قال الأصمعيّ قول العامّة تشوّر بمعنى خجل باطل ليس من كلام العرب أظنّه فارسيًّا. وقد حبق رجل بحضرة عمر بن الخطّاب فتغافل عنه حتى حضرت الصلاة فقال عزمت على من كانت منه هذه الريح إلاّ قام فتوضّأ فلم يقم أحد، ثم أعاد فلم يقم أحد. فقال جرير بن عبد الله البجليّ: لو عزمت علينا يا أمير المؤمنين أن نتوضّأ جميعًا كان ذلك لفاعله فريضة
[ ١ / ٤١٦ ]
ولغيره برًّا ونافلة وكان أستر على الرجل. فقال: جازاك الله خيرًا فما عرفتك إلاّ سيّدًا في الجاهلية فقيهًا في الإسلام، قوموا فتوضّأوا، فقام القوم فتوضأوا. وحبق كاتب لعمر بن عبد العزيز بين يديه فرمى بقلمه واستحيا ممّا جاء به. فقال عمر: لا عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليذهب روعك فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. وحضر مجلس يزيد بن المهلّب رجل تميميّ، وقد جرّد يزيد رجلًا من الأزد ليضربه، فلما وقع السوط بجنبه حبق، فقال التميميّ ماله لعنه الله؟ أما أنّه لو كان من عدنان ما حبق لوقع السوط بجنبه فسمعها يزيد فقال تعصّبًا للأزد: والله لأضربنك حتى تضرط. فقال والله لا ترى ذلك أبدًا ولتجدنّها كما قال الأعشى:
كتوم الرغاء إذا هجّرت وكانت بقيّة ذود كتم
فقيل له الأمير قد أقسم ليضربنّك أو تفعل فما عليك قال: كلاّ إنها كما قال الكميت:
كتوم إذا ضجّ المطيّ كأنما تكرّم عن أخلاقهن وترغب
وضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: استرها عليّ فحدّث بها معاوية عمرًا فدخل أبو الأسود على معاوية وعنده عمرو. فقال له عمرو ما فعلت ضرطتك؟ فقال ذهبت كما تذهب الريح فلتة من شيخ ألان الدهر أعصابه، وكلّ أجوف ضروط، ثم أقبل على معاوية فقال: إن امرأ ضعفت أمانته عن كتمان ضرطة لحقيق أن لا يؤمن على أمور المسلمين. وأخذ عبد الله بن عليّ ب عبد الله بن عبّاس أسيرًا من أصحاب مروان فشهر عليه السيف ليقتل، فضرط ضرطة شنيعة فسقط السيف من يد السيّاف، ونفرت دابّة عبد الله فقال له: إذهب فأنت طليق ضرطتك. فقال هذا والله الإدبار كنّا ندافع الموت بأسيافنا فصرنا ندافعه بأدبارنا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٠، ١٥٨ " لذي الرمّة:
[ ١ / ٤١٧ ]
ومستخلفات من بلاد تنوفة لمصفرّة الأشداق حمر الحواصل
ع وبعده:
صدرن بما أسأرت من ماء آجن صرى ليس من أعطانه غير حائل
الصرى: من الماء المجتمع الذي طال مكثه، ومنه الشاة المصرّاة التي حفلت بلبنها. والأعطان: جمع عطن وهي مبارك الإبل بعد الشرب. ويعني بالحائل البعر يقول ليس منه إلاّ ما قد أتى عليه حول حتى يبس وابيضّ، وإنما يريد أن هذا الماء بعيد العهد بالناس.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
فأقع كما أقعى أبوك على استه رأى أن ريمًا فوقه لا يعادله
ع وبعده:
فإن كنت لم تصبح بحظّك راضيًا فدع عنك حظّي إنني عنك شاغله
والشعر للمخبّل السعدي يهجو الزبرقان بن بدر. والمخبّل اسمه ربيعة بن مالك سعدي من بني شماس بن لأي ابن أنف الناقة يكنى أبا يزيد شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ " لمالك بن الريب المزني:
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي على الريم أسقيت السحاب الغواديا
ع هذا وهم من أبي عليّ إنما مالك مازنيّ لا مزنيّ، وهو مالك بن الريب بن
[ ١ / ٤١٨ ]
حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ يكنى أبا عقبة. وأما مزينة فهو ابن مرّ بن ادّ بن طابخة بن اليأس بن مضر، منهم النعمان بن مقرّن، ومعقل بن يسار، وزهير الشاعر. وهذا البيت الذي أنشده أبو علي من قصيدة لمالك يرثي بها نفسه وكان سعيد بن عثمان بن عفّان لّما ولاّه معاوية خراسان قد استصحب مالك بن الريب، وكان من أجمل العرب جمالًا وأبينهم بيانًا فمات هناك وقيل بل طعن فسقط وهو بآخر رمق فقال هذه القصيدة. وصلة البيت منها:
فيا ليت شعري هل بكت أمّ مالك كما كنت لو عالوا نعيّك باكيا
إذا متّ فاعتادي القبور فسلّمي على الرمس أسقيت السحاب الغواديا
رهينة أحجار وترب تضمّنت قرارتها مني العظام البواليا
ويروى فسلّمي على الرّيم أي القبر، والأولى رواية أبي عبيدة. وزعم بعض الرواة أن الجنّ رثته بهذا الشعر.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
وكنت كعظم الريم لم يدر جازر على أيّ بد أي مقسم اللحم يجعل
ع اختلف في هذا البيت فقيل إنه للطرمّاح بن حكيم وقيل إنه لأبي شمر ابن
[ ١ / ٤١٩ ]
حجر بن وائل بن ربيعة بن ربيعة الحضرميّ، وصلته:
ولو شهد الصفّين بالعين مرثد إذًا لرآنا في الوغى غير عزّل
وما أنت في صدري بغمر أجنّة ولا بقذى في مقلتي متجلجل
أبوكم لئيم غير حرّ وأمّكم بريدة إن ساءتكم لم تبدّل
وأنتم كعظم الريم لم يدر جازر على أيّ بدأي مقسم اللحم يجعل
وأنشد يعقوب: على أيّ بدأي مقسم اللحم يوضع وهو خطأ. والأبداء: الأعضاء واحدها بدء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦١، ١٦٠ ":
إذا علون أربعًا بأربع
ع الجعجع: المكان الذي لا يطمئنّ عليه من جلس فيه وكذلك الجعجاع. وموصيّة: موصولة. وأننّ: من الإعياء والجهد، وإنما يريد عند بروكهنّ. والأشطار لحكيم بن معيّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٢، ١٦٠ " لكعب بن زهير:
ثنت أربعًا منها على ظهر أربع فهنّ بمثنيّاتهنّ ثمان
[ ١ / ٤٢٠ ]
ع لا أعلم هذا البيت لكعب وقد جمعت من شعره كلّ رواية ومعناه ظاهر وقد رأيته منسوبًا إلى ودّاك بن ثميل، وأخلق بهذا القول أن يكون صوابًا. والبيت من قصيدته التي يقول فيها:
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأيّة حرب أم لأيّ مكان
وقد تقدم نسب كعب " ٦٣ " عند ذكر أبيه زهير ويكنى أبا المضرّب وهو جاهلي إسلاميّ، وكان يهجو المسلمين وينال من النبي ﷺ ثم قدم عليه فأسلم ومدحه بقصيدته التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيّم إثرها لم يفد مكبول
ويجير بن زهير أخوه أقدم إسلامًا منه، وكان أيضًا شاعرًا أمّهما كبشة بنت عمّار من بني سحيم.