ومن الرواة من يقول حصن بن عامر، كذلك قال ابن الأعرابيّ. فأما جزء فهو جزء من فاتك الأسدي.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٨، ٦٨ " ليزيد بن الحكم الثقفيّ:
تكاشرني كرهًا كأنك ناصح وعينك تبدي أنّ صدرك لي دو
القصيدة إلى آخرها.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ع هو يزيد بن الحكم بن عثمان ابن أبي العاص الثقفي وعثمان صاحب رسول الله ﷺ هكذا نسبه ابن الأعرابيّ. وقال غيره إنه يزيد بن الحكم ابن أبي العاص وأن عثمان الصاحب عمّه ويكنى يزيد أبا خالد. وقوله: أن صدرك لي دو هو فعل من الدوي وهو المرض، وليس من لفظ الداء لأن الفعل من الداء داء يداء داء فهو داء مثل قولك كبش صاف. وقال الشاعر في الدوي الذي هو المرض:
باض النعام به فبقّر أهله إلاّ المقيم على الدوي المتأفّن
وللكاشرة المضاحكة ومنه قول أبي الدرداء: إنا لنكشّر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم. وقوله: فليت كفافًا كان خيرك كله البيت: قال ابن جني في المسائل الحلبيّات يريد فليته أو فليتك. وقوله كفافًا خبر كان وهذا كما قال:
إنّ من يدخل الكنيسة يومًا يلق فيها جآذرًا وظباء
قال ويروى البيت برفع الماء ورفع الشرّ ونصبه، فإذا نصب شرّك رفع الماء. ومرتو أيضًا مرفوع لأنه خبر شرّك المنصوب بليت والماء مرفوع على هذا بفعله الذي
[ ١ / ٢٣٨ ]
هو ارتوى: أي ما ارتوى شارب الماء. وإذا رفع شرّك عطفه على قوله خيرك، ورفعه بكان ونصب مرتو: أي ليتك كان شرّك عني مرتويًا أي مقلعًا فيستغني عنه كما تقول رويت رويت من كذا أي انصرفت عنه وزالت حاجتي إليه، فينتصب هنا على أنه خبر كان كما ارتفع هناك على أنه خبر ليت والماء مرفوع أيضًا بفعله كالوجه الأول. وأما ما ارتوى الماء مرتو بنصب الماء ورفع مرتو فلا نظر فيه. قوله ما ارتوى الماء مرتو. يقال روى الرجل لأهله وارتوى إذا استقى لهم الماء. وروى غير أبي علي بعد قوله:
فكلّ مجتو قرب مجتو
لعلّك أن تنأى بأرضك نيّة وإلاّ فإنيّ غير أرضك منتو
وقوله:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلّة النيق منهو
لا يجيز المبرّد لولاي ولولاك، ولا يجوز عنده إلاّ على الانفصال لولا أنا، ولولا أنت، وسيبويه يجيز فيه الاتّصال، وزعم أن الكاف في موضع جرّ، وإذا أظهرت كان ما بعد لولا مرفوعًا. وقال ابن كيسان: الكاف في موضع رفع لا جرّ قال: والضمير إذا علم موضعه ساغ فيه ذلك، ألا ترى أنك تقول أنا كأنت فأنت وهو ضمير رفع في موضع خفض، فكذلك يكون ضمير الخفض في موضع رفع إذا امن فيه اللبس. وقوله أو أخو مغلة لو: يقال لوى يلوي لوى، وهو أن يلتوي مصرانه فلا يحدث. وقوله: فياشر من يدحو الدحو البسط، يقال دحا يدحو ويدحي، والمدحاة خشبة يدحى بها. وقوله كما كتمت داء ابنها أمّ مدّو: فسّره أبو علي تفسيرًا غير مقنع وأيّ نسبة بين دواية اللبن
[ ١ / ٢٣٩ ]
واللجام في اللفظ أو في المعنىوما يجعل ذلك إلى هذا وإنما أرادت أمّه أن تلبس على أمّ خطبه وتوهما أنه أراد بقوله أدّوي أخرج إلى الدوّيّة، فأجابته على هذا المعنى تعلمه موضع اللجام ليرى أنه صاحب ركوب وصيد، وفهم الغلام غرض أمّه فاستمرّ لما لحنت له به. وهذا من المعارض الحسنة. وروى قتادة عن مطرّف عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " في المعارض مندوحة عن الكذب " ومن أحسن ما ورد في ذلك أن النبي ﷺ لقي طلائع المشركين وهو في نفر يسير من أصحابه. فقال المشركون ممن أنتم. فقال النبي ﷺ: نحن من ماء من المياه، فنظر بعضهم إلى بعض وقال: أحياء البادية كثير وانصرفوا. أراد النبي ﵇ قول الله ﷿: " فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من ماء دافق ". ودخل بعض الزهّاد على بعض الجبابرة فأحضر له اللهو والمغنّين، فجعل الزاهد يقول للمغني كلما فرغ من غناء أحسنت ليرفع عن نفسه شرّ ذلك الجبّار. فلما خرج الزاهد قيل له في ذلك. فقال إنما كنت أقول أحسنت إذا سكت. وأراد رجل الوصول إلى المأمون في ظلامة فلم يصل إليه، فقال على الباب: أنا أحمد النبيّ المبعوث، فكتب بذلك صاحب الخبر يذكر أن رجلًا تنبّأ فأدخل على المأمون فقال له ما تقول فذكر ظلامته. فقال له ما تقول فيما حكى عنك؟ قال وما هو؟ قال ذكروا أنك تقول إنك نبيّ قال معاذ الله إنما قلت إني أحمد النبيّ المبعوث أفلست يا أمير المؤمنين ممن يحمده قال نعم، واستظرفه ونظر في أمره.
وأراد بعض الأمراء أن يولّي إبراهيم النخعيّ القضاء وعلم أنه لا يتخلّص منه بالإباء من
[ ١ / ٢٤٠ ]
ذلك فقال له: والله ما أبصر إلاّ ما بصّرني غيري يعني الله ﵎ يوهمه العمى فتخلّص منه. وخرج شريح من عند زياد وهو يجود بنفسه، فقيل له كيف تركت الأمير؟ قال: تركته يأمر وينهي يوهمهم أنه لا بأس عليه فلم يلبثوا أن نعى لهم، فقيل له في ذلك فقال: نعم تركته يأمر بالوصيّة وينهى عن البكاء.
وقال أبو علي " ١ - ٦٩، ٦٩ " دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك فقال له يزيد: لو لم تمتّ إلينا بحرمة، ولا جدّدت لنا مدحًا غير أنك مقتصر على بيتيك لاستوجبت عندنا جزيل الصلة ثم أنشد يزيد:
وإني لأستحييكمو أن يقودني إلى غيركم من سائر الناس مطمع
وأن أجتدي للنفع غيرك منهم وأنت إمام للبريّة مقنع
ع قد تقدم ذكر الأحوص ١٩، وإنما قال هذا الشعر في عمر بن عبد العزيز لا في يزيد بن عبد الملك. ونظم أبو تمام هذا المعنى في أحسن نظام فقال:
رأيت رجائي فيك وحدك همّة ولكنّه في سائر الناس مطمع
وقال آخر وأظنه إبراهيم بن العبّاس:
إذا طمع يومًا غزاني منحته كتائب يأس كرّهًا وطرادها
سوى طمع يدني إليك فإنه يبلّغ أسباب العلا من أرادها
[ ١ / ٢٤١ ]
وقال الخريمي في نحوه:
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته بخير وما كلّ العطاء يزين
وليس بعار بامرئ بذل وجهه إليك كما بعض السؤال يشين
وقال أبو الطيّب:
وقبض نواله شرف وعزّ وقبض نوال بعض الناس ذام
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٩، ٦٩ ":
إني رأيتك كالورقاء يوحشها قرب الأليف وتغشاه إذا نحرا
ع فسّر أبو علي معناه ولم يبيّنه. وقال الورقاء: ذئبة تنفر من الذئب وهو حيّ، وتغشاه إذا رأت به الدم. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي قول العجّاج في مثله:
ولا تكوني يا ابنة الأشمّ ورقاء دّمي ذئبها المدميّ
قال ابن الأعرابي قال لي أبو المكارم: إن الذئاب إذا رأت ذئبًا قد عقر وظهر دمه أكبّت عليه تقطّعه وتمزّقه وأنثاه معها، فيقول هذا لامرأته لا تكوني إذا رأيت الناس
[ ١ / ٢٤٢ ]
قد ظلموني عليّ معهم فتكوني كهذه الذئبة، وهذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي من أن الذئبة تنفر من الذئب وهي حيّ، وهذا خلاف المعهود المعقول، وكيف يسمّى أليفًا من يوحش قربه وإنما الأليف من يوحش بعده ويؤنس قربه. ومثل هذا قول الفرزدق:
وكنت كذئب السوء لما رأى دمًا بصاحبه يومًا أحال على الدم
وقول العجير:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأى بصاحبه يومًا دمًا فهو آكله
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٩، ٧٠ " لأبي حيّة النميريّ:
بدا يوم رحنا
وأوّل القصيدة على ما أنشده جماعة من الرواة أثبتها لجودتها:
ألا يا غراب البين فيم تصيح فصوتك مشنوء إليّ قبيح
وكلّ غداة تنتحي لك تنتحي إليّ فتلقاني وأنت مشيح
تخبّرني أن لست لاقي نعمة بعدت ولا أمسي لديك نصيح
وإن لم تهجني ذات يوم فإنه ستغنيك ورقاء السراة صدوح
تذكّرت والذكرى شعوف لذي الهوى وهنّ بصحرا الخبيت جنوح
حبيبًا عداك النأي عنه فأسلبت على النحر عين بالدموع سفوح
إذا هي أفنت ماءها اليوم أصبحت غدًا وهي ريًّا المئقيين نضوح
لعيناك يوم البين أسرع واكفًا من الفتن الممطور وهو مروح
ونسوة شحشاح غيور يهبنه أخي حذر يلهون وهو مشيح
[ ١ / ٢٤٣ ]
ظللت وقد ولّوا بليل وقلّصت بهم جلّة فتل المرافق روح
فلاقيتهم يومًا على قطريّة وللعيس مما في الخدور دليح
فقلن ولم يشعرن أني سمعته وهن بأبواب الخدور جنوح
أهذا الذي غنّى بسمراء حقبة أتاح له منها السقام متيح
وقائلة أولينه البخل إنه لما شاء من ذرو الكلام فصيح
وقائلة لولا الهوى ما تجشّمت به نحوكم عبر السفار طليح
جرى يوم سرنا عامدين لأرضنا. على التوالي إلى قوله وقالوا دم. المشيح والشحشاح والشحشحان: المواظب على الشيء المجدّ فيه. وكذلك رواه غير أبي علي: من ذرو الكلام: أي شئ تسمعه خفيّ. وقطريّة: إبل منسوبة إلى قطر وهي بالبحرين. ودليح: ثقيل يقال مرّ يدلح إذا مرّ متثاقلًا. وقوله أو لينه البخل: هذه النون هي نون جمع المؤنث كما تقول ارمينه يا نسوة. وعقاب بإعقاب: بالكسر بخطّ أبي عليّ. وقوله: ودام لنا حلو الصفاء صريح: حلو الصفاء: هو نعت لشيء محذوف ولولا ذلك مانعته بعد بصريح كأنه عهد حلو الصفاء أو ودّ.
وأبو حيّة: هو الهيثم بن الرّبيع بن كثير بن جناب النميري من شعراء الدولتين وهو شاعر محسن على لوثة كانت فيه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٠، ٧٠ " لابن أبي فنن:
ولما أبت عيناي أن تملكا البكا وأن تحبسا سحّ الدموع السواكب
تثاءبت كي لا ينكر الدمع منكر ولكن قليلًا ما بقاء التثاؤب
[ ١ / ٢٤٤ ]
هو أحمد ابن أبي فنن، واسم أبي فنن صالح مولى للربيع بن يونس، يكنى أحمد أبا عبد الله وكان أسود، وهو شاعر مجيد من شعراء بغداد وكانت له أغراض مستطرفة ومعان مستحكمة منها قوله:
وحياة هجرك غير معتمد إلاّ رجاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن ما رأيت ولا كلفي بحبّك منتهى كلفي
أراد أنها أحسن من رأى وأن كلفه بها فوق كل كلف، فأقسم بحياة هجرها وتوخيّ الخلاف في الجواب لعل الهجر يموت وإن كان ابن المعتزّ قد أشار إلى هذا المعنى بقوله:
وحياة عاذلتي لقد صارمته وكذبت بل واصلته وحياته
إلاّ أن ذلك أحسن وقائله أقدم والفضل للمتقدم لأن ابن أبي فنن إنما شهر بالشعر في أيام المتوكّل، واستفرغ شعره في الفتح بن خاقان.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٠، ٧٠ " متّصلًا بما ذكرنا شعرًا أوله:
يقولون ليلى بالمغيب أمينة له وهو راع سرّها وأمينها
فإن تك ليلى استودعتني أمانة فلا وأبى أعدائها لا أخونها
ع هذا قسم إن كان على مذهب ابن أبي فنن فإنه سيخونها وإن كان على حقيقة القسم فأي حقّ لأبي أعدائها. وقد قال بعضهم إن حيّ الشاعر كانوا حربًا لحيّ المرأة وأبو أعدائها أبو حيّ الشاعر نفسه.
قال أبو علي " ٧١، ٧١ " في قول إسحاق:
إن ترى شيبًا علاني فإنّي مع ذاك الشيب حلو مزير
[ ١ / ٢٤٥ ]
وفيه قول رابع قيل إذا كان الرجل شديد القلب رابط الجأش فهو مزير. وهذا التبيين أوقع هنا لقوله بعده:
قد يفلّ السيف وهو جراز ويصول الليث وهو عقير
وأنشد أبو علي " ١ - ٧١، ٧١ " للجعديّ:
يصممّ وهو مأثور جراز إذا جمعت لقائمه اليدان
ع قبله:
وقد أبقت صروف الدهر منّي كما يبقي من السيف اليماني
يصمّم. وبعده:
مضى عصر وما يشرى بمال ولو سيقت به مائتا هجان
ورواية أبي علي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة: تحسّر وهو مأثور جراز. كذا نقلته من خطّ أبي عليّ. وقوله تحسّر أي نحل ورقّت حديدته. مأثور فيه أثر والأثر الفرند. وقوله إذا جمعت بقائمه اليدان: يريد اليد العضو والأيد القوّة فثنّى على الأخفّ. فقال اليدان لأن اليد لا تغني إلاّ بالشدّة.
قال:
وترى الحسام على جرآءة حدّهمثل الجبان بكفّ كل جبان
وقال أبو الطيّب:
وما السيف إلاّ بزّغاد لزينة إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقال أبو تمام:
وقد يكهم السيف المسمّى منيّة وقد يرجع المرء المظفّر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف مضربًا وآفة ذا أن لا يصادف ضاربًا
وما يشري: أي لا يباع. ويشرى يكون أيضًا بمعنى يشتري وكذلك بعت يكون بالمعنيين. مائتا هجان: يعني الإبل الكرام البيض. وهجان يقع على الواحد والجميع.
والنابغة هذا هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة يكنى أبا ليلى صحب النبي ﷺ وروى عنه ومدحه ودعا له رسول الله ﷺ على بعض ما استحسنه من شعره وهو قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال لا يفضض الله فاك فعاش مائتين وعشرين سنة لم تنقضّ له ثنيّة أي لم تتحرّك عاش ثلاثة قرون والقرن ثمانون سنة وقال في ذلك:
صحبت أناسًا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا
[ ١ / ٢٤٧ ]
ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الإله هو المستآسا
وتحنّف في الجاهلية وهجر الأوثان والأزلام وكان يصوم ويستغفر قال:
الحمد لله لا شريك له من لم يقلها فنفسه ظلما
وأنشد أبو علي " ١ - ٧١، ٧١ " للأسود بن يعفر:
وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعًا بكلّ كميت جلده لم يوسّف
ع قال الأسود يهجو عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع وكان عقال قد أضاف طهويًّا فنحر له وجعل ذلك اللحم خزيرًا فأكثر عقال من الأكل فعيّره الأسود ذلك فقال:
ليبك عقالًا كل كسر مؤرّب مذاخره للآكل المتحيف
فتجعل أيد في حناجر أقنعت لعادتها من الخزير المغرّف
وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعًا
هكذا الرواية في أماليّ أبي علي وكنت بالضمّ وكذلك الرواية في شعر الأسود يصف نفسه أنه يكتفي في زاده بالتمر عن الخزير وعن أكسار البعير يقال كسر مؤرّب أي عظيم تامّ لحمه. وقد رواه قوم بفتح التاء.
وهو الأسود بن يعفر ويقال يعفر بضم الياء والعين هكذا مختار بعض اللغويين ابن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم شاعر جاهليّ يكنى أبا نهشل.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٢، ٧١ " لهدبة بن خشرم:
طربت وأنت أحيانًا طروب وكيف وقد تعلاّك المشيب
يجدّ النأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت عن النأي القلوب
ع عن هنا بمعنى من أجل. وفيها:
ألا ليت الرياح مسخّرات بحاجتنا تباكر أو تؤوب
وبخطّ أبي عليّ تصبّح أو تؤوب. وقوله:
فإنا قد حللنا دار بلوى
هذا الشعر وغيره يقوله في سجن عثمان بالمدينة لأنه أصاب دم رجل من قومه يقال له زيادة بن زيد وكان لزيادة ابن صغير يسمّى المسور، فلم يزل هدبة مسجونًا حتى أدرك المسور فبذل له أشراف أهل المدينة عشر ديات في أبيه ليخلّصوا هدبة فأبى إلاّ القود، وكان زيادة أبوه كلما نازع هدبة فيما كان بينهما قال:
سأجزيكمو ما دمت حيًّا فإن أمت فيوم لكم نحس إذا شبّ مسور
فكان كما قال قتله مسور صبرًا. قال ابن المسيّب هدبة أول مصبور بالمدينة بعد عهد رسول الله ﷺ ولهم خبر طويل. وهو هدبة بن خشرم بن كرز بن حجير
[ ١ / ٢٤٩ ]
من سعد هذيم وهو سعد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٢، ٧٢ " للمتلمّس:
ألم تر أن الجون أصبح راسيًا
صلته:
وما الناس إلاّ ما رأوا وتحدّثوا وما العجز إلاّ أن يضاموا فيجلسوا
ألم تر أنّ الجون أصبح راسيًا تطيف به الأيام ما يتأيّس
عصى تبّعًا أيام أهلكت القرى يطان عليه بالصفيح ويكلس
الجون: حصن اليمامة سمّي بذلك للونه، ويزعمون أن تبّعًا لمّا غزا القرى أعياه هذا الحصن. وروى الأصمعي:
يطان على صمّ الصفيح ويكلس
يقول فالناس على خلاف ذلك ليسوا حجارة، فلا ينبغي لهم قبول الضيم رجاء الحياة.
واسم المتلمّس جرير بن عبد المسيح بن عبد الله من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان. ولقّب المتلمّس ببيت قاله في هذا الشعر وهو:
فهذا أوان العرض حيّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمّس
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٢، ٧٢ " للطريف العنبريّ:
إن قناتي لنبع ما يؤيّسها عضّ الثقاف ولا دهن ولا نار
ع وبعده:
وإن جاري لا يرضى لمنعته بأن يكون له من غيرنا جار
[ ١ / ٢٥٠ ]
وهو طريف بن تميم العنبري يكنى أبا عمرو فارس من فرسان بني تميم شاعر مقلّ جاهليّ قتله حمصيصة الشيبانيّ بشراحيل الشيباني من بني أبي ربيعة.
وقال أبو علي " ١ - ٧٣، ٧٢ " اجتمع طريف بن العاصي الدوسي وهو جدّ طفيل ذي النور ابن عمرو بن طريف والحارث بن سفيان بن لجإ بن منهب عند بعض مقاول حمير فتفاخرا، فقال الملك للحارث: يا حار ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم وذكر الحديث إلى آخره.
ع هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاصي بن ثعلبة بن سليم بن فهم الدوسيّ وفد على رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: إن قومي غلب عليهم الزنا فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسًا. فقال يا رسول الله: اجعل لي آية يهتدون بها. فقال: اللهم نوّر له: فسطع نور بين عينيه. فقال: يا رب أخاف أن يقولوا مثلة، فتحوّل إلى طرف سوطه، فلما وفد على قومه بالسراة جعلوا يقولون إن الجبل ليلتهب نارًا، وكان أبو هريرة ممن اهتدى بتلك العلامة في بعض الحديث. وفيه: " واسم صاحبهم عنقش " عنقش النون فيه زائدة، يقال عقشت بالشيء: جمعته، وعقشت العود: ثنيته، فجمعت طرفيه وأنكر الخليل عنقشًا وقال: إنه مصنوع. وأنشد في الخبر:
وإن كلام المرء في غير كنهه كالنّبل تهوي ليس فيها نصالها
[ ١ / ٢٥١ ]
إذا لم يكن عليها نصال طاشت فلم تقرطس وعارت يمينًا وشمالًا. فضرب ذلك مثلًا للكلام في غير كنهه كما قال المتوكل:
الشعر لبّ المرء يعرضه والقول مثل مواقع النبل
منها المقصّر عن رميّته ونوافذ يذهبن بالخصل
" ومثل هذا قول الآخر:
وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه على المجالس إن كيسًا وإن حمقًا "
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٥، ٧٥ " للبيد:
رعى خرزات الملك عشرين حجّة
وصلته:
وغسّان زلّت يوم جلّق زلّة بسيّدها والأريحي الحلاحل
رعى خرزات الملك عشرين حجّة وعشرين حتى فاد والشعب شامل
فأضحى كأحلام النيام نعيمهم وأيّ نعيم خلته لا يزايل
ويروى وسيّدها. قوله: رعى خرزات الملك: يريد تاج الملك أي ساس الملك أربعين سنة. وذكر أبو عبيدة أن الملك كان إذا مضى لملكه عام زاد في تاجه خرزة فكان يعلم سنو ملكه بعدد خرزاته. وقوله:
وأي نعيم خلته لا يزايل
هذا كقوله في استفتاح القصيدة:
[ ١ / ٢٥٢ ]
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وأنشد أبو علي " ٧٦، ٧٥ " للأعشى:
جيادك في الصيف في نعمة تصان الجلال وتنطي الشعيرا
ع وبعده:
سواهم جذعانها كاجلام أقرح منها القياد النسورا
ينازعن أرسانهنّ الرواة شعثًا إذا ما علون الثغورا
قال ثعلب في قوله: جيادك في الصيف يضعّف هذا البيت من شعر الأعشى ويستهجن وهو يمدح به هوذة بن عليّ أحد الملوك المتوّجين وقد كتب إليه رسول الله ﷺ كما كتب إلى الملوك. ونظيره في الهجنة قول النابغة الذبياني يمدح النعمان:
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة بقتّ وتعليق وقد كاد يسنق
والجلام: تيوس من الظباء. والرواة: الخدّام الذين يشدّون بالأروية.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٦، ٧٥ ":
الباغي الحرب يسعى نحوها ترعًا حتى إذا ذاق منها جاحمًا بردا
قوله برد: معناه ثبت، ومنه قولهم برد فلان كذا: أي ثبت. قال الراجز:
[ ١ / ٢٥٣ ]
اليوم يوم بارد سمومه من جزع اليوم فلا ألومه
أي ثابت حرّه وشدّته.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٦، ٧٦ " للأعشى أيضًا:
حتى إذا لمع الدليل بثوبه
ع قبله:
طال القياد لها فلم تر تابعًا للخيل ذا رسن ولا أعطى لها
وسمعت أكثر ما يقال لها اقدمي والنصّ والإيجاف كان صقالها
حتى إذا لمع الدليل بثوبه سقيت وصبّ رواتها أشوالها
يقول بعدت الغارة حتى أزحفت الخيل فرسنوا منها ما يطمعون في انقياده وعطّلوا بقيّتها، فربما تبع المرسنون وربما قام فترك. وقوله والنصّ والإيجاف كان صقالها هذا مثل قول علقمة:
تراد على دمن الحياض فإن أبت فإن المندّى رحلة وركوب
ثم قال: فلما لمع الربيء وساروا إلى الغارة سقوا خيلهم ثم صبّوا بقيّة الماء ليقاتلوا على ماء القوم كما فعل قيس بن عاصم يوم مسلّحة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٦، ٧٦ " لذي الرمّة:
يقطّع موضوع الحديث ابتسامها
ع صلته:
من الواضحات البيض تجري عقودها على ظبية من رمل فاردة بكر
[ ١ / ٢٥٤ ]
تبسّم إيماض الغمامة جنّها رواق من الظّلماء في منطق نزر
يقطّع موضوع الحديث ابتسامها تقطّع ماء المزن في نزف الخمر
يريد على ظبية بكر من رمل فاردة أي رملة انقطعت من معظم الرمل. وقوله: تبسّم إيماض الغمامة: يقول كأن ابتسامها لمع برق في غمامة. وجنّها رواق من الظلماء: أي ألبسها يعني لعس شفتيها ولمى لثاتها كما قال ابن المعتزّ:
لما تفرّى أفق الضياء مثل ابتسام الشفة اللمياء
فجعل الشفة بإزاء الليل، واللعس بإزاء الصبح، وكأن ابن المعتز إنما أخذ هذا من قول أبي تمام في المديح بثبات الجنان في الحرب فنقله إلى النسيب:
أنسى ابتسامك والألوان كاسفة تبسّم الصبح في داج من الظلم
وقوله في منطق نزر: كأنه مع قلّة كلام كما قال في أخرى:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هواء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعد ذا نزر
موضوع الحديث: مخفوضه. يقول: تبسّم في خلال حديثها، فيقطع ذلك التبسّم حديثها فشبّه طيب حديثها بطيب ماء السماء ممزوجًا بالخمر، والخمر إذا شجّت بالماء تقطّعت وعلاها حباب ثم سكنت.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٧، ٧٦ " لأبي ذؤيب:
يقولون لما جشّت البئر أوردوا
ع قال أبو ذؤيب يصف القبر وما يؤول إليه أمره من إيراده إيّاه:
وقد بعثوا فرّاطهم فتأثّلوا قليبًا سفاها كالإماء القواعد
[ ١ / ٢٥٥ ]
يقولون لّما جشّت البئر أوردوا وليس بها أدنى ذفاف لوارد
فكنت ذنوب البئر لّما تبسّلت وسربلت أكفاني ووسّدت ساعدي
شبّه الذين يتقدّمون لحر قبره بالفرّاط الذين يتقدّمون لإصلاح الحياض والدلاء، وجعل القبر كالقليب الذي ينبط وهو البئر، والتذكير في القليب أعرف. وسفاهًا: مدرها. وجعلها كالإماء القواعد لأنهن مستوفزات للخدمة لسن بمطمئنّات ولذلك خصّ الإماء. وجشّت: كبست وأصلحت. ثم كان هو ذنوب تلك البئر التي تورد فيها. وتبسّلت: كره منظرها. والذفاف: البلل اليسير السريع الجفوف، وأصل الذفّ السرعة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٧، ٧٦ " لسوّار بن حبّان المنقريّ:
ونحن حفزنا الحوافزان بطعنة كسته نجيعًا من دم الجوف أحمرا
ع هذا وهم من أبي علي أو ممّن أنشده البيت، وإنما هو من دم الجوف أشكلا.
وبعده:
وحمران قيس أنزلته رماحنا فعالج غلاّ في ذراعيه مقفلا
قضى الله أنّا يوم نقتسم العلا أحقّ بها منكم فأعطى وأفضلا
وهو سوّار بن حبّان المنقري شاعر جاهلي إسلاميّ. وحمران الذي ذكر هو حمران
[ ١ / ٢٥٦ ]
بن عبد عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد. يقول هذا الشعر في يوم جدود.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٧، ٧٦ " للكميت:
وجاءت حوادث في مثلها.
ع صلته:
فهذا لهذا ولما رأت أن ليس عن رحلة مزحل
وجاءت حوادث في مثلها يقال لمثلي ويهًا فل
جعلت المطيّ دواء الهموم وذو الطبّ يعلم ما يجعل
يقول هذا الكلام لما أنبأتك به. وفل أراد يا فلان فحذف الألف والنون وترك ما بقي اسمًا على حياله يعمل فيه الإعراب قال الراجز:
في لجّة أمسك فلانًا عن فل
ولو كان قول الكميت على الترخيم لقال فلا لأنك إذا رخّمت اسمًا قبل آخر حرف منه ياء ساكنة أو واو ساكنة أو ألف حذفتها مع آخر حرف منه إذا كان ما يبقى على ثلاثة أحرف أو أكثر، فإن كان ما يبقي حرفين لم تحذفها تقول في عباد يا عبا وفي زياد يا زيا وفي ثمود يا ثمو وفي سعيد يا سعي.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٧، ٧٧ ":
واهًا لريّا ثمّ واهًا واها يا ليت عينيها لنا وفاها
[ ١ / ٢٥٧ ]
ع وتمامه:
بثمن نرضي به أباها
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٧، ٧٧ " للعجّاج:
عف فلا لاص ولا ملصيّ
ع وقبله:
إني امرؤ عن جارتي كفيّ عن الأذى إنّ الأذى مقليّ
وعن تبغّي سرّها غني عفّ فلا لاص ولا ملصيّ
كفيّ: أي غنيّ يقول لا أوذيها لأن الأذى مقليّ. وعن تبغّي سرّها: السرّ النكاح ويكبون ما استسرّ به أي لا أطلب أخبارها. لا لاص ولا ملصيّ: يقول لست بشاتم ولا مشتوم.
أنشد أبو علي " ١ - ٧٨، ٧٧ " لرجل من بني كلاب شعرًا فيه:
أصدّ عن البيت الذي فيه قاتلي وأهجره حتى كأنّي قاتله
ع ومثل هذا قول ابن الدمينة:
وإنّك من بيت إليّ لمعجب وأحسن في عيني من البيت عامره
أصدّ حياء أن يلجّ بي الهوى وفيك المنى لولا عدوّ أحاذره
وقال آخر:
أمرّ مجنّبًا عن بيت ليلى ولم ألمم به وبي الغليل
[ ١ / ٢٥٨ ]
أمرّ مجنّبًا وهواي فيه فطرفي عنه منكسر كليل
وقلبي فيه معتقل فهل لي إلى قلبي وساكنه سبيل
وأحسن ما ورد في هذا المعنى قول الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل حذر العدا وبه الفؤاد موكّل
إنّي لأمنحك الصدود وإنني قسمًا إليك مع الصدود لأميل
يعني عاتكة بنت عبد الله بن معاوية ابن أبي سفيان وعبد الله هو الذي يلّقب بمنقّث.
وكانت عاتكة هذه عند يزيد بن عبد الملك بن مروان. وأم يزيد هذا عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان. ولهذا البيت الأول خبر طريف يدخل في باب التعريض اللطيف واللحن الخفيّ الظريف. وذلك أن المنصور أبا جعفر لما أتى البصرة اختار رجلًا من أهلها أديبًا فصيحًا عالمًا بأهلها وأخبارهم ليقفه على دور أشراف أهل البصرة ويعلمه أخبارهم،
[ ١ / ٢٥٩ ]
فكان يركب معه البصريّ ليلًا، فإذا مرّ المنصور بدار فسأل عن صاحبها قال يا أمير المؤمنين هذه دار فلان، وكان من خبره كذا وكذا وكان من أمره كذا، وكان البصري لأدبه لا يبدؤه بلفظ حتى يكون جوابًا لسؤاله، فأمر له المنصور في بعض تلك الليالي بصلة فتعقّب عليها فيها المأمور بها وهو الربيع بن يونس وقال لابدّ من معاودته فأمسك البصريّ عن ذلك وتمادى على حاله من مسايرة المنصور ومسامرته. فمرّ في بعض تلك الليالي بدار عاتكة. فقال مبتدئًا: يا أمير المؤمنين وهذه دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص:
يا دار عاتكة التي أتعزّل
وسلّم وانصرف. فأنكر المنصور هذا من حاله ومن ابتدائه بذكره وفكّر في أمره، فعرض الشعر على نفسه فإذا فيه يمدح عمر بن عبد العزيز:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق الحديث يقول مالا يفعل
قال يا ربيع أدفعت إلى الرجل ما أمرنا له به. فقال لا يا أمير المؤمنين. قال: فليدفع إليه مضاعفًا، وهذا من تعريض هذا البصري كقول الشاعر:
ألا ربّ من أطنبت في ذمّ غيره لديه على فعل أتاه على عمد
ليعلم عند الفكر في ذاك أنّني نصحت له فيما أتيت به جهدي
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٨، ٧٧ " لزهير:
كما استغاث بسيء فزّغيطلة خاف العيون فلم ينظر به الحشك
ع وقبله. قال وذكر القطاة:
حتى استغاثت بماء لا رشاء له من الأباطح في حافاته البرك
مكلّل بأصول النبت تنسجه ريح خريق لضاحي مائه حبك
كما استغاث بسيء فزّغيطلة خاف العيون فلم ينظر به الحشك
السيء: ما كان من اللبن قبل أن تدرّ الناقة. والحشك:
[ ١ / ٢٦٠ ]
الناقة بلبنها فحرّك الشين ضرورة. يقول يخاف الفصيل أن ينظر إليه الراعي فلا يدعه يشرب فانتهز فرصته.
وهو زهير ابن أبي سلمى واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح المزنيّ من مزينة مضر وزهير شاعر جاهليّ يكنى أبا بجير. وأكثر الناس يقول إنه أشعر الشعراء.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٨، ٧٨ " لأيمن بن خريم:
وصهباء جرجانيّة لم يطف بها حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
قال المؤلف: والصحيح أن هذا الشّعر للأقيشر كذلك قال ابن قتيبة وغيره وهو ثابت في ديوان شعره.
والأقيشر: لقب غلب عليه لأنه كان أحمر أقشر. واسمه المغيرة بن أسود بن وهب من بني أسد بن خزيمة يكنى أبا معرّض ويقال أبا معرض مخفّف شاعر إسلاميّ.
[ ١ / ٢٦١ ]
فأما أيمن فهو أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وخريم له صحبة وهو ممّن اعتزل الجمل وصفّين وما بعدهما من الأحداث وهو منسوب إلى جدّه الأعلى لأنه خريم بن الأخرم بن شدّاد بن عمرو بن فاتك، وكان أيمن فارسًا شريفًا، وكان يتشيّع، وكان به وضح، وقوله فيها:
أتاني بها يحيى وقد نمت نومة وقد غابت الشّعرى وقد جنح النسر
روى غيره وقد غابت الشعرى وقد طلع النسر، وهو الصحيح لأن الشعرى العبور إذا كانت في أفق المغرب كان النسر الواقع طالعًا من أفق المشرق على نحو سبع درجات وكان النسر الطائر لم يطلع، وإذا كانت الشعرى الغميصاء في أفق المغرب كان النسر الواقع حينئذ غير مكبّد فكيف أن يكون جانحًا، وكان النسر الطائر حينئذ في أفق المشرق طالعًا على نحو سبع درجات أيضًا، فرواية أبي علي لا تصحّ عند التدبرّ ألبتّة، فكأن النسر الواقع نظير للشعرى العبور. قال الشاعر:
وإنّي وعبد الله بعد اجتماعنا لكالنسر والشعرى بشرق ومغرب
يلوح إذا غابت من الشرق شخصهوإن تلح الشعرى له يتغيّب
وقال أبو نواس:
وخمّارة نبّهتها بعد هجعة وقد لاحت الجوزاء وانغمس النسر
فقالت من الطرّاق قلت عصابة خفاف الأداوي يبتغي لهم الخمر
[ ١ / ٢٦٢ ]
والشعرى سابقة في الطلوع للجوزاء ولذلك سمّيت كلب الجبّار والجبّار اسم للجوزاء. ويروى:
وقد لاحت الشعرى وقد جنح النسر.
وقوله:
ولم يحضر القسّ المهينم نارها.
الهينمة، والهتملة: الكلام الخفيّ. قالت الكميت:
ولا أشهد الهجر والقائليه إذا هم بهينمة هتملوا
وقوله:
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى وإن مدّ أسباب الحياة له العمر
يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة، ونفست عليه به إذا لم تره أهلًا له، ومثل هذا المعنى قول الأعور الشّنيّ:
إذا ما المرء قصّر ثم مرّتعليه الأربعون من الرجال
ويروى من الخوالي.
ولم يلحق بصالحهم فدعه فليس بلاحق أخرى الليالي
ويروى هذا الشعر ليزيد بن خذّاق.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٩، ٧٨ " لابن الدمينة شعرًا فيه:
وكم لائم لولا نفاسة حبّها عليك لما باليت أنّك خابره
ع يحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها لصرت إلى ما يدعوني إليه من هجرها حتى أختبر ذلك ويحتمل أن يريد لولا نفاسة حبّها ما كنت أبالي أن يراها فيهيم بها ويعذرني في حبّها، ولكني أنفس عليه ذلك فيكون كقول بعض المحدثين وهو ابن وكيع:
أبصره عاذلي عليه ولم يكن قبل ذا رآه
فقال لي لو هويت هذا ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه فليس أهل الهوى سواه
[ ١ / ٢٦٣ ]
فصار من حيث ليس يدري يأمر بالحبّ من بهاه
وينظر إلى هذا المعنى قول القائل وهو علي بن عبد الله الجعفري من ولد جعفر ابن أبي طالب:
ولما بدا لي أنها لا تودّني وأنّ هواها ليس عني بمنجل
تمنّيت أن تبلى بغيري لعلّها تذوق حرارات الهوى فترقّ لي
وهذا مذهب مهجور فيه ما فيه. ويروى بيت ابن الدمينة وكم قائل فيكون الضمير على هذا في قوله خابره عائدًا على حبها، والمعنى لولا أنك تنفس حبّها على نفسك إن جادت لك بالوصال لما باليت أن تنال لذّتك منها، ويقوّي هذا التأويل وهذه الرواية قوله موصولًا بالبيت:
أحبّك يا ليلى على غير ريبة وما خير حبّ لا تعفّ سرائره
وفيه:
فماذا الذي يشفي من الحبّ بعدما تشرّبه بطن الفؤاد وظاهره
هذا مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطور
وابن الدمينة هو عبد الله بن عبيد الله أحد بني عامر بن تميم الله وأمّه الدمينة بنت حذيفة السلوليّة شاعر متقدم من شعراء الدولة الأمويّة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٩، ٧٩ " لأبي الطريف:
أتهجرون فتى أغرى بكم تيهًا
ع هو أبو الطريف علي بن سليمان السلميّ اليماميّ شاعر مطبوع وبخط أبي علي شيّعتهم فاسترابوا بي بالباء ويعلو كذا صعدًا وصعدا معًا و" قلت التنفّس للإدلاج نحوكمو "
[ ١ / ٢٦٤ ]
و" ماء عيني جار " هذا كله بخطّه. وهذا الشعر الذي نسبه إلى أبي الطريف هو ثابت في ديوان شعر خالد الكاتب وأوّله هناك:
زمّوا المطيّ غداة البين وارتحلوا وخلّفوني على الأطلال أبكيها
وأنشد أبو علي " ١ - ٧٩، ٧٩ " لأبي بكر ابن دريد:
قلب تقطّع فاستحال نجيعًا فجرى فصار مع الدموع دموعًا
ع قد كرّر هذا المعنى فقال:
لا تحسبي دمعي تحدّر إنما نفسي جرت في دمعي المتحدّر
وأول من سبق إلى هذا المعنى أبو حيّة النميري قال:
نظرت كأنّي من وراء زجاجة إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طورًا تغرقان من البكا فأعشى وطورًا تحسران فأبصر
وليس الذي يهمي من العين دمعها ولكنه نفس تذوب فتقطر
وفيه:
عجبًا لنار ضرّمت في صدره فاستنبطت من جفنه ينبوعا
نبّهه على هذا المعنى أبو تمّام بقوله في صفة برق:
[ ١ / ٢٦٥ ]
يا سهم للبرق الذي استطارا ثاب على رغم الدّجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا أرضى الثرى وأسخط الغبارا
وأصحاب المعاني ينشدون في مثله:
نار تجدّد للعيدان نضرتها والنار تلفح عيدانا فتحترق
وسيأتي هذا الشعر بكماله إن شاء الله " ١ - ١٨٣، ١٨٠ ".
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٠، ٧٩ ":
نسى الأمانة من مخافة لقّح
وهو للراعي وقد مضى ذكره. وقبل البيت قال يشكو إلى عبد الملك بن مروان المصدّقين:
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا لم يفعلوا مما أمرت فتيلا
أخذوا المخاض من العشار غلبّة ظلمًا وتكتب للأمير أفيلا
أخذوا العريف فقطّعوا حيزومه بالأصبحيّة قائمًا مغلولا
حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحمًا ولا لفؤاده معقولا
نسي الأمانة من مخافة لقّح شمس تركن بضيعه مجزولا
وأنشد أبو علي " ١ - ٨١، ٨١ ":
تربّعت في حرض وحمض
ع هو لأبي محمد الفقعسيّ وقد مضى ذكره وبعدها أو بعد أشطار منها:
كأن صوت شخبها المرفضّ كشيش أفعى أجمعت لعضّ
[ ١ / ٢٦٦ ]
فهي تحكّ بعضها البعض
يصف غزرها وصوت شخبها لكثرة لبنها بكشيش الأفعى وكشيشها بجلدها وفحيحها بفيها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٢، ٨١ " لسلمى بن ربيعة:
حلّت تماضر غربة فاحتلّت فلجًا وأهلك باللوى فالحلّة
ع هكذا رواه أبو عليّ سلمى ولم يختلف الرواة أنه سلميّ بضم السين وتشديد الياء وهو سلميّ بن ربيعة بن زبّان بن عامر من بني ضبّة شاعر جاهلي، وابناه أبيّ وغويّة شاعران. وفلج: واد بطريق البصرة إلى مكّة. والحلّة: بفتح الحاء موضع حزن وصخور متصل رمل بجلد في بلاد بني ضبّة. وقوله:
وكأن في العينين حبّ قرنفل كحلت به أو سنبلا فانهلّت
هكذا رواه أبو تمام وهي أحسن من رواية أبي علي، لأنه يلزمه على روايته أن يقول كحلت بهما وقال كحلت به ولم يقل كحلتا ولا انهلّتا لأن الشّيئين إذا اصطحبا وقام كل واحد منها مقام صاحبه جرى كثيرًا عليهما ما يجري على الواحد كما قال:
[ ١ / ٢٦٧ ]
لمن زحلوفة زلّ بها العينان تنهلّ
ولم يقل تنهلاّن. وقال الفرزدق:
ولو بخلت يداي بها وضنّت لكان عليّ للقدر الخيار
وقوله:
يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي
إنما أضاف الخلّة إلى نفسه لأنه كان يسدّها وقوله:
تربت يداك وهل رأيت لقومه مثلي على يسري وحين تعلّتي
رجلًا إذا ما النائبات غشينه
قوله مثلي يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعول رأيت فينتصب رجلا حينئذ على التمييز كقولك: لي مثله عبدًا تقديره وهل رأيت مثلي من الرجال الذين إذا غشوا كفوا، والآخر أن يكون أراد هل رأيت رجلامثلي، فلما قدّم مثلي وهو نكرة نصب على الحال. واللام في قوله: له معلّقة بنفس رأيت كقولك: رأيت لبني فلان نعمًا. ومناخ نازلة: يعني الأضياف. والجمى والمطا: عرق في الظهر. وقوله: واستعجلت هزم القدور فملّت، وروى غير أبي علي نصب القدور، والمعنى أنها للجوع لم تنتظر الطبيخ فملّت اللحم على النار. واللتيّا والّتي: كناية عن الداهية. والتزم هذا الشاعر اللام قبل التاء من هذه الأبيات وليست بواجبة لأن الرويّ إنما هو التاء، وقد يلتزم المدلّ مالا يجب عليه ثقة بنفسه وشجاعة في لفظه، وذلك موجود كثير.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٣، ٨٢ " للأعشى:
غير ميل ولا عواوير في الهيجا
[ ١ / ٢٦٨ ]
ع قبله:
جندك التالد العتيق من السادات أهل القباب والآكال
غير ميل ولا عواوير في الهيجا ولا عزّل ولا أكفال
ودروع من نسج داود في الحيّ وسوقًا يحملن فوق الجبال
يمدح بهذا الشعر الأسود بن المنذر. وذكر أبو علي الأكشف والأميل ولم يذكر الذي لا رمح له وهو الأجمّ، ولا الذي لا قوس معه وهو الأنكب، ويروى في الهيجا وسوقًا، والوسوق: الأحمال واحدها وسق.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٣، ٨٣ " شعرًا منه:
إذا قيل أين المشتفي بدمائهم وأين الروابي والفروع المعاقل
المشتفي بدمائهم فيه معنيان أحدهما: أنه من أصاب منهم واحدًا بثأره فهو له شفاء ولقتيله بواء، والدم الكريم هو الثأر المنيم كما قال الشاعر أنشده الأشناندانيّ:
لا يشربون دماءهم بأكفّهم إن الدماء الشافيات تكال
يقول إذا قتل منهم قتيل لم يأخذوا ديته إبلًا فيشربوا ألبانها. وقوله:
إن الدماء الشافيات تكال
يقول لا يرضى فيها إلا بالمكايلة وأخذ دم كما قال الآخر وهو أبو قيس ابن الأسلت الأنصاري:
لا نألم القتل ونجزى به ال أعداء كيل الصّاع بالصّاع
والمعنى الآخر: أنهم كانوا يرون أن الرجل إذا عضّه الكلب الكلب ففصد له شريف القوم نفسه وشرب من دمه شفي كما قال الشاعر وهو الحطئة:
[ ١ / ٢٦٩ ]
بناة مكارم وأساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاء
وقال الفرزدق في ذلك:
ولو شرب الكلمى المراض دماءنا شفتها وذو الداء الذي هو أدنف
وفيها قبل هذا:
وإذ لا ترود العين عنّا لبغية ولا يتخطّانا المروع الموائل
يقال فلان يوائل من كذا: أي ينجو منه. قال الشماخ:
توائل من مصكّ أنصبته حوالب أسهريه بالذنين
وفيه:
فأصبحت مثل النسر تحت جناحه قوادم صارتها إليه الحبائل
صارتها: أي أمالتها وضمّتها. قال الله سبحانه: " فصرهن إليك " وفيه:
ولكنّ قومي عزّهم سفهاؤهم على الرأي حتى ليس للرأي حامل
هذا كقول الأفوه:
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
وقال أبو فراس الحمداني فأحسن:
كيف يرجى الفلاح من أمر قوم ضيّعوا الحزم فيه أيّ مضاع
بمطاع المقال غير سديد وسديد المقال غير مطاع
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٤، ٨٣ ":
[ ١ / ٢٧٠ ]
تودّ عدوّي ثم تزعم أنني صديقك إنّ الرأي منك لعازب
وليس أخي من ودّني رأي عينه ولكن أخي من ودّني وهو غائب
ع قد نسب هذان البيتان إلى بشار وما أحسن قول الآخر في معناهما:
أخوك الذي إن سرّك الأمر سرّه وإن غبت عنه ظلّ وهو حزين
يقرّب من قرّبت من ذي مودّة ويقصي الذي أقصيته ويهين
وقال آخر:
وإن معشر دبّت إليك عداوة عقاربهم دبّت إليهم عقاربي
[ ١ / ٢٧١ ]
وقال ابن المعتزّ:
لم يبق مما فاتني كسبه إلا فتى يسلم لي قلبه
ينأى فلا يذهله نأيه عني ولا يفسده قربه
يكون حسبي من جميع الورى في كل حال وأنا حسبه
وقال آخر:
فإنّ من الخلاّن من تشحط النوى به وهو راع للحفاظ أمين
ومنهم كعبد القين أمّا لقاؤه فحلو وأمّا غيبه فظنون
وقال آخر:
عليّ لأخداني رقيب من الصفا تبيد الليالي وهو ليس يبيد
وإنّي لأستحي أخي أن أبرّه قريبًا وأن أجفوه وهو بعيد
وقال المغيرة بن حبناء:
أخوك الذي لا ينقض الدهر عهده ولا عند صرف الدهر يزورّ جانبه
وليس الذي يلقاك بالبشر والرضى وإن غبت عنه لسّعتك عقاربه
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٤، ٨٣ ":
أحبّ بلاد الله ما بين منعج إليّ وسلمى أن يصوب سحابها
ع وهما لامرأة من طئ وقبلهما:
[ ١ / ٢٧٢ ]
ألم تعلمي يا دار بلجاء أنّني إذا أخصبت أو كان جدبًا جنابها
أحبّ بلاد الله
وتقدير الكلام في هذين البيتين أحبّ صوب سحاب بلاد الله إلى سحاب بلاد بها عقّ الشباب تمائمي ما بين سلمى ومنعج: يريد وسط سلمى ومنعج. فأحبّ ابتداء وأن يصوب بدل منه، وما بين ظرف وبلاد خبر الابتداء. ورواية أبي علي حلّ الشباب تمائمي. ورواه غيره: عقّ الشباب تمائمي. وقال ابن ميّادة في معناهما فأحسن:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بحرّة حزوى حيث ربّتني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي وحلّلن عني حين أدركني عقلي
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٤، ٨٤ ":
منعّمة يحار الطرف فيها كأن حديثها سكر الشباب
يريد أنها تصبي بحديثها فيحدث لسامعه من التصابي والجذل مثل سكر الشباب، لأن الشباب في بلهنية. وفيه:
من المتصديّات لغير سوء تسيل إذا مشت سيل الحباب
ع ويروى الحباب بفتح الحاء، وكان أبو القاسم ابن الإفليليّ يأبى إلاّ ضمّها.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وتشبيه المشي بالحباب حباب الماء أفشى وأعرف. قال امرؤ القيس:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سموّ حباب الماء حالًا على حال
وقال ابن الروميّ:
قضيت ذلك من قولي إلى فنق تلهو بمكتحل طورًا ومختضب
جاءت تدافع في وشى لها حسن تدافع الماء في وشى من الحبب
وقال الراجز:
مالك لا تذكر أو تزور بيضاء بين حاجبيها نور
تمشي كما يطّرد الغدير
وقال ابن أبي ربيعة في مشية الحباب الحيّة:
[ ١ / ٢٧٤ ]
فلمّا فقدت الصوت منهم وأطفئت مصابيح شبّت بالعشاء وأنوّر
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه وروّح رعيان ونوّم سمّر
وخفّض عني الصوت أقبلت مشية الحباب وركني خيفة القوم أزور
هكذا نقلته من كتاب أبي علي الذي بخطّ ابن سعدان، وفي الطرّة: " الحباب الحيّة " وأنشد أبو علي " ١ - ٨٤، ٨٤ ":
حديث لو أنّ الميت يوحي ببعضه لأصبح حيًّا بعد ما ضمّه القبر
هذا من قول توبة بن الحميّر، وقد تقدّم إنشاده وخبره " ص ٣١ ":
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت
ومن قول الأعشى. وقال العلماء: إنه أكذب بيت قالته العرب:
لو أسندت ميتًا إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس ممّا رأوا يا عجبًا للميّت الناشر
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٤، ٨٤ ":
وحديثها كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا
ع ورواية أبي علي: تتايعت بالياء وهي رواية جيّدة لأن التتايع أخصّ بالشرّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٥، ٨٤ " لابن الروميّ شعرًا منه:
شرك العقول ونزهة ما مثلها للمطمئنّ وعقلة المستوفز
ع روى غيره ونهزة ما مثلها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٥، ٨٤ " لبشّار:
[ ١ / ٢٧٥ ]
وكأن رفض حديثها قطع الرياض كسين زهرًا
ع كان بشار قد وعدته هوى له أن تزوره ليلة فأخلفته فكتب إليها:
يا ليلتي تزداد نكرًا من حبّ من أحببت بكرا
حوراء إن نظرت إليك سقتك بالعينين خمرا
وكأن رفض حديثها
ورفض حديثها: قطعه ومتفرّقه. ورفوض الناس فرقهم. قال الراجز:
من أسد أو من رفوض الناس
وروى غير أبي علي:
وكأنّ نبذ حديثها.
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٥، ٨٥ " لأبي علي البصير:
غناؤك عندي يميت الطرب وضربك للعود يحيي الكرب
ع أبو علي البصير: هو الفضل بن جعفر بن الفضل شاعر ظريف محسن من شعراء الدولة الهاشميّة وبليغ مفتنّ. وقال بعض الشعراء في مثل هذا المعنى:
ومغنّ كلّما غنّاك صوتًا قلت أشرك
فحزنًا إذ تغنيّ وطربنا حين أمسك
ومثل قوله:
ولو مازج النار في حرّها حديثك أطفأ منها اللهب
ما أنشده عبد الصمد الكوفي. قال أنشدني الصنوبريّ:
إذا جواريك غنّوا فاطرح علينا دثارا
[ ١ / ٢٧٦ ]
واريتهم وحقيق لقبحهم أن يوارى
قد قلت إذ قال صحبي لم يضربون ستارا
" لو اطّلعت عليهم ولّيت منهم فرارا "
وقال كشاجم:
غناء فريج بأرض الحجاز يطيب وأمّا بحمص فلا
لبرد الغناء وبرد الهواء فإن جمعًا خفت أن يقتلا
وقال ابن الروميّ:
غنّى فلم يبق لنا جبّة محشوّة إلاّ لبسناها
فلو ترانا لو نرى جمرة من شدّة البرد أكلناها
وقال أبان اللاحقيّ في قيان أبي النضير
قيان أبي النضير مثلّجات غناء مثل شعر أبي النضير
فإن رمت الغناء لديه فاصبر إذا ما جئته للزمهرير
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٦، ٨٥ " للأشتر النخعيّ:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
ع الأشتر: اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث فارس شاعر أدرك الجاهليّة
[ ١ / ٢٧٧ ]
والإسلام وهو أحد أصحاب عليّ ﵁ وذوي النصرة والحميّة. واتفق العلماء أن هذا الاستفتاح أحسن قسم أقسم به شاعر وبعده قول الآخر في رواية من ينشده كما أنا ذاكره:
وإذا تأمّل شخص ضيف مقبل متسربلًا أثواب محل أغبر
أومي إلى الكوماء هذا طارق فعقرت ركن المجد إن لم تعقري
ورواية أبي علي " ١ - ٤٥، ٤٣ ":
نحرتني الأعداء إن تنحري
وقد تقدم فيما سلف من الكتاب ومن حسن القسم في النسيب قول ابن الروميّ:
لا وألحاظ العيون الساهره بين أهداب الجفون الفاتره
ما تولّى آل وهب دولة فرآها الله إلاّ ظاهره
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقول البحتري وهو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ سميّ بذلك لأنه أول من طوى المناهل:
أما وضحكتها عن واضح رتل تنبي عوارضه عن بارد شبم
لقد كتمت هواها لو يطاوعني دمع لجوج ووجد غير منكتم
ومن القسم في الهجاء قول دعبل فأفرط وتعدّى:
أيشتمني من حيّ كلب عبيدها وحيّ كلاب تقطع الصلوات
فإن أنا لم أعلم كلابًا بأنّها كلاب وأن الموت من نقماتي
فكان إذن من قيس عيلان والدي وأميّ إذن من نسوة الحبطات
وأنشد أبو علي " ١ - ٨٦، ٨٦ ":
ولكنّ عبد الله لمّا حوى الغنى وصار له من بين أخوته مال
ع قال الأصبهاني: إنهما لإبراهيم بن العباس الصولي يقولهما في عبد الله أخيه، وكان قاسمه ماله.