وأنه حالف جودان الفرصميّ وفرصم حيّ من مهرة بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن دريد: منهم العجيل الفرصميّ وفد على النبي ﷺ. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: وفد على النبي ﷺ زهير بن فرصم، والفرصم: من الإبل الضخمة. ورواه بعضهم:
[ ١ / ٣٧٦ ]
رضم بضاد معجمة. وفيه ذ هوى هويّ العقاب. يقال هوى يهوي هويًّا إذا هبط، وهوى يهوي هويًّا بالضم إذا صعد قاله الخطّابي والاختيار هنا فتح الهاء. وشصار من شصر الناقة وهو تزنيدها إذا دحقت رحمها. وشاصر وماصر. والأحقب من النفر الذين استمعوا القرآن وهم من جنّ نصيبين. وقوله من ذلك الإحرّين: هو جمع حرّة على غير قياس كأن واحدة إحرّة وإن لم يقل ذلك سيبويه. وقوله:
وقد أمنتني بعد ذاك يحابر بما كنت أغشى المنديات يحابرًا
المنديات: المخزيات كأن صاحبها يندي عند ذكرها خجلًا أي يعرق.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٣٦، ١٣٥ ":
ألم أظلف عن الشعراء عرضي كما ظلف الوسيقة بالكراع
ع نسب ابن السكّيت هذا البيت إلى عوف بن الأحوص ونسبه غيره إلى عوف بن الخرع. وقوله كما ظلف الوسيقة: يقال ظلف القوم آثارهم إذا مشوا في غلظ أو حجارة حتى تخفي آثارهم. والكراغ: قطعة من الحرّة تستدقّ وتمتدّ في السهل وهو مؤنثة. يقول أمنع من الشعراء عرضي أن يؤثّروا فيه كما يظلف الخارب هذه الوسيقة إذا خشي أن يتبع فيرى أثره. قال يعقوب: الظلف: الموضع الغليظ الذي لا يؤدّي أثرًا، وظلف بها أخذ بها في ظلف من الأرض. وعوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة يكنى أبا يزيد شاعر جاهليّ. وعوف الآخر عوف بن عطيّة بن الخرع التيميّ من تيم الرباب وهم تيم بن عبد مناة بن أدّ جاهلي إسلاميّ.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٦، ١٣٦ ":
فيا جحمتا بكّى على أمّ واهب أكيلة قلّوب ببعض المذانب
ع وبعد البيت:
أشبّ لها القلّيب من بطن قرقري وقد تجلب الشيء البعيد الجوالب
فلم يبق منها غير نصف عجانها وشنترة منها وإحدى الذوائب
قال أبو زيد قال السعدي: هذه الأبيات يقولها رجل من أهل اليمن في أمّ له أكلها الذئب وهو القلّوب والقلّيب بلغتهم. والعجان: بلغتهم موصل العنق في الرأس. وأنشد الخليل في الجحمتين لبعض شعرائهم:
ففاضت دموع الجحمتين بعبرة على الزبّ حتى الزبّ في الماء غامس
والزبّ: اللحية بلغتهم. والأنثيان: عندهم الأذنان. وأنشد ابن قتيبة:
وكنّا إذا القيسيّ نبّ عتوده ضربناه دون الأنثيين على الكرد
[ ١ / ٣٧٨ ]
والفقحة: الراحة بلغتهم.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٦، ١٣٦ " لقيس بن ذريح:
سأصرم لبني حبل وصلك مجملًا وإن كان صرم الحبل منك يروع
وفي بعض النسخ لقيس المجنون.
ع وقد تقدّم ذكر المجنون ونسبه. وأما ابن ذريح فهو قيس بن ذريح بن الحباب بن سنّة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة. وقيس هذا رضيع الحسين بن عليّ ﵄ أرضعت الحسين أمّ قيس، وكان منزل قومه في ظاهر المدينة. وصاحبة قيس لبني بنت الحباب الكعبيّة وهو أحد العشّاق المشهورين. وقوله فيه:
وخيماتك اللاتي يمنعرج اللوى بلين بلى لم تبلهن ربوع
قال ابن دريد قوله: لم تبلهن ربوع غلط والصواب لم تبله، وله تأويل بعيد يخرّج عليه، ذكر أبو علي الفارسيّ في كتاب التذكرة أنه أراد لم تبل بلاهنّ ربوع، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وقال غيره: إنما قال لم تبلهنّ لتشبّث البلى بالخيمات كما قال الفرزدق الصواب جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشّع
وهذا الشعر قد رويت منه أبيات لجميل في قصيدته التي أوّلها:
[ ١ / ٣٧٩ ]
أعائدة يا بثن أيّامنا الألي بذي الظلم أم لا ما لهنّ رجوع
وفيه:
سقى طللينا يا بثين بحاجر على الهجر منّي صيّف وربيع
ودورك يا ليلى وإن كنّ بعدنا بلين بلى لم تبلهن ربوع
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى لقمريّها بالمشرقين سجيع
وفي هذا الشعر:
وما كاد قلبي بعد أيّام جاورت إليّ بأجزاع الثديّ يريع
الثديّ: واد بتهامة بفتح الدال على لفظ تصغير ثدي، ورواه أبو علي الثديّ بكسر الدال على لفظ جمع ثدى وهذا غير محفوظ. وفيه:
وقالوا مطيع للضلال تبوع
وقالوا مضيع أي مضيع للرشد تبوع للغيّ والضلال.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٧، ١٣٧ " لمجنون بني عامر:
راحوا يصيدون الظباء وإنّني لأرى تصيّدها عليّ حراما
ع وهذا معنى قد تكررّ له. روى الهيثم بن عديّ أنّ قيسًا نظر إلى ظبية مشدودة في حبل يسوقها قانصها، فدمعت عيناه وأعطاه بها قلوصًا، فخلّى عنها وولّت هاربة. فقال في ذلك:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنّني لك اليوم من وحشيّة لصديق
ويا شبه ليلى لو تقيمين ساعة لعل فؤادي من جواه يفيق
تفرّ وقد أطلقتها من وثاقها فأنت لليلى لو علمت طليق
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٨، ١٣٨ " شعر مسكين الدراميّ، وقد تقدمّ موصولًا " ٨٣ " ومضى ذكر مسكين " ٤٧ " وفيه:
" ملجها موضوعة فوق الركب "
[ ١ / ٣٨٠ ]
ع قال ابن الأنباري: الملح مؤنثة وتصغيرها مليحة، وأنشد قول مسكين وقيل إن الملح جمع ملحة كما قالوا: ذهب طيّبة جمع ذهبة، ومسك عطرة جمع مسكة.
قال أبو عليّ " ١ - ١٣٩، ١٣٩ " إن رجلًا أغلظ لعمرو بن سعيد بن العاصي.
ع قيل إن هذا الرجل هو الوليد بن عقبة ابن أبي معيط، وقيل إنه عبد الرحمن ابن أمّ الحكم الثقفي. وقوله: ولا رخو الملاكة: هو مفعلة من لاكه يلوكه إذا مضغه وهو كقول الحجاج: إنّ أمير المؤمنين نثر كنانته وعجم عيدانها فوجدني أصلبها عودًا وأمرّها مكسرًا.
وقال الشاعر وهو الطريف العنبريّ:
إنّ قناتي لنبع ما يؤيّسها عضّ الثقاف ولا دهن ولا نار
وقوله إني ساكن الليل: يعني أنّه لا يمشي في الليل بريبة، يعرّض بصاحبه الذي قال له صاحب ظلمات.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٣٩، ١٣٩ " لذي الرمّة:
خراعيب أملود كأنّ بنانها
ع وصلته:
تذكّرني ميًّا من الظبي عينه مرارًا وفاهًا الأقحوان المنوّر
وفي المرط من ميّ توالي صريمة وفي الطوق ظبي واضح الجيد أحور
وفي العاج منها والدماليج والبرى قنًا مالئ للعين ريّان عبهر
خراعيب أملود كأنّ بنانها بنات النقا تخفي مرارًا وتظهر
توالي صريمة: أي مآخرها، والصريمة الفرادي من الرمل. والقنا هنا: الأوصال التؤام لما عليها من اللحم. وعبهر: يملأ عين الناظر إليه لحسنه فلا يدع في الطرف فضلًا إلاّ استغرقه لأنه لا يرى عابًا. والخرعوب: كلّ ليّن ينثنّي من قضيب وغيره. وامرأة خرعوبة
[ ١ / ٣٨١ ]
وخرعبة. وبنات النقا: دوابّ صغار تشبّه بها الأنامل، وهي الأساريع التي عنى امرؤ القيس بقوله:
وتعطو برخص غير شثن كأنه أساريع ظبي أو مساويك إسحل
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٩، ١٣٩ " لحميد بن ثور:
عجبت لها أنّى يكون غناؤها
ع وصلته:
وما هاج هذا الشوق إلاّ حمامة دعت ساق حرّ ترحة وترنّما
محلاّة طوق لم يكن من تميمة ولا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها فصيحًا ولم تغفر لمنطقها فما
تغنّت على غصن عشاء فلم تدع لنائحة في نوحها متلوّما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ولا عربيًّا شاقه صوت أعجما
ومثل البيت الآخر قول أبي تمام وقد سمع غناء حسنًا عند منصرفه عن عبد الله بن طاهر إلاّ أنه لم يفهم معانيه فقال:
حمدتك ليلة شرفت وطابت أقام سهادها ومضى كراها
[ ١ / ٣٨٢ ]
سمعت بها غناء كان أولى بأن يقتاد نفسي من غناها
ولم أفهم معانيه ولكن ورت كبدي فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معنّى يحبّ الغانيات وما يراها
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٣٩، ١٣٩ " للعجاج:
إن ينزلوا بالسهل بعد الشأس
وقبله:
وما أراهم جزّعًا بحسّ عطف البلايا المسّ بعد المس
إن يسمهرّ والضراس الضرس وينزلوا بالسهل بعد الشأس
عطف البلايا: يقول تعطف البلايا عليهم المرّة بعد المرّة. والاسمهرار: الشدّة. والضراس: معاضّة الحروب إياهم.
وأنشد أبو عليّ ١ - ١٤٠، ١٤٠ ":
بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي وقلت ومثلي بالبكاء جدير
ع وهما للعباس بن الأحنف وبعدهما:
فجاوبنني من فوق غصن أراكة ألا كلّنا يا مستعير معير
وأي قطاة لم تعرك جناحها فعاشت ببؤسي والجناح كسير
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٠، ١٤٠ " لأبي المطراد العنبريّ:
[ ١ / ٣٨٣ ]
أيا أبرقي مغنى بثينة أسعدا فتى مقصدًا بالشوق فهو عميد
وهي لعبيد بن أيّوب العنبري والمحفوظ في كنيته أبو المطراب بالباء، وكان يتحدّث إلى امرأة من بني ضبّة يقال لها بثينة فضربه ابنا حبيب الضّبّيّان فقال:
بأيّ فتى يا ابني حبيب بللتما إذا ثار يومًا للغبار عمود
بمنخرق السربال كالسيد لا يني يقاد لحرب أو تراه يقود
أقلّ بنو الإنسان حين عدوتم على من يثير الجنّ وهي هجود
أيا أبرقي مغنى بثينة أسعدا فتى مقصدًا بالشوق فهو عميد
أقلّ بنو الإنسان: أي أقلّ بنو آدم إذ صنعتم بنا ما صنعتم. وعبيد: شاعر إسلاميّ وكان لصًّا مبرًّا فنذر السلطان دمه وخلعه قومه، فاستصحب الوحوش وأنس بها وأنست به، وله في ذلك أشعار كثيرة، وكان يزعم أنه يرافق الغول والسعلاة فمن ذلك قوله:
فلله درّ الغول أيّ رفيقة لصاحب فقر خائف يتستّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت حواليّ نيرانًا تبوخ وتزهر
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤١، ١٤١ " لأبي العباس المبرّد في أبي العباس ثعلب:
أقسم بالمبتسم العذب ومشتكى الصبّ إلى الصبّ
ع كان المبرّد شاعرًا فصيحًا ولم يكن لثعلب شعر إلا البيت النادر الشاذّ. يروى أن المبرّد مرض. فقال ثعلب لأصحابه: قد وجبت علينا عيادته على ما بيننا وبينه فقوموا بنا إليه
[ ١ / ٣٨٤ ]
فجاءوا منزله، فلمّا أعلم المبرد بهم واستؤذن لهم قيل ليس بحاضر، فتناول ثعلب قطعة من خزف وكتب على بابه:
وأعجب شيء سمعنا به عليل يعاد ولا يوجد
وقال أحمد بن إسحاق: كان محمد بن يزيد يحبّ أن يجتمع بأحمد بن يحيى ويستكثر منه وكان أحمد يمتنع من ذلك، فقلت لختنه الدينوريّ: لم يفعل هذا؟ فقال: إنّ محمدًا حسن العبارة، حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وأحمد مذهبه مذهب المعلّمين، فإذا اجتمعا في مجلس حكم لهذا على الظاهر حتى يعرف الباطن. قال: وبأحمد ومحمد هذين ختم تأريخ الأدباء، وكانا كما قال بعض المحدثين:
أيا طالب العلم لا تجهلن وعذ بالمبرّد أو ثعلب
علوم الخلائق مقرونة بهذين في الشرق والمغرب
وقد مضى ذكر المبرّد " ص ٨٠ ". وأما ثعلب فهو أحمد بن يحيى بن زيد مولى بني شيبان وكان ثقة وحافظًا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤١، ١٤١ ":
إقرأ على الوشل السلام وقل له كل المشارب مذهجرت ذميم
[ ١ / ٣٨٥ ]
ع وهذا الشعر لأبي القمقام الأسدي وبعده:
تسري الصبا فتبيت في ألواذه ويظلّ فيه من الجنوب نسيم
سقيا لظّلك بالعشي وبالضحى
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٢، ١٤١ " لهلال المازنيّ:
أقول لناقتي عجلي وحنّت إلى الوقبي ونحن على جراد
ع هو هلال بن خثعم المازني شاعر إسلاميّ. والوقبي بإسكان القاف ذكره ابن دريد وقال: إنه يمدّ ويقصر، وذكره ابن الأنباري الوقبي بتحريك القاف مقصورًا والشاهد له قول أبي محمد الفقعسيّ:
فالحزم حزم الوقبي فذا الحضر بحيث يلقى راكس سلع الستر
وقال أبو عبيدة كانت الوقبي لبكر على آباد الدهر فغلبتهم عليها بنو مازن بعون عبد الله بن عامر صاحب البصرة لهم فهي في أيديهم إلى اليوم. وجراد موضع فيما يلي فيد. وحكاه ابن دريد جرادى على وزن فعالى، قال أبو علي القالي ولم أسمعه إلاّ منه. وقال آخر في معنى هذا الشعر:
حنّت فشاقتني برجع حنينها وأزيدها شوقًا برجع حنيني
نضوين مقترنين بين مهامه طويًا الضلوع على جوى مكنون
لو خبّرت عنّي الضلوع لخبّرت عن مستقرّ صبابة المحزون
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٢، ١٤٢ " لأبي كبير الهذليّ:
نضع السيوف على طوائف منهم
[ ١ / ٣٨٦ ]
ع أبو كبير هو عامر بن الحليس شاعر جاهلي وصلة البيت:
ولقد شهدت الحيّ بعد رقادهم تفلي جماجمهم بكلّ مقلّل
حتى رأيتهمو كأنّ سحابة صابت عليهم ودقها لم يشمل
نضع السيوف على طوائف منهم فنقيم منهم ميل من لم يعدل
نغدو فنترك في المزاحف من ثوى ونمرّ في العرقات من لم يقتل
قوله بعد رقادهم: كأنهم بيتوا. وتفلي: تعلي. ومقلّل: له قلّة وهي القبيعة أي الرئاس، ويروى بكل مؤلّل. وقوله لم يشمل لأن الشمالي إذا أصابته انقشع. والعرقة: حبل مضفور مثل ضفر النسعة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٣، ١٤٢ " لابن الزبعري:
وأقمنا ميل بدر فاعتدل
ع وصلته:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأهل
حين ألقت بقباء بركها واستحرّ القتل في عبد الأشل
وقتلنا الضعف من أشرافهم وأقمنا ميل بدر فاعتدل
يتأسف أن لا يكون مشركو قريش المقتولون يوم بدر شهدوا هزيمة المسلمين يوم أحد. وهو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ، وهو آخر شعراء قريش المعدودين وكان يهجو المسلمين ويحرّض عليهم
[ ١ / ٣٨٧ ]
كفار قريش وأسلم يوم الفتح فقبل رسول الله ﷺ عليه إسلامه وعفا عما سلف له وقال عند إسلامه:
يا رسول المليك إنّ لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
وهي أبيات ستذكر في موضعها " ٢ - ٢١٧، ٢١٣ " إن شاء الله تعالى.