ع ومن فصيح ما ورد لهم في ذلك ما رواه ابن الأعرابيّ. قال: وفد أعرابي فقال: يا أهل الغضارة حقب السحاب، وانقشع الرباب، واستأسدت الذئاب، وزرم الثمر، وباد الولد وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدلاة، لا أتضاءل إلى الزمان، ولا أحفل بالحدثان، حيّ حلال، وعدد ومال، ثم تقرّقنا أيدي سبا، بعد فقد الآباء والأبناء، وكنت
[ ١ / ٣٤٠ ]
حسن الشارة، خصيب الدارة، سليم الجارة. وكان محلى حمى، وفرسي أسًا، قضى الله ولا رجعان لما قضى سواف المال، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأعينوا من شخصه شاهده، وفقره سائقه وقائده.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ " للتغلبيّ:
خلع الملوك وسار تحت لوائه
ع هو مهلهل بن ربيعة وقد زعم بعضهم أنه لشرحبيل بن مالك أحد بني عصم ذكر ذلك يعقوب، وقد رأيته منسوبًا إلى عمرو بن الأيهم التغلبي. وقد تقدّم ذكر مهلهل " ص ٢٩ " وذكر ابن الأيهم " ص ٤٦ " وقبل البيت:
وأغرّ من ولد الأراقم ماجد صلت الجبين معاود الإقدام
خلع الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام
وهذه كناية عن شداد الرجال الصابرين على اللأواء ومضض الحروب، ويروى: وعراعر بالفتح وهو جمع عراعر: يعني سادة القوم وأعلامهم مأخوذ من عرعرة الجبل. والأراقم: هم جشم ومالك وعمرو وثعلبة والحارث ومعاوية بنو بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل. ومرّ كاهن بأمّهم وهم ستّة في قطيفة لها فقالت له: انظر إلي بنيّ هؤلاء فنظر وقال: لكأنّما رموني بعيون الأراقم. وأمّهم مارية بنت حمار من بني عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ " لرؤبة:
أو كاحتلاق النورة الجموش
[ ١ / ٣٤١ ]
ع قال يصف سنة جدب:
حصًّا تنقّى المال بالتحويش دقًّا كرفش الوضم المرفوش
أو كاحتلاق النورة الجموش
حصّا: تحصّ المال أي تحلقه. والتحويش: التنقّص. والوضم: اسم من أسماء الخوان ثم سميّ به كلّ ما طرح عليه اللحم. والرفش: كل ما يؤكل على الخوان، وأصله حطم الأكل.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٤ ":
عداني أن أزورك أنّ بهمي عجايا كلّها إلاّ قليلا
قد رأيت هذا البيت منسوبًا إلى أرطاة بن سهيّة المرّيّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٤، ١١٥ ":
قريب ثراه لا ينال عدوّه له نبطًا عند الهوان قطوب
ع هذا البيت لكعب بن سعد الغنويّ. وقد أنشد أبو علي القصيدة بكاملها " ٢ - ١٥٠، ١٤٨ " والصحيح آبي الهوان قطوب لأنه إذا قال عند الهوان يكون قد
[ ١ / ٣٤٢ ]
أثبت أنّه مهان مذال وإنما يقطب عند نزول ذلك به، وهم يقولون في المديح: فلان آبى الضيم وآبى الهوان وآبى الظلم، ومن هذا قولهم: رجل أبيّ. وقال معبد بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت سراتنا فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكنّنا نأبى الظلام ونعتصي بكل رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٥، ١١٥ ":
إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ع اختلف في عزو هذا البيت فقيل هو لعمرو بن معدي كرب، وقيل هو لأوس بن حجر. فمن عزاه إلى أوس أنشده:
أجاعلة أمّ الحصين خزاية عليّ فراري أن لقيت بني عبس
ورهط بني عمرو وعمرو بن عامر وتيمًا فجاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهم إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
ومن نسبه إلى عمرو أنشده:
أجاعلة أمّ الثوير خزاية
لقونا فضمّوا جانبينا بصادق من الطّعن حشّ النار في الحطب اليبس
لقيت أبا شأس وشأسًا ومالكًا أولئك جاشت من لقائهم نفسي
كأنّ جلود النمر جيبت عليهم إذا جعجعوا بين الإناخة والحبس
وما بالفرار اليوم عار على الفتى إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
ويروى:
وليس يعاب المرء من جبن يومه إذا عرفت
[ ١ / ٣٤٣ ]
منه الشجاعة بالأمس
والقول الأول في بيت الشاهد أثبت. يقول إذا تحيّر الناس في أن ينيخوا ثابتين أو يشلّوا ناجين، فهم من الجرأة كأن جلود النمر جيبت عليهم أي هم نمور. والحبس: أن يحبس على غير علف. وقوله:
كأن جلود النمر جيبت عليهم إلخ
كما تقول فلان شابّ في مسك شيخ، وكما قال شرحبيل بن مالك التغلبي:
أبينا أبينا أن تغنّوا بعامر كما قلتم زبّان في مسك ثعلب
يريد كما قلتم إنّ زبّان جبان روّاغ كأنه ثعلب. وقال آخر:
فيومًا ترانا في مسوك جيادنا ويومًا ترانا في مسوك الثعالب
يريد فيومًا ترانا في طباع الخيل من الشدّة والجرأة والإقدام والصبر، ويومًا نروغ ونجبن إذا كان ذلك أحزم. وهذا البيت أعني قول عمرو:
وما بالفرار اليوم عار على الفتى إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
مثل قوله أيضًا:
ولقد أجمع رجليّ بها حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة حين للنّفس من الموت هرير
وقال عامر بن الطفيل:
أقول لنفس لا يجاد بمثلها أقليّ الشكوك إنني غير مدبر
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقال آخر:
أقاتل ما كان القتال حزامة وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٥، ١١٥ ":
وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ثعالب موتي جلدها قد تزلّعا
ع هذا البيت للراعي وقبله:
إذا أخلف الصوب الربيع وصالها عراد وحاذ ملبس كلّ أجرعا
وغملي نصيّ. وصالها: أي اتّصل. والعراد والحاذ: ضربان من النبات وهما من الحمض. والأجرع والجرعاء: الرملة الليّنة. وغملي نصيّ: بعضه على بعض. والغميل: المكان الممتلئ من الحليّ ويقال رجل مغمول ومغمون إذا غطّي ليعرق، وبسر مغمول إذا ألقي عليه ماء وغطّي ليدرك. والنصيّ: رطب الحليّ فإذا جفّ فهو الحليّ وهو من أفضل المراعي فشبّه سنمته لحمرتها بأوبار الثعالب. وهذا البيت الشاهد اهتدمه الراعي من قول طفيل الغنوي، قال طفيل:
ابت إبلي ماء الحياض وآلفت تفاطير وسميّ وأحناء مكرع
وغملي نصيّ بالمتان كأنّها ثعالب موتى جلدها لم ينزّع
تفاطير: نبذ من نبت الوسميّ، يقال ظهر في وجه الرجل تفاطير الشباب: أي نبذ من بثر.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٥، ١١٦ ":
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
ع هو للحطئة يمدح بعض آل شمّاس، ولما أنشد عمر بن الخطاب هذا البيت
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال: تلك نار موسى ﵇. وقبله:
يرى البخل لا يبقي على المرء ماله ويعلم أنّ المرء غير مخلّد
كسوب ومتلاف إذا ما سألته تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١١٦، ١١٧ ":
اقبلن من أعلى جفاف بسحر يحملن صلالًا كأعيان البقر
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٦، ١١٧ " لزيد الخيل:
نصول بكلّ أبيض مشرفيّ على اللاتي بقي فيهن ماء
وذكر الافتظاظ.
ع وكانوا إذا أرادوا توغّل الفلوات التي لا ماء فيها سقوا الإبل على أتمّ أظمائها ثم قطعوا مشافرها لئلا ترعى أو خزموها فإذا احتاجوا إلى الماء افتظّواكروشها فشربوا ثميلتها. قال أبو اللّحّام التغلبيّ.
[ ١ / ٣٤٦ ]
سقينا الإبل عشرًا بعد غبّ ووكّرنا المزاد من الجلود
وقطّعنا مشافرها وخفنا أجرّتها فما اجترّت بعود
وقال مالك بن نويرة في ذلك:
إن لا كن لاقيت يوم مخطّط فقد خبّر الرّكبان ما أتودد
يخال لهم إذ يعصرون فظوظها بدجلة أو فيض الأبلة مورد
إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفّهم وقائع للأبوال والماء أبرد
وأنشد أبو علي في مثل ذلك " ١ - ١١٦، ١١٧ ":
وشربة لوح لم أجد لسقائها بدون ذباب السيف أو شفرة حلاّ
ع ويروى: لشقائها عن غير أبي علي. ومثله لآخر:
ويهماء يستاف الدليل ترابها وليس بها إلاّ اليمانيّ مخلف
بستافه: يشمّه هل به أثر لراكب أو واطئ. والمخلف: المستقي. يقول لا يوصل فيه إلى استقاء ولا سقي إلا بالسيف اليمانيّ. وأنشد ابن الأعرابي في معناه لعلقمة بن عبدة:
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقد أصاحب فتيانًا شرابهم خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
خضر المزاد: يعني الكروش لمّا حملت الماء سمّاها مزادًا. وتنشيم: تغيّر.
وأنشد أبو علي " ١ - ١١٧، ١١٧ ":
أحقًا عباد الله أن لست ناظرًا إلى قرقري يومًا وأعلامها الغبر
كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكب جناح عقاب رام نهضًا إلى وكر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
فيا راكب الوجناء أبت مسلّمًا ولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه سقيت على شحط النوى سبل القطر
فإنّك من واد إليّ مرجّب وإن كنت لا تزدار إلاّ على عفر
خلّط أبو عليّ في هذا الشعر وهو من شعرين مختلفين لرجلين، فثلاثة الأبيات منها ليحيى بن طالب على ما أنا ذاكره، وثلاثة الأبيات منها لقيس بن معاذ. وكان يحيى بن طالب الحنفيّ سخيًّا كريمًا يقري الأضياف ويطعم الطعام فركبه الدين الفادح فجلًا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان قضاء دينه، فأراد رجل من اليمامة الشخوص من بغداذ إلى اليمامة فشيّعه يحيى بن طالب، فلمّا جلس في الزورق ذرفت عيناه وأنشأ يقول:
أحقًا عباد الله أن لست ناظرًا إلى قرقري يومًا وأعلامها الخضر
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقة دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكر
أقول لموسى والدموع كأنّها جداول ماء في مساربها تجري
ألا هل لشيخ وابن ستّين حجّة بكى طربًا نحو اليمامة من عذر؟
[ ١ / ٣٤٨ ]
كأن فؤادي كما مرّ راكب جناح غراب رام نهضًا إلى وكر
يزهدني في كلّ خير صنعته إلى الناس ما جرّبت من قلّة الشكر
فيا حزنًا ماذا أجنّ من الهوى ومن مضمر الشوق الدخيل إلى حجر
تعزّيت عنها كارهًا فتركتها وكان فراقيها أمرّ من الصبر
هكذا صحّة إنشاده الخضر لا الغبر كما أنشده أبو علي، وكيف يحنّ إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار. وقد ذكر أبو عليّ خبر يحيى هذا " ١ - ١٢٢، ١٢٣ " وأنشد له هذا الشعر ولكنه نسي ولولا نسيانه لاعتذر. قال علي بن الحسين: يحيى بن طالب من أهل اليمامة من بني حنيفة، شاعر مقلّ من شعراء الدولة العباسية، قال ولم يقع إليّ نسبه وزاد في آخر هذه الأبيات:
مداينة السلطان باب مذلّة وأشبه شيء بالقنوع وبالفقر
إذا أنت لم تنظر لنفسك خاليًا أحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري
وأما أبيات قيس بن معاذ فإنها:
فيا راكب الوجناء أبت مسلّمًا ولا زلت من ريب الحوادث في ستر
إذا ما أتيت العرض فاهتف بجوّه سقيت على شحط النوى سبل القطر
[ ١ / ٣٤٩ ]
فإنّك من واد إليّ مرجّب وإن كان لا تزدار إلا على ذكر
لعلّ الذي يقضي الأمور بعلمه سيصرفني يومًا إليه على قدر
فتفتر عين ما تملّ من البكا ويسكن قلب ما ينهنه بالزجر
وقد اختلف في اسم المجنون واسم أبيه أشدّ اختلاف، فقيل قيس بن معاذ، وقيل قيس بن الملوّح وقيل إن الملوّح هو معاذ، وقال أبو عبيدة: اسم المجنون البختري بن الجعد، وقال أبو العالية: اسمه الأقرع، وقال أبو الفرج: الصحيح أنه قيس بن مرّ بن قيس بن عدس أحد بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقال الأصمعي: رجلان ما عرفا في الدنيا إلاّ بالاسم: مجنون بني عامر وابن القريّة. وقد أخبر غير واحد أنه رآه وخاطبه، وقد رآه نوفل بن مساحق في استيحاشه واستنشده:
أتبكي على ليلى ونفسك باعدت مزارك من ريّا وشعبًا كما معا