ع هو عنبسة بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أميّة بن عبد شمس، وكان
[ ١ / ٢٧٩ ]
آثر الناس عند الحجاج، وطلع له ابن فسمّاه الحجاج باسمه، وكان على جانب من البخل عظيم، وله فيه أخبار طريفة. دخل به على الحجاج وهو طفل فأعطاه دراهم، فسأله أن يشدّها بخيط، فكلما شدّها سأله المبالغة في الشدّ حتى عقد اثنتي عشرة عقدة، فعجب الناس من شأنه. ثم دخل عليه عنبسة فأخبره بما رأى من ابنه. فقال له عنبسة: إن رأيته أيها الأمير فاسأله ما صنع بالدراهم، فأرسل فيه الحجاج وقال: ما صنعت بالدراهم التي أعطيتك. قال: عمدت إلى أغمض بيت في الدار فحفرت فيه حفيرة ثم دفنتها فيها، وملأت البيت تبنًا وقلت لها: هذا آخر عهدك بالدنيا. قال: فما أردت بملء البيت تبنًا. قال: إن أرادها اللصوص لم يفرغوا بإخراج التبن حتى يدركهم الصباح فيفضحهم، فازداد الحجاج عجبًا من ضبطه وسرّبه ووهب له مالًا. ومرّ بالحجاج بن عنبسة رجل في يوم صرّ وهو يرعد، فقال: ما الذي أخرجك من بيتك في مثل هذا اليوم؟ قال: خرجت أشتري لزوجتي بردًا. قال: لا كسا الله عريها، أما لها برد؟ قال: نعم ولكنه خلق. قال: ارقعه مادام فيه مستمتع، فإذا لم تبق فيه بقيّة فماطلها أربعة أشهر وعشراعدّة المتوفيّ عنها زوجها. وروى في حديث ليلى مع الحجاج قاسم بن ثابت: قال إسماعيل الآمدي عن محمد بن حاتم النحوي عن الهيثم بن عديّ عن أبي عمرة الأنصاري عن الشعبي أنه شهدها عند الحجاج وفيه " وقال الحجاج: ما جاء بك؟ قالت إخلاف النجوم وكثرة الغروم ". وقول ليلى:
أعدّ لهم مسمومة فارسيّة بأيدي رجال يحلبون صراها
تعني نصال الرماح والسهام كأنها مسقية سمًّا من أصابته لم ينج منها، وقيل إنها أرادت
[ ١ / ٢٨٠ ]
بمسمومة الدروع أي ضيّقة الحلق دقيقة النسج من سمّ الخياط. وهذا التفسير يبطله عجز البيت وقول توبة:
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
أو هنا بمعنى الواو وقد مضت أمثلته وقولها:
لتبك العذارى من خفاجة نسوة
نسوة تبيين وارتفاعه بفعل مضمر كأنها قالت تبكيه نسوة. وقولها:
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
إنما يفعلن ذلك من شدة الحر يطلبن برد الأرض لينلنه. وفي الحديث " ١ - ٨٩، ٨٩ " وكان محصن الفقعسيّ من جلساء الحجاج. المحصن: هو المكتل وهو الزبيل الصغير سميّ به. وفيه وكانت ليلى تهجوه ويهجوها، كانا يتهاجيان وقد غلّبت عليه، وكان سبب تهاجيهما أنّ الجعدي كان يذكر يومي رحرحان وهو يهاجي سوّار بن أوفى بن سبرة ويفخر عليه بأيام بني جعدة في قوله:
هلاّ سألت بيومي رحرحان وقد ظنّنت هوازن أنّ العزّ قد زالا
تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
فقالت ليلى:
[ ١ / ٢٨١ ]
وما كنت لو قاذفت جلّ عشيرتي لأذكر وطبي حازر قد تمّثلا
تريد قد تجنّب. فلما أتى النابغة أبيات ليلى قال:
ألا حيّيًا ليلى وقولًا لها هلا فقد ركبت أيرًا أغرّ محجّلا
بريذينة بلّ البراذين ثفرها وقد شربت في آخر الصيف إيّلا
فأجابته ليلى:
أنابغ لم تنبغ ولم تك أوّلا وكنت صنيًّا بين صدّين مجهلا
أعيرتني داء بأمّك مثله وأيّ جواد لا يقال له هلا
قوله هلا: زجر للخيل، وإنما أراد به النابغة زجر الحجر إذا لم تقرّ للفحل. وقوله: وقد شربت: يعني البراذين في آخر الصيف أيّلًا يعني لبن إيّل، ويقال إن من شرب ألبانها اغتلم. قال جرير:
أجعثن لولا قيت عمران شاربًا على الحبّة الخضراء ألبان أيّل
ويقال له أيضًا أيّل بالضم سميّ بذلك لأنه يؤول إلى الجبال يتحصّن فيها. وقال قطرب: الأيّل من اللبن الذي قد أخذ في الخثورة وتغيّر طعمه عن طعم الحليب. وأنشد بيت النابغة هذا. وقال الخليل: آل الشيء يؤول أولا فهو آئل أي خثر، وبول آئل: أي خاثر وجمعه أيّل كصائم وصيّم، وكان الأصل أوّل وصوّم ولكن قد يجمع الشيء على لفظه ولا ينظر إلى أصله. فمن تأوّل في البيت أنه أراد خائر اللبن فإنما هو على هذا التفسير أيّل بضم الهمزة. ونقله
[ ١ / ٢٨٢ ]
قطرب إيّل بكسر الهمزة. والصدّان: ناحيتا الجبل أو الوادي والواحد صدّ. وقوله: " فماتت بقومس ويقال بحلوان ".
ع وقال أبو عمرو ابن العلاء ماتت بساوة. قال أبو الفرج: وهذا غلط والصحيح ما رواه المدائني أنها أقبلت من سفر ومعها زوجها وهي في هودج فقالت والله لا أبرح حتى أسلّم على توبة، فجعل الزوج يمنعها وهي تأبى إلاّ أن تلمّ به، فصعدت أكمة فيها قبر توبة فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفته كذب قطّ قبل هذه. قيل وكيف؟ قالت أليس القائل:
ولو أن ليلى الأخيليّة سلّمت عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقًا إليها صدى من جانب القبر صائح
وكانت في جانب القبر بومة كامنة فلما رأت الهودج واضطرابه نفرت فطارت في وجه الجمل فرمى بليلى على رأسها فماتت. وقد تقدم هذا الخبر " ص ٣١ " بمعناه على ما رواه أبو عبيدة، وهذا الذي أوردته هي رواية أبي الفرج الأصبهانيّ عن رجاله عن المدائنيّ. وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحّال وهو شدّاد بن كعب بن معاوية وهو الأخيل من بني ربيعة بن عامر بن صعصعة.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٠، ٩٠ " للأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليوم
ع كان الأسود بن المنذر وقيل المنذر بن الأسود قد غزا الحليفين أسدًا وذبيان ثم أغار على الطفّ فأصاب نعمًا وسبي من بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة والأعشى غائب، فلما قدم وجد الحيّ مباحًا فأتاه فأنشده وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم ففعل، فأنشده الأعشى قصيدته التي أوّلها:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي فما يردّ سؤالي
وفيها:
ربّ رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقتال
وشيوخ حربي بشطّي أريك ونساء كأنهنّ السعالي
وشريكين في كثير من الما ل وكانا محالفي إقلال
يقول استقت إبله فذهب ما كان يحلبه في الرفد فتلك إراقته. وهذا كقول امرئ القيس في أحد الأقوال:
فأفلتهنّ علباء جريضًا ولو ألفينه صفر الوطاب
وحربي: جمع حريب وهو الذي قد حرب ماله. وروى أبو عبيدة: وشيوخ صرعى.
وقوله:
وشريكين في كثير من المال
يقول كانا فقيرين فلما غزوا معك استغنيا وأنشد أبو علي " ١ - ٩١، ٩١ " للنمر شاهدًا على قولهم: " ماله سعنة ولا معنة " على أن المعن اليسير الهيّن والسعن الكثير:
ولا ضيّعته فألام فيه
صلته:
يلوم أخي على إهلاك مالي وما إن غاله ظهري وبطني
ولا ضيّعته فألام فيه فإن ضياع مالك غير معن
ولكن كل مختبط فقير يقول ألا استمع أنبئك شأني
[ ١ / ٢٨٤ ]
وفي كتاب العين ما يخلف قول أبي علي في السعن والمعن قال: السعن شيء يتخذ من الآدم شبه دلو إلاّ أنه مستطيل مستدير ربما جعلت له قوائم ينبذ فيه، وقد يكون على تلك الخلقة من الدلاء صغير يسمى السعن والجمع السعنة والأسعان، والسعن ظلّة يتّخذها أهل عمان فوق سطوحهم من جل الندى والومد والجمع السعون والسعن الودك والمعن العروف. ابن الأعرابي في قوله:
فإن ضياع مالك غير معن
أي غير حزم من قولك أمعن لي بحقّي أي أقرّبه وانقاد. وأمعن الماء إذا جرى وهو النمر بن تولب بن أقيش من عكل واسم عكل عوف بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن اليأس بن مضر شاعر جاهليّ إسلاميّ، وكان يسمّى الكيس لجودة شعره، ووفد على النبي ﷺ وحسن إسلامه، وكتب له كتابًا كان في أيدي أهله. وروى عنه أنه قال: صوم شهر الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن كثيرًا من وحر الصدر.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩١، ٩١ " لزهير:
والستر دون الفاحشات ولا
[ ١ / ٢٨٥ ]
ع قبله:
أثنى عليك بما علمت وما سلّفت في النجدات والذكر
والستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر
النجعدات جمع نجدة: وهي الشدائد، وكالبيت الآخر قول الحكيم، وقد سئل المروءة؟ فقال: أن لا تعمل في السرّ عملًا تستحي منه في العلانية. وقول الشاعر:
وإذا أظهرت أمرًا حسنًا فليكن أحسن منه ما تسرّ
فمسرّ الخير موسوم به ومسرّ الشر موسوم بشرّ
وقال آخر:
فإن الله لا يخفى عليه علانية تراد ولا سرار
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٢، ٩١ " لرجل من بني تميم:
ولما رأين بني عاصم دعون الذي كنّ أنسيته
فأبدين ما كنّ حسّرنه وستّرن ما كنّ يبدينه
ع هذا التميمي هو ذو الخرق الطهويّ وإنما أنشده العلماء
ذكرن الذي كن أنسينه
وهذه الرواية أشبه بتفسير أبي علي يصف نساء سبين فأنسين الحياء. وقوله: فلما رأين بني عاصم استيقنّ أنهن قد استنقذن فراجعن حياءهن. وفيها مع ذلك الصناعة التي تسمى المطابقة، ولا يدخل الدعاء هنا ولا هناك مدعوّ. ومثله في المعنى قول الآخر وهو باعث بن صريم اليشكريّ:
[ ١ / ٢٨٦ ]
وخمار غانية شددت برأسها أصلًا وكان منشرًّا بشمالها
فلمثل ما منّتك نفسك خاليًا منحتك يشكر أهلها وفصالها
وقول رجل من بني عجل:
ويوم يبيل النساء الدما جعلت رداءك فيه خمارا
ففرّجت عنهن ما يتّقين وكنت المحامي والمستجارا
الرداء: السيف. يقول استنقذهن بسيفه فكأنّه قد وضع به خمرًا على رؤسهنّ لأنهن كنّ مكشّفات الرؤس. ويبيل الدما: أي يسقط الحبالى أجنّتهن فيبيل الدماء يسيلها وأنشد ثعلب في مثله:
تركنا بالعويند من حسين نساء الحي يلقطن الجمانا
حسين: جبل. يقول فزع النساء من الغارة فهربن فانقطع الجمان، فلما جئنا وأغثناهنّ رجعن فلقطن الجمان الذي سقط لهن في الفزع.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٣، ٩٢ " في خبر مرثد الخير مع الرجلين من قومه:
إذًا ما علوا قالوا أبونا وأمّنا وليس لهم عالين أمّ ولا أب
ع يقول إذا ما غلبوا وعلوا استنصروا بنا واستنجدونا وذكّرونا الآباء والأمّهات أوالأرحام والأواصر، وإذا كانوا هم الغالبين العالين نسوا تلك الأواصر وتركوا الصلة وقطعوا تلك الأرحام فصاروا كمن لا يجمعنا بهم أمّ ولا أب. وعالين حال من الضمير في قوله لهم. ومثله قول رجل من بني عبد مناة بن كنانة:
هل في القضيّة أن إذا استغنيتم وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرّة أشجتكمو فأنا الحبيب الأقرب
عجبًا لتلك قضيّة وإقامتي فيكم على تلك القضيّة أعجب
فإذا تكون شديدة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
ذا كم وجدّكم الصغار بعينه لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
ومثله قول عطية بن عمرو العنبريّ من أصحاب المهلّب:
يدعى رجال للعطاء وإنّما يدعى عطيّة للطعان الأجرد
ومثله قول جرير لجدّه الخطفي وقسم ماله على ولده وقصّر لجرير فسأله أن يلحقه بهم فلم يفعل فقال:
[ ١ / ٢٨٨ ]
وقائلة والدمع يحدر كحلها أبعد جرير تكرمون المواليا
فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة فإن عرضت يومًا فلست أباليا
وإني لأستحي أخي أن أرى له عليّ من الحقّ الذي لا يرى ليا
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٩٣، ٩٣ " في ذلك الخبر:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب
ع هو لحرثان بن السموأل الملّقب ذا الإصبع العدواني لقّب بذلك لأن حيّة لسعت إصبعه فقطعها. قال لابن عمّ له يسمّى عمرًا:
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت ديّاني فتخزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ولا بنفسك في العزّاء تكفيني
قال الأصمعي العرب تقول العطش في الرأس وأنشد:
قد علمت أنّي مروّي هامها ومذهب الغليل من أوامها
إذا جعلت الدلو في خطامها
[ ١ / ٢٨٩ ]
وقال آخر:
فيا ربّ إن أهلك ولم ترو هامتي بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري
والمعنى إن لا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش. وقوله لاه ابن عمك يريد الله ابن عمك، ورواه أحمد بن عبيد لاه ابن عمّك بالخفض وقال هو قسم كقولك ربّ ابن عمك. ويروى لا أفضلت في حسب ولا أفضلت في خلق ومعناه لم تفضل ولا تأتي مع الأفعال الماضية بمعنى لم كثيرًا قال الله ﷿: " فلا اقتحم العقبة " وفي الحديث " أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهلّ أليس ذلك بطلّ ". والديّان: القائم بالأمور. وقوله تخزوني: يريد تسوسني يقال خزاه يخزوه إذا ساسه ودبّر أمره يقول له أنت لا تفضلني في حسب ولست بالقائم بأمري ولا السائس لي، ولا تقوت عيالي في جهد ولا تكفيني بنفسك في شدّة وضيق، فما يحملك على إصغاري وشتمي وتنقّصي.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٤، ٩٣و٢ - ١٨، ١٦ " لأوس بن حجر في تفسير غريب الخبر المذكور:
غنيّ تأوّي بأولادها لتهلك جذم تميم بن مرّ
ع هو أوس بن حجر بن معبد بن حزم أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم يكنى أبا شريح شاعر جاهليّ. يقول هذا الشعر في حرب كانت بينهم وبين أسد وغنّى وبعد البيت:
وخندف أقرب بأنسابهم ولكنّنا أهل بيت كثر
فإن تصلونا نواصلكمو وإن تصرمونا فإنّا صبر
ويروى غنّى تعاوى: يريد تجتمع. وقوله:
ولكننا أهل بيت كثر
يقول:
ما أقرب أنسابنا ولكنّنا كثرنا فتقاطعنا.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٤، ٩٣ " عن يعقوب:
وخطيب قوم قدّموه أمامهم ثقة به متخمّط تياح
يعني نفسه وأنشد أبو علي " ١ - ٩٤، ٩٤ " لنصيب:
وقلت لركب قافلين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب
ع نصيب: يكنى أبا الحجناء وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فمدحه فوصله عبد العزيز وأدّى عنه ما كاتب به فصار له ولاؤه. وقال قوم إنه من بليّ من قضاعة وكانت أمّه أمة سوداء فوقع بها سيّدها فأولدها نصيبًا فاستعبده عمّه بعد موت أبيه وباعه من عبد العزيز بن مروان. وخبر هذا الشعر أنّ الفرزدق دخل على سليمان بن عبد الملك وهو وليّ عهد ونصيب عنده، فقال سليمان: أنشدني يا أبا فراس، وإنما أراد أن ينشده بعض ما امتدحه به فأنشده يفخر:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم لها ترة من جذبها بالعصائب
[ ١ / ٢٩١ ]
سروا يخبطون الريح وهي تلفّهم إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا نارًا يقولون ليتها وقد خصرت أيديهم نار غالب
فغضب سليمان وأقبل على نصيب فقال: أنشد مولاك يا نصيب فأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب
فقال سليمان أحسنت، ثم أقبل على الفرزدق فقال ما تقول في هذا؟ فقال هو أشعر أهل جلدته وأمر سليمان لنصيب بصلة ولم يصل الفرزدق فخرج وهو يقول:
خير الشعر أشرفه رجالا وشرّ الشعر ما قال العبيد
هكذا روى محمد بن يزيد. وقيل إن صاحب هذه المقالة في نصيب أيمن بن خريم بين يدي عبد الملك بن مروان.
وقال أبو علي " ١ - ٩٤، ٩٤ ": الهوّة الجوبة.
ع والجوبة كل منفتق بين جبلين والهوّة والمهواة واحد قال ذو الرمّة:
وبيت بمهواة هتكت سماءه إلى كوكب يزوي له الوجه شاربه
يعني بالبيت بيت العنكبوت هتكه بالدلو إلى كوكب الماء وهو معظمه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٤، ٩٤ " لجرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى
ع هو جرير بن عطيّة بن الخطفي وهو حذيفة بن بدر أحد بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنّما سميّ جدّه الخطفي بقوله يصف إبلا:
[ ١ / ٢٩٢ ]
يرفعن بالليل إذا ما أسدفا أعناق جنّان وهامًا رجّفا
وعنقًا باقي الرسيم خيطفي
وكان الخطفي من النسّابين العالمين بأيام العرب ويكنى جرير أبا حرزة. وقبل البيت:
أثعلب أولى حلفة ما ذكرتكم بسوء ولكني عتبت على بكر
أثعلب إنّي لم أزل مذ عرفتكم أرى لكم سترًا فلا تهتكوا ستري
" فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى " فإن الذي بيني وبينكم مثري
يعني ثعلبة بن سعد بن ضبّة وبكر بن سعد بن ضبّة، وقال الفرزدق في هذا المعنى:
وكان الثرى المعروف بيني وبينكم قديمًا فأمسى لا يبلّ ولا يثرى
وقال أبو نخيلة:
فانزع وكلّ وادع لم يجهد والشرب صاف والثرى جعد ند
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٥، ٩٤ " لابن مقبل:
وثروة من رجال لو رأيتهم
ع وقبله:
نحن المقيمون لم تشخص ظعائننا لا نستجير ومن يحلل بنا يجر
منّا ببادية الأعراب كر كرة إلى كراكر بالأمصار والحضر
وثروة من رجال لو رأيتهمو لقلت إحدى حراج الجرّ من أقر
كراكر جماعات يقال للقوم إذا كانوا كثيرًا كر كرة. والحرجة: الشجر الكثير
[ ١ / ٢٩٣ ]
الملتفّ. والجرّ: أسفل الجبل إذا كان كثير الصخور وإلاّ فليس بجرّ. وأقر: اسم جبل بين مكة والطائف.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٥، ٩٥ ":
كيف نومي على الفراش ولمّا تشمل الشّأم غارة شعواء
ع الشعر لعبيد الله بن قيس بن شريح أحد بني عمرو بن عامر بن لؤيّ المعروف بابن قيس الرقيّات، وإنما نسب إلى الرقيّات لأنه كان يشبّب بثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن رقيّة، ويكنى عبيد الله أبا هاشم وأبا هشام. وهذا البيت من شعر له يمدح به مصعب بن الزبير وقبله:
إنما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه جبروت ولا له كبرياء
يتّقي الله في الأمور وقد أفلح من كان همّه الإتّقاء
كيف نومي على الفراش ولّما تشمل الشأم غارة شعواء
وكان مع مصعب، وله فيه أشعار كثيرة وكان عبد الملك قد جعل على قتله جعلا بعد أن قتل مصعب فهرب عبيد الله بن قيس فلحق بعبد الله بن جعفر وأنشده شعرًا منه:
تقدّت بي الشهباء نحو ابن جعفر سواء عليها ليلها ونهارها
[ ١ / ٢٩٤ ]
فوالله لولا أن تزور ابن جعفر لكان قليلًا في دمشق قرارها
فقال له عبد الله بن جعفر إذا دخلت معي على عبد الملك فكل أكلًا يستشنعه ففعل فقال عبد الملك من هذا يا أبا جعفر؟ قال هذا أكذب الناس إن قيل. قال ومن هو؟ قال الذي يقول:
ما نقموا من بني أميّة إلاّ أنّهم يحلمون إن غضبوا
وأنّهم معدن الملوك فما تصلح إلاّ عليهم العرب
فقال عبد الملك قد عفونا عنه ولا يأخذ مع المسلمين عطاء أبدًا. فكان عبد الله بن جعفر إذا خرج عطاؤه أعطاه إيّاه. وهذان البيتان من شعر يمدح به عبد الملك، ولّما أنشده إيّاه فبلغ إلى قوله:
إن الفنيق الذي أبوه أبو العا صي عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه على جبين كأنه الذهب
قال له أتقول لمصعب:
إنما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظلماء
[ ١ / ٢٩٥ ]
وتقول لي:
يعتدل التاج فوق مفرقه على جبين كأنّه الذهب
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٩٥، ٩٥ " للبعيث:
إذا قاسها الآسي النطاسيّ أدبرت غثيثتها وازداد وهيًا هزومها
ع البعيث اسمه خداش بن بشر بن خالد من بني مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سميّ البعيث بقوله:
تبعّث منّي ما تبعّث بعد ما أمرّت قواي واستمرّ عزيمي
وهو شاعر إسلاميّ. قال يهجو جريرًا:
تعرّضت لي حتى صككتك صكّة على الرأس يكبو لليدين أميمها
إذا قاسها الآسي النطاسيّ أرعشت أنامل آسيها وجاشت هزومها
هكذا رواه أبو يوسف عن أبي عبيدة. والأميم: المأموم وهو الذي وصلت الضربة إلى أمّ دماغه وهي الجلدة الرقيقة التي ألبست الدماغ. والآسي: المداوي ويقال للدواء الإساء. والنطاسيّ: العالم وأصله من التنطّس وهو المبالغة في الأمور والتأنّق فيها قال العجّاج:
ولهوة اللاهي ولو تنطّسا
والهزوم: الصدوع ويقال تهزّمت القربة إذا تكسّرت ومنه اشتقاق الهزيمة، وفي الحديث إن زمزم هزمة جبرئيل: أي ضرب برجله فنبع الماء.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٥، ٩٥ " للبيد:
تطير عدائد الأشراك شفعًا
ع وقبله:
وأيقنت التفرّق يوم قالوا تقسّم مال أربد بالسهام
تطير عدائد الأشراك شفعا ووترا والزعامة للغلام
العديدة: النصيب مأخوذ من العدد. والزعامة: الرئاسة. يريد أن المال من الميراث بين الرجال والنساء شفع للذكر ووتر للأنثى، والرئاسة للرجل دونهن ينفرد بها. وقال أبو عمرو: الزعامة الدرع. ورواية أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ:
تطير غدائر الأشراك شفعًا
بالغين معجمة وقال: الغديرة هي الحصّة. وقال غيره هي الفضلة. وهذا الشعر يرثي به لبيد أربد أخاه لأمه وهو أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب ويكنى أبا المغوار. وقال ابن دريد يكنى أبا الحزاز وأمّهما فاطمة بنت زهير بن جعونة، وقيل أسماء بنت زهير سباها قيس فولدت له أربد، ثم تزوّجها ربيعة فولدت له لبيدًا وحرامًا. وكان من حديثه أنه خرج مع عامر بن الطفيل في وفد بني عامر يريدون النبيّ ﷺ. فقال عامر لأربد: لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تطأ العرب عقبي أو أطأ عقب هذا الفتى من قريش فإذا قدمنا على الرجل فإني شاغله عنك فاعله أنت بالسيف. فلما قدموا على رسول الله ﷺ جعل عامر يقول: يا محمد خالّني ورسول الله ﷺ يقول: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. وجعل يكلّمه
[ ١ / ٢٩٧ ]
وينتظر من أربد ما كان أمر به وأربد لا يجير شيئًا، فلّما أبى عليه رسول الله ﷺ قال له عامر: والله لأملأنّها عليك خيلًا جردًا ورجالًا مردًا، فدعا عليهما رسول الله ﷺ. وقال عامر لإربد: ويلك أين ما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بذلك إلاّ دخلت بيني وبين الرجل حتى لا أرى غيرك، أفأضربك بالسيف. ثم انصرفوا فأمّا عامر فأصابه الطاعون وهو نازل في حيّ من بني سلول، فجعل يقول: أغدّة كغدّة البعير، وموتًا في بيت سلوليّة وأمّا أربد فأصابته في طريقه صاعقة قتلته، ففي ذلك يقول لبيد:
أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد
فجّعني الرعد والصواعق بال فارس يوم الكريهة النجد
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٥، ٩٥ " لذي الرمّة:
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق
وصلته:
تراءى لنا من بين سجفين لمحة غزال أحم العين بيض ترائبه
إذا نازعتك القول ميّة أو بدا لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فيا لك من خدّ أسيل ومنطق رخيم ومن خلق تعلّل جادبه
ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم كريم ولا مثل الهوى ليم صاحبه
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٥، ٩٥ " لمهلهل:
نبّئت أنّ النار بعدك أوقدت واستبّ بعدك يا كليب المجلس
[ ١ / ٢٩٨ ]
صلته:
ذهب الخيار من المعاشر كلّهم واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في أمر كل عظيمة لو كنت شاهد أمرهم لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه أم ن يردّ على الضريك ويحبس
هكذا رواه يعقوب بن السكّيت ويروى في كل أمر عظيمة. ومعنى:
نبئت أنّ النار بعدك أوقدت
أنه كان لا توقد بحضرته نار لعظم ناره وعمومه بطعامه وقيل إنه أراد نار الحرب التي كانت ثارت بينهم بقتل كليب فركدت أحقابًا: وأنشد أبو علي " ١ - ٩٦، ٩٦ ":
إذا تخازرت وما بي من خزر
ع هذا الرجز لأرطاة بن سهيّة وهو أرطاة بن زفر بن جزء بن شدّاد أحد بني مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة. وأمّه سهيّة كلبيّة، وكانت أخيذة غلبت عليه، وهو شاعر إسلاميّ. قال الشعر زمن معاوية ابن أبي سفيان وبقي إلى زمن سليمان أو بعده. ويلي قوله ألفيتني ألوى:
ذا نهمة في المصمئلاّت الكبر أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر
أعقر بوّال يغذّى في الشجر حمّال ما حمّلت من خير وشر
حيّة واد بين قفّ وحجر
[ ١ / ٢٩٩ ]
وبعض الناس يرويها لأبي غطفان الصادريّ ومن قال إنها لعمرو بن العاصي فقد أخطأ وإنما قالها عمرو متمثّلًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٧، ٩٦ " للكميت:
أبرق وأرعد يا يزي د فما وعيدك لي بضائر
ع وبعده:
هل أنت إلاّ الفقع فق ع القاع للحجل النوافر
أنشأت تنطق في الأمو ر كوافد الرخم المداور
إن قيل يا رخم انطقي في الطير إنّك شرّ طائر
هي من القواطع.
فأتت بما هي أهله والعيّ من شلل المحاضر
هذا البيت أوهم الجاحظ فقال في صدر كتابه: العرب تقول: لاعيّا ولا شللا. وذكر ذلك في باب العيّ وما اتّصل به وإنما المثل من العرب " لا عميّ ولا شللًا " تقوله للرامي إذا أصاب لأن الرمي بيديه والإصابة ببصره، فتدعو له أن لا تشل يداه ولا يعمى بصره.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وقوله كوافد الرخم: الرخم من قواطع الطير. وروى ابن قتيبة كوافد الرخم الدوائر وقال هي التي تدور إذا حلّقت. وقوله إن قيل يا رخم انطقي: أراد قول الناس إنّك من طير الله فانطقي. قال وصيّر العيّ كالشلل.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٧، ٩٦ ":
إذا جاوزت من ذات عرق ثنيّة فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
ع ونسبه غير واحد للمتلمّس. والمحفوظ للمتلمّس إنما هو قوله:
إنّ الخيانة والمغالة والخنا والغدر أتركه ببلدة مفسد
ملك يلاعب أمّه وقطينها رخو المفاصل أيره كالمرود
فإذا حللت ودون بيتي ساوة فابرق بأرضك ما بدا لك وارعد
يهجو بهذا الشعر عمرو بن هند الملك وكان ينادمه هو وطرفة فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيهما بجوائز، وهو قد أمره فيهما بقتلهما، فخرجا إذا كانا بالنحف إذا هما بشيخ على يسار الطريق وهو يحدث ويأكل من خبز في يده ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه. فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخًا أحمق.
[ ١ / ٣٠١ ]
فقال الشيخ: ما رأيت من حمقى؟ أخرج الداء وآكل الدواء وأقتل الأعداء، أحمق والله منّي من يحمل حتفه بيده. فاستراب المتلمس بقوله، واطّلع عليهما غلام حيريّ. فقال المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففكّ الصحيفة ودفعها إليه فإذا فيها " أما بعد فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًّا " فقال لطرفة ادفع إليه صحيفتك فإن فيها مثل الذي في صحيفتي. فقال طرفة: كلاّ ما كن ليجتريء عليّ فقذف المتلمّس بصحيفته في نهر الحيرة وقال:
قذفت بها في النهر من جنب كافر كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل
رضيت لها لما رأيت مدادها يسيل بها التيار في كل جدول
فضرب المثل بصحيفة المتلمّس. وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين فقتل وخيّر في القتل، فاختار أن يسقى الخمر وتفصد أكحلاه ففعل به ذلك حتى مات نزفًا وقال البحتري:
وكذاك طرفة حين أوجس ضربة في الرأس هان عليه فصد الأكحل
وهلك المتلمّس ببصري في الجاهليّة، وكان له ابن شاعر يسمى عبد المنّان أدرك الإسلام. وكافر اسم نهر الحيرة، وقد مضى ذكر المتلمّس ونسبه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٧، ٩٧ ":
فما شبه عمرو غير أغثم فاجر أبى مذ دجا الإسلام لا يتحنّف
ع هذا البيت لكبشة أخت عمرو بن معدي كرب تقوله لأخيها عمرو. والأغثم هنا الذي غلب بياض شيبه على سواد شعره، ويروى غير أغتم بالتاء معجمة باثنتين من الغتمة وهي الجهالة. وأصل التحنّف: الميل والعدول، وإنما سمّي المسلم حنيفًا لعدوله من دين
[ ١ / ٣٠٢ ]
إلى دين، وسمّيت الحنيفية لأنها مالت عن اليهودية والنصرانيّة. والحنف في القدمين أن تميل كلّ واحدة منهما بإبهامها على صاحبتها. ولّما خرج عتبة بن ربيعة لينصر عير قريش كنت تخرج خوالف قريش في الليل إلى أبي قبيس، فسمعوا في الليلة التي أوقع رسول الله ﷺ في صبيحتها بأهل بدر صائحًا يقول:
أزار الحنيفيّون بدرًا وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالًا من قريش وجرّدت خرائد يلطمن الترائب حسّرا
أيا ويل من أمسي عدوّ محمد لقد جار عن قصد الهدى وتحيّرا
فقالوا ما الحنيفيّون؟ فقال بعضهم: إنّ محمدًا يقول جئت بالدين الحنيف دين إبراهيم ﵇، فأرّخوا تلك الليلة فإذا هي الليلة التي ذكرنا. وكانت كبشة قد أنكرت على عمرو أخذ دية أخيهما عبد الله ولها في ذلك أشعار منها قولها:
أرسل عبد الله إذ حان يومه إلى قومه لا تتركوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالًا وأبكرًا وأترك في بيت بصعدة مظلم
ودع عنك عمرًا إن عمرًا مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
وقد أنشده أبو علي كاملًا بعد هذا " ٣ - ١٩٤، ١٩٠ ".
هنا تم الثلث الأول من تجزئة مؤلّفه والله يعين على التمام
[ ١ / ٣٠٣ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٨، ٩٧ ":
خليليّ إن الدار غفر لذي الهوى
نسب يعقوب هذا البيت إلى الهذليّ ولا أعلمه في أشعار هذيل، وقد جمعت منها كلّ رواية إلاّ أن يكون في شعر أبي خراش الذي أوّله:
أرقت لحزن ضافني بعد هجعة على خالد فالعين دائمة السجم
وقال الأصمعي بل قالها خراش قال وهي في رواية بعضهم سبعة أبيات، وبعضهم يجعلها قصيدتين. فلعل هذا البيت الشاهد في القصيدة الساقطة. وهذه القصيدة التي ذكرت أولها ليست فيما رواه أبو عليّ هي رواية السكّري. وقد روى أبو علي لأبي خراش قصيدة أخرى على هذا الرويّ والعروض أوّلها:
لقد علمت أمّ الأديبر أنّني أقول لها هذّي ولا تذخري لحمى
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٨، ٩٨ ":
فهي الأليلة إن قتلت خؤولتي وهي الأليلة إن هم لم يقتلوا
وهو لحجل بن نضلة وقبله:
[ ١ / ٣٠٤ ]
تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرة زغف تردّ السيف وهو مفلّل
ومقارب الكعبين أسمر عاتر فيه سنان كالقدامى منجل
ومهنّد في متنه حرجيّة عضب إذا مسّ الضريبة مقصل
حرجية: آثار دقاق جدًاّ.
ع هذا الشاعر لا يجد كفؤًا يثأر به إلاّ خؤولته يقول فإن لم أدرك بثأري فثكل، وإن أثّأرت فثكل على ثكل. والأليلة أيضًا في غير هذا صرخة النفساء عند الطلق. ومثل هذا البيت في المعنى قول قيس بن زهير:
شفيت النفس من حمل بن بدر وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد بردت بهم غليلي فلم أقطع بهم إلاّ بناني
ومثل قول الحرث بن وعلة وكانت بنو شيبان قتلت أخاه:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
[ ١ / ٣٠٥ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٨، ٩٨ " لابن ميّادة:
وقولًا لها ما تأمرين بعاشق
ع ابن ميّادة هو الرمّاح بن أبرد بن ثريان بن سراقة من بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأمّه ميّادة غلبت عليه. وشعراء غطفان في الإسلام المنسوبون إلى أمّهاتهم ثلاثة هذا أحدهم وشبيب بن البرصاء وأبوه يزيد وأرطاة بن سهيّة وأبوه زفر. ويكنى ابن ميّادة أبا حرملة وهو شاعر إسلاميّ قال:
خليليّ سيرًا واذكرا الله ترشدًا وسيرًا ببطن النسع حيث يسيل
وقولًا لها ما تأمرين لوامق له بعد نومات العيون أليل
تبدّلت والإبدال واف وناقص ومالك عندي قد علمت بديل
قال أبو علي " ١ - ٩٨، ٩٨ ": سمعت خرير الماء وأليله وقسيبه أي صوت جريه.
ع وقال غيره لا يكون القسيب إلاّ صوته تحت ورق أو قماش. وقال آخرون تحت شجر أو حشيش وأنشدوا لعبيد:
أو جدول في ظلال نخل للماء من تحته قسيب
[ ١ / ٣٠٦ ]
والغقيق: صوته إذا كان في مضيق.
وأنشد أبو علي " ١ - ٩٨، ٩٨ " لابن أحمر:
أزاحمهم بالباب إذ يدفعونني وبالظّهر منّي من قرا الباب عاذر
وهو عمرو بن أحمر بن فرّاص بن معن باهلي شاعر إسلاميّ يكنى أبا الخطّاب قال:
فجئت وقد قام الخصوم كأنّهم قروم تسامى بينهن الحناجر
فما زلت حتى أدحض الخصم حجّتي وقد مسّ ظهري من قرى الباب عاذر
هكذا رواه غير واحد. وقرى الباب: ظهره كأنه أطبق عليه. وأدحض: أي أغرب وأزهق. ويريد بالحناجر الكلام لأنه منها يكون. وتسامى: أي ارتفع وعلا. وكان خاصم في حمالة كانت بينهم فصولحوا عليها. ومن العاذر الأثر قولهم:
إن اللئيم بفعله معذور
أي موسوم وقال أبو علي " ١ - ٩٩، ٩٨ ": ومكشّم مقطوع.
ع أكثر ما يقع الكشم في اللغة على قطع الأنف والأذن يقال رجل أكشم إذا كان مقطوع الأنف أو الأذن. فأمّا الذي يخصّ الأذن فالصلم، والذي يخصّ الأنف الجدع، والذي يخصّ اليد الجذم.
أنش أبو علي " ١ - ٩٩، ٩٨ " لأبي العميثل:
[ ١ / ٣٠٧ ]
لقيت ابنة السّهمي زينب عن عفر ونحن حرام مسى عاشرة العشر
ع قال أبو علي اسم أبي العميثل عبد الله بن خالد وقال أبو بكر الصوليّ اسمه خويلد بن خالد وهو مولى لبني العباس. قال دعبل: وكان أعرابيًا فصيحًا وهو شاعر مكثر وبعد البيتين:
فكلّمتها ثنتين كالثلج منهما على اللوح والأخرى أحرّ من الجمر
اللوح: العطش. ويروى على القلب يعني السلام في أول اللقاء والسلام عند الوداع وقال أبو العباس: " مغذّ وذو فتر ": يرفق بها لأنها امرأة ويسرع بي لأني رجل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٩٩، ٩٩ " لحندج بن حندج:
في ليل صول تناهي العرض والطّول
ع حندج هذا مرّي شاعر مقلّ إسلاميّ والحندج ما تراكب من الرمل وقيل: الحندجة رملة طيّبة تنبت ألوانًا من النبات. وقوله بالسوط مقتول: إنما أراد أن ضرب السوط لا يجهز على الحيّة فهو يضطرب ويتململ وإن كان لا ترجى له حياة، ومن لم ترج له حياة فهو مقتول.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٠، ٩٩ " لبشار:
خليلّي ما بال الدجى لا تزحزح وما لعمود الصبح لا يتوضّح
[ ١ / ٣٠٨ ]
أضلّ؟ النهار المستنير طريقه أم الدهر ليل كلّه ليس يبرح
وطال عليّ الليل حتّى كأنّه بليلين موصول فما يتزحزح
ع وتمام الشعر وهو كلّه مختار:
كأنّ الدجى زادت وما زادت الدجى ولكن أطال الليل همّ مبرّح
لقد هاج دمعي نازح بنزوحه ونومي إذا ما نوّم الناس أنزح
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٠، ١٠٠ " لعديّ بن الرقاع:
وكأن ليلي حين تغرب شمسه بسواد آخر غيره موصول
هو عديّ بن زيد بن مالك بن عثمان بن الرقاع بن عاملة. وعاملة اسمه الحارث. وقد اختلف في نسب عاملة فقيل هو من زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل هو من قضاعة، وقيل من ربيعة. وعديّ شاعر إسلاميّ يكنى أبا داود وبعد البيت:
أرعى النجوم إذا تغيّب كوكب أبصرت آخر كالسّراج يجول
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٠، ١٠٠ " لبشار:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفي عنيّ الكرى طيف ألمّ
هذا أوّل الأبيات وبعده:
وإذا قلت لها جودي لنا حرجت بالصمت عن لا ونعم
[ ١ / ٣٠٩ ]
ختم الحبّ لها في عنقي موضع الخاتم من أهل الذمم
خفّفي عنّا قليلًا واعلمي أنّنا يا هند من لحم ودم
ويروى أن مروان ابن أبي حفصة قال قلت لبشّار وقد أنشدني هذا الشعر: هلاّ قلت خرست بالصّمت عن لا ونعم! فقال لي: لو كنت في عقلك لقلته أتطيّر على من أحبّه بالخرس؟ وسأل بعض الرواة أبا عمر وابن العلاء من أبدع الناس بيتًا؟ قال الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفي عنّي الكرى طيف ألمّ
قلت: فمن أمدح الناس؟ قال الذي يقول:
لمست بكفي كفّه أبتغي الغنى ولم أدر أن الجود من كفّه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
قال: فمن أهجى الناس؟ قال الذي يقول:
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما على بعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بما له كما جاد بالوجعا سهيل بن حاتم
وهذه كلها لبشّار على اختلاف في بيتي المدح فإنها قد رويت لابن الخيّاط في المهديّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠١، ١٠٠ " لبشار أيضًا:
[ ١ / ٣١٠ ]
لا أظلم الليل ولا أدّعى أن نجوم الليل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تجد طال وإن جادت فليلي قصير
ع وبعدهما بيت ثالث لا يقصر عنهما وهو:
تصرّف الليل على حكمها فهو على ما صرّفته يدور
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠١، ١٠٠ " لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر وليل المحبّ بلا آخر
هو خالد بن يزيد يكنى أبا الهيثم خراساني الدار بغداديّ المنشأ، وكان يهاجي أبا تمّام وكان أحد كتّاب الجيش. وأما سعيد بن حميد فقد مضى ذكره. ومن حسن ما ورد في
[ ١ / ٣١١ ]
طول الليل قول الوليد بن يزيد: حدّث إسحاق بن إبراهيم. قال: دخلت على الرشيد وهو مستلق على قفاه وهو يقول: أحسن والله فتى قريش وظريفها وشاعرها. قلت: فيم ذلك يا أمير المؤمنين. قال في قوله:
لا أسأل الله تغييرًا لما فعلت نامت وقد أسهرت عينيّ عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها والليل أقصر شيء حين ألقاها
ثم قال: أتعرفه؟ فقلت بصوت ضعيف: لا. فقال: بحقيّ عليك. قلت: نعم هو الوليد بن يزيد. فقال لي: استر ما سمعت مني وإنه ليستحقّ أكثر مما وصفته به. ومثله قول سليمان ابن أبي دباكل، وقد نسب إلى غيره:
وقالوا لا يضيرك نأي شهر فقلت لصاحبيّ فما يضير
يطول اليوم لا ألقاك فيه وحول نلتقي فيه قصير
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٠٢، ١٠١ " للأعشى:
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص
ع وقبله:
كأنها بعد ما جدّ النجاء بها بالشيّطين مهاة تبتغي ذرعا
أهوى لها ضابئ في الأرض مفتحص للّحم قد ما خفيّ الشخص قد خشعا
فظلّ يخدعها عن نفس واحدها في أرض قيّ بفعل مثله خدعا
كأنها يعني ناقته. والشيّطان واديان بني بكر بن حنظلة. ومهاة بقرة. والذرع ولدها لأنه يذرع في المشي ليلحق أمّه. ومفتحص متخذ أفحوصًا. وقيّ أرض ملساء قفر لا شئ فيها.
[ ١ / ٣١٢ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٢، ١٠١ " للعبّاس بن الأحنف:
أيها الراقدون حولي أعينوني
هو العبّاس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة من بني عديّ بن حنيفة وقيل من بني الديل بن حنيفة يكنى أبا الفضل والشاهد أنه حنفي قوله.
فإن تقتلوني لا تفوتوا بمهجتي مصاليت قومي من حنيفة أو عجل
وهو شاعر غزل من شعراء الدولة الهاشميّة ولم يكن يتجاوز النسيب إلى مديح ولا هجاء. وقوله وائتجارا: هو افتعال من الأجر وفي حديث عمر رحم الله من ائتجر على يتيم بفقده يريد بفقده مؤدّبًا له.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٠٢، ١٠١ " لسويد ابن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضى عطف الأوّل منه فرجع
ع اختلف في اسم أبي كاهل فقيل اسمه شبيب وقيل غطيف وهو ابن حارثة بن حسل من يشكر ويكنى سويد أبا سعد قال:
[ ١ / ٣١٣ ]
أنا أبو سعد إذا الليل دجا دخلت في سرباله ثم النجا
وهو شاعر جاهلي إسلاميّ. وقوله:
مغرب اللون إذا الليل انقشع
يعني الصبح، وإنما شبّه بالمغرب من الخيل وهو الذي تتّسع غرّته في وجهه حتى تجاوز عينيه. ولذلك قال ابن المعتزّ:
والصبح قد أسفر أو لم يسفر حتّى بدا في ثوبه المعصفر
كأنه غرّة مهر أشقر
وقال ذو الرمّة في نحوه:
وقد لاح للساري الذي كمّل السرى على أخريات الليل فتق مشهرّ
كمثل الحصان الأنبط البطن قائمًا تمايل عنه الجلّ واللون أشقر