أجلي
يشتفى المدرك بالثأر وفي دركي ثأري ثكل المثكل
[ ١ / ٧٥٦ ]
وأنشد أبو علي في تفسيرها لليلى الأخيلية:
فإن تكن القتلى بواء فإنكم فتى ما! قتلتم آل عوف بن عامر
ع قد تقدم نسب ليلى، وصلة البيت:
وإن السليل أن أبي قتيلكم كمرحوضة من عركها غير طاهر
فإن تكن القتلى بواء فإنكم
فإن لا يكن فيه بواء فإنكم ستلقون يوما ورده غير صادر
وهي أبيات من قصيدة ترثى بها توبة بن الحمير بن عوف بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. قتلته بنو عوف بن عامر بن عقيل في الإسلام في خلافة مروان.
وأنشد أبو علي في تفسيرها أيضا للحارث بن عباد:
قربا مربط النعامة منى لقحت حرب وائل عن حيال
ع وبعده: لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صال قوله: عن حيال يقال حالت الناقة تحول حيالا؛ وذلك أن لا تحمل وهي ناقة حائل وجمعها حول.
[ ١ / ٧٥٧ ]
وأنشد أبو علي في تفسيرها للراعي:
فسقوا صوادى يسمعون عشية للماء في أجوافهن صليلا
ع وقبله:
حتى وردن لتم خمس بائص جدًا تعاوره الرياح وبيلا
جمعوا قوى مما تضم رحالهم شتى النجار يرى بهن وصولا
فسقوا صوادى. البائص: البعيد. يقول جمعوا قطع حبال مما في رحالهم شتى النجار أي مختلفة الألوان موصولات فيها عقال وعصام قربة وبطان رحل لبعد الماء.
وأنشد أبو علي للفرزدق:
ألستم عائجين بنا لعنا نرى العرصات أو أثر الخيام
ع وبعده:
فقالوا إن فعلت فأغن عنا دموعا غير راقئة السجام
وكيف إذا رأيت ديار أهليوجيران لنا كانوا كرام
أكفكف عبرة العينين منى وما بعد المدامع من ملام
وأنشد أبو علي لأبي النجم: أغد لعنا في الرهان نرسله ع قال وذكر فرسا: فقلت للسائس قده أعجله
وأغد لعنا في الرهان نرسله فظل مجنوبا وظل جملة
بين شعيبين وزاد يزمله أغر في البرقع باد حجله
قوله أعجله: أراد أعجله، فلما أسكن الهاء ألقى حركتها على اللام. بين شعيبين: يعني مزادتين. أغر في البرقع: يعني أن غرته شادخة.
[ ١ / ٧٥٨ ]
وأنشد أبو علي للكميت:
وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب
ع وبعده:
إذا نشأت في الأرض منا سحابة فلا النبي محظور ولا البرق خلب
وهذا البيت حجة لزيادة الهمزة في أثفية وأن وزنها أفعولة، وكذلك قولهم امرأة مثفاة: وهي التي لها ضرتان وهي ثالثتهما تشبيها بالأثفية، وكذلك قول الراجز: وصاليات ككما يؤثفين والحجة لمن قال أن الهمزة أصلية وأن وزنها فعلية قول النابغة:
لا تقذفني بركن لا كفاء له ولو تأثفك الأعداء بالرفد
أي اجتمعوا عليك في أمري كالأثافي. والرفد: جمع رفدة، أي يرفد بعضهم بعضا.