ع هو أبو جويرية عيسى بن أوس العبدي أحد بني عبد الله بن مالك بن عامر بن الحارث بن أنمار بن عامر بن ربيعة بن نزار شاعر محسن. وجنيد الممدوح هو الجنيد بن عبد الرحمن بن عمرو من ولد سنان ابن أبي حارثة المرّي. والشعر ثلاثة أبيات آخرها:
لم تزل غاية الكرام فلمّا متّ مات الندى ومات الكرام
وقوله:
لو كان يقعد فوق النجم من كرم قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
اهتدمه ابن أبي حفصة فقال:
لو كان يعقد فوق النجم من كرم قوم لقيل اقعدوا يا آل عبّاس
وقول أبي جويرية:
لو خلّد الجود أقوامًا ذوي حسب فيما يحاول من آجالهم خلدوا
أراد فيما يحاول من إتيان آجالهم وأخذه من قول زهير:
فلو أنّ مجدًا يخلد المرء لم يمت ولكنّ مجد المرء ليس بمخلد
فأما قوله:
جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا
فقد تقدّم القول فيه وفي أمثلته ٥٤ وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٦، ١٠٦ " للشمّاخ:
أعاش ما لأهلك لا أراهم
ع قد فسّر أبو علي معناهما وقال الفارسي في كتاب الحجّة أن لا في قوله: لا أراهم زائدة. فالمعنى على هذا أن الشاعر ابتدأ المرأة بهذا المقال وليس بجواب فغيرها إضاعة أهلها
[ ١ / ٣٢٣ ]
المال وتفريطهم في إصلاحه. وزعم ابن الأعرابي أن عائشة هذه هي بنت عثمان بن عفّان كان الشمّاخ يأتيها فيحدّثها فربما وجد عندها من لا يقدر على محادثتها من أجله فكنى بالهجان هنا عن عائشة فقال: مالي لا أرى أهلك يضيّعونك؟ أي لا يغفلونك، ثم قال متعجبًا! وكيف يضيع مضيع مالا يضيع إن أغفله كهذه الإبل التي هذه صفتها فهي إن أغفلها صاحبها لم تستضرّ بالصقيع وشدّة الزمان الذي يهلك الهزلي في مثله، يعني أن هذه المرأة كريمة فكرمها حافظ لها من أن تأتي سوءًا وإن لم يكن لها حفيظ.
وقال أبو علي " ١ - ١٠٦، ١٠٦ " إن أصل المثل في قولهم: " سبق السيف العذل " للحارث بن ظالم وهذا وهم. وإنما أصله لضبّة بن أدّ والمقتول الحارث بن كعب، وكان لضبّة ابنان سعد وسعيد فخرجا في بغاء إبل فكان ضبّة كلما رأى شخصًا قال " أسعد أم سعيد " فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فبينا ضبّة يسير مع الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ قال له قتلت في هذا المكان فتى من هيئته كذا، قال ناولني سيفه فناوله فقال: " الحديث ذو شجون " وضربه حتى قتله فليم على قتله في الشهر الحرام فقال: " سبق السيف العذل " وقال الفرزدق:
فلا تأمننّ الحرب إن استعارها كضبّة إذ قال الحديث شجون
[ ١ / ٣٢٤ ]
فضبّة كلّها ترجع إلى سعد. وكان لضبّة ابن ثالث يسمىّ باسلًا وهو أبو الديلم وقال جرير فنظم هذا المثل:
تكلّفني ردّ العواقب بعدما سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " للشماخ:
إذا ما استافهنّ ضربن منه مكان الرمح من أنف القدوع
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " لعبد الصمد بن المعذّل في أخيه أحمد بعد أن كتب إليه أحمد كتابًا ذكره:
أطاع الفريضة والسّنّة فتاه على الإنس والجنّة
هما ابنا المعذّل بن غيلان بن الحكم عبديّ من بني عبد القيس وهما شاعران من شعراء الدولة الهاشميّة وعبد الصمد أشعر وأحمد فقيه مالكي وله كتاب سمّاه بكتاب العلّة ينصر فيه مذهب مالك. وذكر علي بن الحسين أنه كان معتزليًّا، ويكنى أحمد أبا الفضل
[ ١ / ٣٢٥ ]
ويكنى عبد الصمد أبا القاسم. ويروى في كتاب أحمد زيادة بعد قوله: وعمّ أذاك: " وصرت كالإصبع الزائدة إن قطعت آلمت، وإن تركت شانت، وصرت كأبي العاقّ ". وبلغ أحمد عن أخيه شيء غّمه وأوجعه. فقال: ما عسيت أن أقول في من لفح بين قدر وتنوّر، وربّي بين زقّ وطنبور. وكانت أم عبد الصمد طبّاخة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٧، ١٠٧ " للأضبط:
لكم همّ من الهموم سعه والمسي والصبح لا فلاح معه
ع هو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد رهط الزبر قان بن بدر جاهليّ قديم، وهو الذي أساء قومه مجاورته فانتقل عنهم إلى آخرين ففعلوا مثل ذلك فقال: " أينما أوجّه ألق سعدًا ". وقال: " بكل واد بنو سعد ". وقال أبو الفرج: أنشد أبو عبيدة وخلف الأحمر شعر الأضبط هذا فلم يعرفا منه إلا قوله:
واقنع من الدهر ما أتاك به من قرّ عينًا بعيشه نفعه
وعجز بيت آخر وهو قوله:
يا قوم من عاذري من الخدعة
[ ١ / ٣٢٦ ]
والخدعة قوم من سعد بن زيد مناة بن تميم. وفيه:
وصل حبال البعيد إن وصل الحبل وأقص القريب إن قطعه
قال أبو عليّ: قال أبوالعباس ثعلب وكان الأصمعي ينشده:
فصلنّ البعيد إن وصل الحبل
ع هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعيّ لا يجوز لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح والأصمعي لا يجهل هذا. ويروى في هذا الشعر بيت زائد وهو:
قد يرقع الثوب غير لابسه ويلبس الثوب غير من رقعه
والفلاح في قوله لا فلاح معه: البقاء والعيش قال عبيد بن الأبرص:
أفلح بما شئت فقد يد رك بالضعف وقد يخدع الأريب
والفلاح: الفوز ومنه قولهم في الأذان حيّ على الفلاح. وقوله:
وصل حبال البعيد إن وصل الحبل وأقص القريب إن قطعه
أخذه الأعشى فقال:
ولا تدن وصلًا من أخ متباعد ولا تنأ عن ذي بغضة إن تقرّبا
فإنّ القريب من يقرّب نفسه لعمر أبيك الخير لا من تنسّبا
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لأبي النجم:
أغد لعنّا في الرهان نرسله
ع وصلته:
[ ١ / ٣٢٧ ]
فقلت للسائس قده أعجله واغد لعنّا في الرهان نرسله
فظلّ مجنوبًا وظلّ جمله بين شعيبين وزاد يزمله
أغرّ في البرقوع باد حجله تعلو به الحزن وما يسهّله
قوله أعجله: أراد أعجله فلما وقف على الهاء فسكّنها ألقى حركتها على اللام. وقوله فظلّ مجنوبًا: لا يركب. وجمله يزمل: أي يحمل الزاد والعلف. واسم أبي النجم الفضل بن قدامة بن عبيد الله عجليّ من بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لمحمود الورّاق:
فاجاك من وفد الشباب نذير والدهر من أخلاقه التغيير
هو محمود بن الحسن الورّاق البغدادي مولى بني زهرة يكنى أبا حسن، شاعر كثير الشعر جيّده وعامّته في الحكم والمواعظ والزهد.
أنشد أبو علي " ١ - ١٠٨، ١٠٨ " لداود بن جهوة:
أقاسي البلى لا أستريح إلى غد فيأتي غد إلاّ بكيت على أمس
هكذا ثبت عن أبي علي ابن جهوة وأنشد ابن الجرّاح وغيره هذا الشعر لداود بن جمهور لم يختلفوا في ذلك، ولم أر جهوة اسمًا إلاّ هذا فإن كان معلومًا فهي من أجهى الطريق
[ ١ / ٣٢٨ ]
إذا استبان والجهوة والجهوة: الدبر لغة يمانية يقال فتح الله جهوته. قال الراجز:
شرّ قرين للكبير نعلته تولغ كلبًا سؤره أو تكفته
وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
وأخذ ابن الرومي معنى قول الشاعر:
وأنكرت شمس الشّيب في ليل لمّتي لعمري لليلى كان أحسن من شمسي
فقال:
وجار على ليل الشباب فضامه نهار مشيب سرمد ليس ينفد
وعزّاك عن ليل الشباب معاشر وقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد
وكان نهار المرء أهدى لرشده ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
وهذه القصيدة كثيرة النوادر قليلة الحشو على طولها وينتهي عدد أبياتها إلى أربعمائة بيت يمدح فيها صاعدًا ويذكر الموفّق وصاحب الزنج. فمن النادر فيها قوله يصف الدنيا:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنّها لأوسع مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه بما سوف يلقى من أذاها يهدّد
ومن ذلك قوله في المديح:
تراه عن الحرب العوان بمعزل وآراؤه فيها وإن غاب شهد
[ ١ / ٣٢٩ ]
كما احتجب المقدار والحكم حكمه على الناس طرًّا ليس عنه معرّد
فتى روحه ضوء بسيط كيانه ومسكن ذاك الروح نور مجسّد
صفا ونفى عنه القذى فكأنّه إذا ما استكفّته العقول مصعّد
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدًا رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١٠٩ " للعكوّك:
جلال مشيب نزل وأنس شباب رحل
ع هو عليّ بن جبلة بن عبد الرحمن الأبناوي من أبناء الشيعة الخراسانيّة يكنى أبا الحسن، والأصمعيّ لّقبه بالعكوّك بين يدي الرشيد، وذلك أن عليا دخل على الرشيد فأنشده شعرًا حسنًا فحسده الأصمعيّ لما رأى من إقبال الرشيد عليه فقال له: إيه يا عكوّك. فقال له على في مجلس أمير المؤمنين: تلّقب الناس يا ابن راعي الضأن العشرين ألست من باهلة. والعكوّك في كلام العرب: الغليظ السمين. وكان على إذا ذكر الأصمعي بمحضره سبّه. وكان العكوّك ضريرًا أبرص. وكان شاعرًا مطبوعًا عذب اللفظ جزله.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١٠٩ " لأبي دلف:
نظرت إليّ بعين من لم يعدل لمّا تمكّن طرفها من مقتلي
ع أبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر، وهو ممن جمع إلى محلّه الشامخ في الشجاعة وعظيم الغناء في المشاهد حسن الأدب وجودة الشعر ومحض الجود. ومن مختار شعره في الشيب أيضًا قوله:
في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت كأنّما طلعت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصري لما قرضتك عن همّي ولا فكري
ومن مختار ما ورد في قرض طلائع المشيب قول كشاجم:
نظرت إلى المرآة فروّعتني طلائع شيبتين ألمّتا بي
فأمّا شيبة ففزعت منها إلى المقراض من حبّ التصابي
وأما شيبة فعفوت عنها لتشهد بالبراءة من خضابي
فيالك من مشيب قد تبدّي أقمت به الدليل على شبابي
[ ١ / ٣٣١ ]
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٠٩، ١١٠ ":
حنتني حانيات الدهر حتى كأنّي خاتل أدنو لصيد
ع هذا الشعر لأبي الطمحان وهو حنظلة بن الشرقيّ أحد بني القين بن جسر من قضاعة وهو شاعر جاهليّ إسلاميّ وكان نديمًا للزبير بن عبد المطلّب وتربًا له، وكان خبيث الدّين جيّد الشعر. ومثل هذا المعنى قول سلمىّ بن غويّة بن سلميّ بن ربيعة الضّبيّ:
هزئت زنيبة أن رأت ثرمى وأن انحنى لتقادم ظهري
حتّى كأنّي خاتل قنصًا والمرء بعد تمامه يحري
وقول ربيعة بن مقروم:
ودلفت من كبر كأنّي خاتل قنصًا يدبّ لصيد وحش مختل
والعرب تقول لمن انحنى ظهره من الكبر " قد قاد العنز " و" رقع الشنّ ".
[ ١ / ٣٣٢ ]
" وحمل رميح أبي سعد " قال راجزهم:
يا ويح هذا الرأس كيف اهتزًّا وحيص موقاه وقاد العنزا
يقول ضعف بصره فإذا أراد أن ينظر خرّز عينيه فكأنّهما مخيطتان.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٠٩، ١١٠ " غير منسوب:
وعائب عابني بشيب لم يعد لمّا ألمّ وقته
ع وهما لمحمد بن عبد الملك الزيّات وزير الواثق ذكر ذلك الصوليّ وغيره. أخذه من قول يونس النحوي وقد لقيه رجل كان يتّهم مودّته ويونس قد كبر وهو يهادي بين رجلين. فقال له: يا أبا عبد الرحمن أبلغت ما أرى. قال: هو ما ترى فلا بلغته.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٠، ١١٠ " لدعبل:
أهلًا وسهلًا بالمشيب فإنّه سمة العفيف وحلية المتحرّج
ع هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان خزاعيّ يكنى أبا عليّ كوفيّ شاعر
[ ١ / ٣٣٣ ]
مبرّز من شعراء الدولة الهاشمية. ومن مختار شعره في المشيب وهو مضادّ لهذا في المعنى قوله:
أين الشباب وأيّة سلكا لا أين يطلب ضلّ بل هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل ضحك المشيب برأسه فبكى
قد كان يضحك في شبيبته فأتى المشيب فقلّما ضحكا
وأحسن ما ورد في الترحيب بالشيب على مذهب الشعر الأول قول أحمد بن زياد الكاتب:
ولمّا رأيت الشيب حلّ بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خلت أنّي إن كففت تحيّتي تنكّب عنّي رمت أن يتنكّبا
ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت به النفس يومًا كان للكره أذهبا
وقال مسلم بن الوليد في نحوه:
الشّيب كره وكره أن يفارقني أعجب بشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب وقد يأتي له خلف والشيب يذهب مفقودًا لمفقود
[ ١ / ٣٣٤ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٠، ١١١ " لأبي هفّان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها لا تعجبي فبياض الصبح في السّدف
أبو هفّان هو عبد الله بن أحمد بن حرب المهزميّ العبدي، راوية عالم بالشعر والغريب وشعره جيّد إلاّ أنه مقلّ، وهو من شعراء الدولة الهاشميّة ومثل قوله:
وزادها عجبًا أن رحت في سمل وما درت درّ أنّ الدّرّ في الصدف
قوله أيضًا:
لعمري لئن بيّعت في دار غربة ثيابي أن ضاقت عليّ المآكل
فما أنا إلاّ السّيف يأكل جفنه له حلية من نفسه وهو عاطل
وأنشد أبو علي " ١ - ١١١، ١١١ " لرجل من خزاعة:
قد كنت أرتاع للبيضاء أبصرها من شعر رأسي فقد أيقنت بالبلق
ع هذا الشعر لأبي الأسود الدؤليّ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره وهو ثابت في ديوان شعر أبي الأسود. ورواه محمد:
قد كنت أرتاع للبيضاء في حلك فالآن أرتاع للسوداء في يقق
وهذه هي الرواية الجيّدة التي لا يجهل فضلها منتقد. أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب ال رأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد
[ ١ / ٣٣٥ ]
طال إنكاري البياض وإن عمّ رت شيئًا أنكرت لون السواد
وحسّنه أبو الطيّب فقال:
راعتك رائعة البياض بعارضي ولو أنّها الأولى لراع الأسحم
لو كان يمكنني سفرت عن الصبي فالشيب من قبل الأوان تلثّم
وفيه:
شيب تغيّبه عمن تغرّ به كبيعك الثوب مطويًّا على خرق
ظاهره أنه غير صحيح المقابلة، وصحّة مقابلة التشبيه فيه أن يقول كطيّك الثوب على خرق عند البيع. وتوجيه ذلك أنه لما كان البيع سببًا لطيّه على الخرق وقع التشبيه عليه.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٢ " لمنصور النمريّ:
ما واجه الشيب من عين وإن ومقت إلاّ لها نبوة عنه ومرتدع
ع لم ينشد أبو علي غيره وبعده:
ما كنت أوفى شبابي كنه غرّته حتّى انقضى فإذا الدنيا له تبع
وهو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك من النمر بن قاسط، وهو تلميذ كلثوم العتّابي وراويته وبمذهبه تشبّه في الشعر. وشعره هذا من أحسن ما بكى به الشباب. ومن أحسن ما قيل في ذلك أيضًا قول محمد بن حازم الباهليّ:
[ ١ / ٣٣٦ ]
لا تكذبنّ! فما الدنيا بأجمعها من الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشيب ذنبًا عند غانية وبالشبّاب شفيعًا أيّها الرجل
وأبكى بيت ورد في فقد الشّباب قول أبي الغصن الأسدي أو غيره:
أتأمل رجعة الدنيا سفاهًا وقد صار الشّباب إلى ذهاب
فليت الباكيات بكلّ أرض جمعن لنا فنحن على الشّباب
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٢ ":
والشّيب إن يحلل فإنّ وراءه عمرًا يكون خلاله متنفّس
ع قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وهو ينظر إلى شيبه في مرآة فأنشدته، وذكر هذين البيتين فقال: ما صنع شيئًا إنما أخذه من قول امرئ القيس:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة وبعد المشيب طول عمر وملبسًا
ومن جيّد ما ورد في هذا المعنى قول ابن مقبل:
وتنكّرت شيبي فقلت لها ليس المشيب بناقص عمري
سيّان شيبي والشّباب إذا ما كنت من أجلي على قدر
فهذا مذهب من لم يحفل بحلوله. وقال رجل من الأزد في ذلك:
[ ١ / ٣٣٧ ]
ولقد أقول لشيبة أبصرتها في مفرقي فمنحتها إعراضي
عنّي إليك! فلست منتهيًا ولو عمّمت منك مفارقي ببياض
هل لي سوى عشرين عامًا قد مضت مع ستّة في إثرهن مواض
ولقلّما أرتاع منك وإنّني فيما هويت وإن وزعت لماض
فعليك ما اسطعت الظّهور بلّمتي وعليّ أن ألقاك بالمقراض
وقال أبو نواس:
وإذا عددت سنّي كم هي لم أجد للشّيب عذرًا أن يلمّ براسي
وقال إبراهيم بن المهديّ ونسبها أبو تمام إلى ابن مفرّغ:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب
لقد جلّ قدر الشيب إن كان كلما بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وقال حفص العليميّ:
أقول لحلمي لا تزعني عن الصبى وللشيب لا تذعر عليّ الغوانيا
طلبت الهوى العذريّ حتّى وجدته وسيّرت في نجديّه ما كفانيا
وقول أبي الطيّب في الشيب حكمة بالغة:
مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبه فكيف توقيّه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبى وعقيبه وغائب لون العارضين وقادمه
وما خضب الناس البياض لأنّه قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه
[ ١ / ٣٣٨ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٣ ":
وليس صرير النعش ما تسمعونه ولكنّه أصلاب قوم تقصّف
ع هذا الشعر للعطويّ أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطيّة الكنانيّ مولى لهم بصرى. قال أبو يعقوب توفيّ أحمد ابن أبي دؤاد. فقال العطوى يرثيه من قصيدة ارتجلها وأنشد البيتين: وأنشد أبو علي " ١ - ١١٢، ١١٣ " لبعض العرب:
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
ع هذا الشعر لحوط بن رئاب الأسديّ شاعر إسلاميّ وأحسبه أدرك الجاهلية. ورواية ابن الأعرابي دببت للمجد: يعني نفسه كذلك نقلته من نوادره بخطّ الحامض أبي موسى أصل أبي عليّ. وقوله:
وألقوا دونه الأزرا
يعني دون أن يبلغوه تخفّفًا للجري فلم ينالوه. وبخطّ أبي عليّ في الكتب التي أملى منها النوادر فكابدوا المجد بالفاء.
قال أبو علي " ١ - ١١٣، ١١٣ ": أنشدني غير واحد من أصحاب أبي العبّاس قال: أنشدنا أبو العبّاس المبرّد لابن المعذّل:
سألنا عن ثمالة كلّ حيّ فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهاله
[ ١ / ٣٣٩ ]
ع المبرّد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمير بن حسّان ثماليّ وثمالة هو أسلم بن أحجن بن كعب بن حارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد يكنى أبا العباس. وقال أبو بكر ابن أبي الأزهر كان أبو العباس من العلم وغزارة الأدب وكثرة الحفظ وفصاحة اللسان وبراعة البيان وملوكيّة المجالسة وكرم المعاشرة وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة وعذوبة المنطق وصحّة النظر وحسن الخطّ على ما ليس عليه أحد ممّن تقدّمه أو تأخّر عنه. قال عليّ بن حمزة: كان أبو العباس يروي ما هجى به من مثل هذا وشبهه ليثبت نسبه في ثمالة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٣، ١١٣ ":
فلو أبصرت دارك في محلّ يحلّ الحزن فيه والسرور
ع هما لسليمان ابن أبي دباكل الخزاعي. وقد تقدم له من هذا الشعر أبيات " ص ٧٤ "