عن النبي ﷺ وهو حديث صحيح قد أسنده عن رسول الله ﷺ جماعة. فأما حديث حرم المدينة فأسنده سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: حرّم ما بين لابتي المدينة على لساني. ورواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة. وأما الحديث الموصول " بهذا " فروى مالك عن قطن بن وهب أن يحنّس مولى ابن الزبير أخبره أنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة فجاءته مولاة له تسلّم عليه فقالت: يا أبا عبد الرحمن إني أردت الخروج واشتدّ علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي لكاع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يصبر على لأوائها وشدّتها أحد إلاّ كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة. وقد رواه نافع عن ابن عمر. ورواه العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وصالح ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وما رواه أبو سعيد مولى المهريّ عن أبي سعيد الخدريّ. ورواه عثمان بن حكيم عن عامر
[ ١ / ٤٦ ]
بن سعد عن أبيه كلّهم عن النبي ﷺ خرّجه عنهم مسلم وغيره. وقوله كنت له شهيدًا شفيعًا أو شهيدًا يحتمل أن يكون أحد المحدثين شك أيّ الكلمتين قال، ويحتمل أن يكون رسول الله ﷺ تكلّم بالكلمتين جميعًا فيكون شهيدًا بالصبر وبالخير أو يكون شفيعًا إن احتاج إلى الشفاعة، فكأنهما ضربان من الناس، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو وقد حمل قوله تعالى " إلى مائة ألف أو يزيدون " على ذلك، وتكون الشفاعة على هذا التأويل الشفاعة بالإراحة من الموقف الشاملة للمؤمنين لأنهما شفاعتان والشفاعة الأخرى للمذنبين من أمّته. وأصل اللأواء من لأي إذا عطف وهي الشدة التي تعطف الناس بعضهم على بعض.
أنشد أبو علي " ١ - ١١، ١٠ " لسلامة بن جندل:
حتى تركنا وما يثنى ظعائننا
قال المؤلف وقبل البيت:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب
وشدّ كور على وجناء ناجية وشدّ سرج على جرداء سرحوب
يقال محبسها أدنى لمرتعها وإن تعادى ببكء كلّ محلوب
حتى تركنا وما يثنى ظعائننا يأخذن بين سواد الخطّ واللوب
قوله كان الصراخ له قرع الظنابيب: يريد الجدّ في نصرته. يقال قرع لذلك الأمر ظنبوبه إذا جدّ فيه ولم يفتر. قال السليك بن السلكة:
بخثعم ما بقيت وإن أبوه أوار بين بيشة والجفار
أوار تجمع الرجلان منه إذا ازدحمت ظنابيب الحضار
يريد إذا جدّ الحضار من قولهم قرع لذلك الأمر ظنبوبه. وتجمع الرجلان منه: يريد
[ ١ / ٤٧ ]
الجدّ في العدو والانكماش يقال جمع رجليه إذا طلب عدو دابّته. قال عمرو بن معدي كرب:
ولقد أجمع رجليّ بها حذر الموت وإني لفرور
وقال كثير أنشده القتبي:
باقي الذماء إذا ملكت عنانه وإذا جمعت به أجشّ هزيم
ويعني السليك بالأوار الشدّة وأصله من توهّج النار. وقيل الظنبوب مسمار الرمح يريد إصلاح السلاح والجدّ في النصر. وقيل أراد قرع أسوق الإبل لتبرك فيشدّ عليها الرحال وتركب وتجنّب الخيل. والظنبوب مقدّم عظم الساق. ويؤيد هذا التأويل قوله بعد البيت:
وشدّ كور على وجناء ناجية وشدّ سرج على جرداء سرحوب
وقيل إن معناه الازدحام والجدّ في النفير فيقرع بعض أسوقهم بعضًا كما قال أبو الطيب:
يدمّي بعض أيدي الخيل بعضًا وما بعجاية أثر ارتهاش
[ ١ / ٤٨ ]
والوجناء المجفرة الغليظة مأخوذ من الوجين وهو ما غلظ من الأرض. والسرحوب الطويلة. والضمير في قوله محبسها فيه قولان: فمن قال إنه راجع على الإبل فالمعنى محبسها على الحرب ومقاتلة العدوّ على الثغر حتى تجليه عنه أقرب وأدنى أن ترتع إبلنا وتخصب من أن نضيّع الثغر ونرسل إبلنا ترعى فيغار عليها فيذهب بها وإن كن تعادين أي توالين بذهاب الحلب، ومن قال إن الضمير راجع على الفرس فالمعنى أنها تحبس وتسقى اللبن ولا تترك ترود ترعى لكرامتها عليهم وإن قلّت الألبان فهي تؤثر باللبن في شدة الزمان. والخط بالبحرين وهو ما أشرف هناك على البحر وإليه تنسب الرماح الخطيّة. يقول اتسع لهن البلد بين الحرار والبحرين. وسلامة بن جندل بن عبد عمرو بن الحارث من بني سعد بن زيد مناة بن تميم جاهلي قديم من فرسان بني تميم وشعرائهم وكذلك أحمر بن جندل أخوه ويكنى سلامة أبا مالك.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١، ١٠ " للراعي:
وخادع المجد أقوام لهم ورق
قال المؤلف الراعي لقب وسمي الراعي بقوله:
[ ١ / ٤٩ ]
ضعيف العصا بادي العروق تخاله عليها إذا ما أمحل الناس إصبعا
حذا إبل أن تتبع الريح مرّة يدعها ويخف الصوت حتى تريّعا
لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت لأخفافها مرعى تبوّا مضجعا
فقيل رعى الرجل. واسمه عبيد بن حصين بن معاوية من بني نمير يكنى أبا جندل شاعر إسلامي وهم أهل بيت وسؤدد وقبل الشاهد:
اخترتك الناس إذ خبّت خلائقهم واعتلّ إلاّ المصفّى كلّ مسئول
وخادع المجد أقوام لهم ورق راح العضاه له والعرق مدخول
الورق المال قال كثيّر:
فما ورق الدنيا بباق لأهله ولا شدة البلوى بضربة لازم
ويقال تروّحت الشجرة وراحت وتربّلت وأخلفت واسم ذلك الورق الخلفة إذا أصابها ندى الليل فتقطرت في غير وقتها وذلك في دبر القيظ قال الشاعر:
[ ١ / ٥٠ ]
وأكرم كريمًا إن أتاك لحاجة لعاقبة إن العضاه تروّح
يقول الراعي ظهرت لهم ثروة فحسن ظاهرهم وباطن أمرهم بخلافه لأنهم لئام وأخلاقهم مذمومة كهذا الشجر الذي قد اخضرّ بندى الليل لا بندى الأصل فعرقه عطشان وظاهره أخضر ريّان.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١، ١٠ " لرؤبة:
لأواءها والأزل والمظاظا
وقبله:
إنا أناس نلزم الحفاظا إذ سئمت ربيعة الكظاظا
لأواءها والازل والمظاظا
ونسب رؤبة يأتي أثر هذا