وذكر أبو علي عن ابن الأعرابي أن أهجي بيت قالته العرب:
وقد علمت عرساك أنك آئب تخبرهم عن جيشهم كل مربع
وأنشد أبو علي شعر مخلد الموصلي يهجو كاملا الموصلي، وفيه
أذنابنا ترفع قمصاننا من خلفنا كالخشب الشائل
ع وذكر أبو علي عن ابن دريد فيما روينا عنه أن ذلك خلق في أهل كابل في عجب ذنب كل واحد منهم أرتفاع ونشوز. ومخلد هذا مولى للأزد، وكان إذا غضب عليهم قال: إني مولى للحارث بن كعب، فإذا غضب عليهم قال: أنا من عنزة من أنفسهم، فإذا غضب عليهم قال: أنا امرؤ من الفرس.
وأنشد أبو علي لنفر ذكرهم أشعارا في رثاء عمرو بن حممة، وفسرها، إلا قول أحدهم:
فلو وألت من سطوة الموت مهجة لكنت ولكن الردى لا يثمثم
ويروى: لا يثمثم بفتح؟ كذا الثاء يال ثمثم الرجل عن الشيء إذا توقف عنه
[ ١ / ٧٦٧ ]
وتكلم فما تثمثم ولا تعلثم؟ تلعثم بمعنى. يريد ولكن لا يتوقف أو لا يوقف، وقال بعض اللغويين إن أصل هذه اللفظة من ثم التي للمهملة.
وأنشد أبو علي: مستأسدًا ذبابه في غيطل ع هو لأبي النجم، وصلته:
حدائق النور التي لم تحلل مستأسدًا ذبابه في غيطل
يقلن للرائد أعشبت انزل! لعبًا كتغريد النشاوى الميل
وأنشد أبو علي: فقلصي لكم ما عشتم ذو دغاول ع البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي، من قصيدة يرثى بها دبية السلمى، وأمه هذلية، وصدره:
فقلصي ونزلي ما علمتم حفيله وشرى لكم ما عشتم ذو دغاول
هكذا إنشاده لا كما أنشده أبو علي. قوله قلصي: أي انقباضي، ونزلي: استرسالي. وحفيله: كثيره. ودغاول: أي ذو غائلة، ولا يدري ما واحدها ولكن يرى أنها دغولة.
وأنشد عن ابن الأعرابي في صفة قدر:
ألقت قوائمها خسًا وترنمت طربًا كما يترنم السكران
ع البيت لحرير الخطفي وهو مفرد يتيم لم أر له ثانيا.
وأنشد أبو علي:
فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما ألقت ذكاء يمينها في كافر
[ ١ / ٧٦٨ ]
ع هو لثعلبة بن صعير المازني شاعر جاهلي، وهو ثعلبة بن صعير بن خزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، قال يصف ناقته:
وكأن عيبتها وفضل فتانها فننان من كنفى ظليم نافر
يبرى لرائحة يساقط ريشها مر النجاء سقاط ليف الأبر
فتذكرا. شبه عيبته والفتان - وهو أديم يلبس الرحل - بما شخص من ريش جناحي الظليم، وجعله نافرا لأنه أشد لعدوه، وجعله معارضا لنعامة رائحة إلى بيضها، وذلك أبلغ في العدو. وأخذ لبيد معنى قوله ألقت ذكاء يمينها في كافر فقال:
حتى إذا ألقت يدا في كافر وأجن عورات الثغور ظلامها
وتبعه ذو الرمة فسرقه وأخفاه فقال:
ألا طرقت سمي هيومًا بذكرها وأيدي الثريا جنح في المغارب
والمعنى في جميع ذلك الدنو من المغيب، قال الأصمعي أول من ابتكر هذا المعنى ثعلبة بن صعير، وهو أقدم من جد لبيد.
وأنشد أبو علي لعنترة:
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
ع وبعده:
دار لأنسة غضيض طرفها طوع العناق لذيدة المتبسم
ردمت الشيء إذا أصلحته، وتردمت الناقة على ولدها إذا تعطفت. يقول: هل ترك الشعراء
[ ١ / ٧٦٩ ]
من الكلام شيئًا ينظر فيه، قال أبو علي وهذا قوله: هل ترك الأول للأخر شيئًا ويروى: من مترمم من قولك رممت الشيء إذا أصلحته، وراوه أبو عبيدة من مترنك والترنم: الصوت الخفي الذي ترجعه بينك وبين نفسك. قال أبو جعفر ابن النحاس: هكذا أنشدنيه لذيذة المتبسم يريد لذيذة الفم المتبسم.
وأنشد أبو علي للعجاج:
بفاحم دووى حتى أعلنكسا
وأنشد بعده:
وأعرنكست أهواله وأعرنكسا
ع صلتهما، قال:
أزمان غراء تروق العنسا بفاحم دووى حتى أعلنكسا
وبشر مع البياض ألعسا
قوله ألعس: أي تخالطه سمرة. ثم قال:
أعسف الليل إذا الليل غسا واعرنكست أهواله واعرنكسا
ووقنع البلاد منه برنسا
وأنشد أبو علي لحميد بن ثور:
جربانة ورهاء تخصى حمارها بفي من بغي خيرًا إليها الجلامد!
ع هذا أول الشعر، وقال ابن الجراح العقليل جربانة: نسبها إلى قوم من أهل الحجاز يقال لهم بنو جربان. وتخصى حمارها: لسلاطتها وقلة حيائها، وقال ابن الأعرابي جربانة: أي وسخة. تخطى خمارها: أي لا تحسن تختمر. وقال ابن جنى: قوله جلبانة ورهاء:
[ ١ / ٧٧٠ ]
جلبانة من الجلبة، وليس من قولهم جربانة ولا الراء بدلا من اللام، ويروى عبقانة: أي شريرة الخلق يهجو امرأة ضافها هو وصاحبه، وسيأتي خبر ذلك وذكر أبيات من الشعر بعد هذا.
وأنشد أبو علي:
يا دار سلمى بين ذات العوج
ع قد أحال أبو علي بالوزن واللفظ، فصحة إنشاده إنما هو:
يا دار سلمى بين دارات العوج
وكذلك صحة لفظة لأن ذات العوج لا تعرف موضعا، وإنما هو دارات العوج أو دارة العوج، قال الراجز:
بدارة العوج لسلمى مربع يكنفه من جانبيه لعلع
وبعده:
جرت عليها كل ريح سيهوج هو جاء جاءت من بلاد يأجوج
وهذه الأشطار لرجل من بني سعد: وأنشد أبو علي لكعب بن سعد الغنوى قصيدته التي يرثى بها أبا المغوار: ع كعب بن سعد شاعر إسلامي وهو أحد بني سالم بن عبيد بن سعد
[ ١ / ٧٧١ ]
بن عوف بن كعب بن جلان بن غنم بن غنى بن أعصر. وفي القصيدة:
عظيم رماد النار رحب فناؤه إلى سند لم تحتجنه غيوب
إنما مدحت العرب برحب الفناء لأنهم يريدون أنه سيد يكثر وراده وزواره، وتطيف به عشيرته. والغيوب: جمع غيب وهو ما أنخفض من الأرض، يمدحه بحلول الروابي والبروز للأضياف كما قال الراعي:
وأفناء حي تحت عين مطيرة عظام البيوت ينزلون الروابيا
وفيه:
لقد أفسد الموت الحياة وقدة أتى على يومه علق إلى حبيب
هذا من المقلوب تقديره وقد أتى يومه على علق إلى حبيب. وفيه:
حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين الرجال مهيب
يعني أنه حليم في الموضع الذي يحمد فيه الحلم ويحسن، فإنه في بعض المواضع مذموم، كما قال نابغة بني جعدة:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا
وقال آخر:
[ ١ / ٧٧٢ ]
أحلامنا تزن الجبال رزانة ويزيد جاهلنا على الجهال
وقال أبو الطيب ﵀:
إذا قيل مهلا! قال للحلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وفيه:
هوت أمه! ما يبعث الصبح غاديا! وماذا يرد الليل حين يؤوب!
وبعده في غير رواية أبي علي:
إذا ذر قرن الشمس عللت بالأأسى ويأوى إلى الحزن حين يغيب
يريد أن هذين الوقتين يجددان ذكره ويثيران الحزن عليه، لأن الصباح وقت الغارة والليل وقت طروق الضيفان، ولذلك قالت الخنساء:
يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس
وقال عكرشة أبو الشغب:
يا شغب ما طلعت شمس ولا غربت إلا ذكرتك والمحزون يدكر
عزاني الناس عن شغب فقلت لهم ليس الأسى بسواء والأسى عبر
وفيه:
أخو شتوات يعلم الناس أنه سيكثر ما في قدره ويطيب
العرب تكنى بالشتوات عن المجاعات والشدائد والأزمات، لأنها أكثر ما تكون في ذلك الزمن، قال الحطيئة:
إذا نزل الشتاء بدار قوم تجنب جار بيتهم الشتاء
وقال الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
وفي آخر هذه القصيدة أبيات لم يروها أبو علي، وهي بعد قوله: وفي آخر هذه القصيدة أبيات لم يروها أبو علي، وهي بعد قوله:
[ ١ / ٧٧٣ ]
وماء سماء كان غير محمة ببرية تجرى عليه جنوب
ومنزلة في دار قوم وغبطة وما اقتال من حكم على طبيب
فو الله لا أنساه ما ذر شارق وما اهتز في فرع الأراك قضيب
كان قد قيل له أخرج بأخيك إلى الأمصار فيصح، ومثله ما أنشده الحربي:
يقولون إن الشأم يقتل أهله وكيف وإن لم آته بخلود؟
تعرق آبائي فهلا صراهمعن الموت أن لم يشئموا وجدودي
وقوله: وما اقتال من حكم يريد ما احتكم، ومن هذا قيل لمن دون الملك قيل لأنه يحتكم فيمضى حكمه، وهو فيعل من هذا، فخفف، فإذا جمعت ظهرت الواو فقلت أقوال، وقيل: إنه مأخوذ من قال يقول، أي هو صاحب القول المسموع المعمول به، فأما من جمع قيلا أقيالا فإنه يجعله من تقيل أباه: أي اتبعه، كما قالوا اتبع من الأتباع، قاله أبو الفتح ابن جنى.
وأنشد أبو علي لجبيهاء:
تنجو إذا نجدت وعارض أوبها سلق ألحن من السياط خضوع
ع يصف ناقته، وأوبها: رجع يديها. وسلق: نوق كالذئاب تعارضها في عدوها.
وقبله:
عيرانه عبر الهواجر تغتلى بردافها موضوعها مرفوع
تنجو إذا نجدت.
وأنشد أبو علي للأعشى: كلقيط العجم قال: وكان ابن دريد يرويه عن أصحابه: كلفيظ العجم وصلته:
[ ١ / ٧٧٤ ]
وإن غزاتك من حضرموت أتتنى ودوني الصفا والعظم
غزاتك بالخيل أرض العدو وجذعانها كلقيط العجم
اللعظم: موضع، ويروى: ودوني الصفا والرجم وهو موضع أيضا قاله أبو عبيدة. ومن روى كلفيظ العجم فإنه يعني ما لفظته من فيك ليس بنوى خل ولا نبيذ وأنشد أبو علي لابن مقبل:
ألم تعلمي أن لا يذم فجاءتي دخيلي إذا اغبر العضاه المجلح
ع وبعده:
وأن لا ألوم النفس فيما أصابها وأن لا أكاد بالذي نلت أفرح
وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
ويروى: هل الدهر والكدح الاكتساب، يقال فلان يكدح على أهله ويدأب.
أنشد أبو علي:
لها شعر داج وجيد مقلص وجسم خداري وضرع مجالح
ع الشعر لجبيهاء الأشجعى، وقد مضى ذكره، من شعر يقوله في عنز كان منحها رجلا من بني تيم من أشجع قومه، والعنز تسمى صعدة، وأوله:
أمولي بني تيم ألست مؤديا منيحتنا فيما ترد المنائح
[ ١ / ٧٧٥ ]
فإنك لو أديت صعدة لم تزل بعلياء عندي ما بغي الربح رابح
لها شعر ضاف وجيد مقلص وجسم زخاري وضرس مجالح
هكذا رواه الأخفش وغيره. والزخاري: الكثير اللحم والشحم، كما يقال زخر البحر إذا علا وأرتفعت أمواجه وتكاثفت. والخداري: الذي ذكر أبو علي إنما هو في الألوان، فلم قال ولون خداري: لكان وجها على أنه ليس مدحا. وضرس مجالح: أي شديد الأكل.
وأنشد أبو علي بعد للفرزدق:
مجاليح الشتاء خبعثنات إذا النكباء ناوحت الشمالا
ع قبله وهو أول القصيدة:
وكوم تنعم الأضياف فينا وتصبح في مباركها ثقالا
مجاليح الشتاء.
كأن فصالها حبش جعاد تخال على مباركها جفالا
خبعثنات: غلاط الأخفاف، قال ابن حبيب خبعثنات: ضخام. والجفال: ما طال من الوبر وكثر من الشعر.
وأنشد أبو علي: وما الكلم العوران لي بقبول
[ ١ / ٧٧٦ ]
وأنشد أبو علي:
فلما رأت جد النوى ضامت النوى بنظرة ثكلى أكذبت كل كاشح
هذا البيت منسوب إلى جميل. وقوله ضامت النوى: أي أذلتها بنظرة ثكلى إشفاقها وتحزنها من هذا البيت أكذبت كل كاشح كان يزعم أنها تقليه وتضمر مثل ما تظهر فيه، وجعل النوى مضيمة كما جعلها أبو الطيب عاشقة في قوله:
ملام النوى في ظلمها غاية الظلم لعل بها مثل الذي بي من السقم