وإنشاده شعر حاتم، وفيه:
وإنّي مذموم إذا قيل حاتم نبا نبوة إن الكريم يعنّف
ع يريد أن الكريم يعنّف واللئيم لا يعنّف، وهذا مثل قولهم: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة وقال الشاعر:
[ ١ / ٦٠٥ ]
وإذا عتبت على اللئيم ولمته في بعض ما يأتي فأنت ملوم
وإذا جريت مع السفينة كما جرى فكلا كما في جريه مذموم
وقال عبد الصمد بن المعذّل في نحوه:
عذرك عندي بك مبسوط والذنب عن مثلك محطوط
ليس بمسخوط فعال امرئ كل الذي يأتيه مسخوط
وحاتم هو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج، أحد بني ثعل بن عمرو بن الغوث بن طئ، يكنى أبا سفّانة وأبا عديّ، فارس شاعر جاهليّ، وأحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهرهم، وهم ثلاثة: حاتم بن عبد الله، وكعب بن مامة، وهرم بن سنان، وهم أرماق المقوين، وكان حاتم ظفرا إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا قامر سبق، وإذا أسر أطلق، وإذا أثرى أنفق. وذكر أنه لا يعرف ميّت قرى أضيافه سواه، وذلك: أن ركبا من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفد زادهم، وفيهم رجل يكنى أبا خيبريّ، فجعل يقول: أبا سفّانة! ألا تقري أضيافك، أبا سفّانة! إنّ أضيافك جياع مقوون، يعيدها ليلته، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: واراحلتاه! عقرت والله ناقتي! فقال له أصحابه وكيف؟ قال: رأيت أبا سفّانة قد انشقّ عنه قبره فاستوى قائمًا ينشدني:
أبا خيبريّ وأنت امرؤ ظلوم العشيرة لوّامها
وماذا تريد إلى رمّة بدوّيّة صخب هامها
تبغّي أذاها وإعسارها وحولك عوف وأنعامها
ثم عمد إلى سيفه وانتضاه من غمده، فعقر به ناقتي وقال دونكم: فما أيقظني إلاّ رغاؤها،
[ ١ / ٦٠٦ ]
وإذا بالناقة ترغو ما تنبعث ولا بها حراك، فقالوا: قد والله قراك حاتم، فنحروها وأكلوا وتزوّدوا، واقتسم القول متاع أبي خيبري على إبلهم واستمرّوا لوجهتهم، فلما صاروا في الظهيرة، وضح لهم راكب يجنب بعيرًا يؤمّ سمتهم حتى التقوا، فقال لهم: أفيكم أبو خيبري، قالوا: نعم، قال: فإنّ عديّ بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول له: إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته، فعوّضه منها وزده بكرًا يحمل عليه متاعه، وهذه الناقة! وهذا البكر! فارتحل أبو خيبريّ الناقة، وتخفّف هو وأصحابه من أزوادهم وأمتعتهم على البكر، ومضوا بأتمّ قرى. وأدرك عديّ بن حاتم النبيّ ﷺ وحسن إسلامه، وروى عنه وكان يحدّث بهذا الخبر بعد إسلامه. وقد روى أنّ هذه الأبيات إنما كان ينشدها حاتم ابنه عديًّا حين أمره أن يعوّض أبا خيبريّ بناقته وأمره أن ينشده إياها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٨، ٢٧٤ " للشمّاخ:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقّاها عرابة باليمين
ع معنى باليمين هنا: بالقوّة، وقيل معناها بالحقّ، أي لأنه أحقّ بها، وبكلى القولين فسّرت الآية أعني قوله تعالى: " لأخذنا منه باليمين " قيل بالقوّة وقيل بالحقّ، وأما قوله تعالى: " فراغ عليهم ضربًا باليمين " ففيه ثلاثة أقوال: القولان المذكوران، والثالث أنه أراد باليمين التي أقسم بها ليكيدنّها، وذلك قوله تعالى حكاية عنه " وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولّوا مدبرين " فأما قوله تعالى: " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " فقيل معنى اليمين هنا القوّة، ويؤيّد هذا التأويل قوله تعالى: " وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قومًا طاغين " أي ليس كما قلتم إنا أكرهناكم وقوينا عليكم. وفيه قول ثان وهو أنه أراد بقوله: عن اليمين من جهة الدين، لأن إبليس قال: " لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " قال المفسّرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين
[ ١ / ٦٠٧ ]
فلبس عليه الحقّ وشكّكه في اليقين، ومن أتاه من جهة الشمال أتاه من قبل الشهوات، وزيّن له إتيان السيئات، ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة والمآب، والثواب والعقاب، ومن أتاه من خلفه خوّفه الفقر على نفسه وعلى من تخلّف من بعده، فلم يصل رحمًا ولم يؤدّ زكاة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٨، ٢٧٥ " للعجير السلوليّ:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصّبا بمرّ ومردى كلّ خصم يجادله
ع يرثي العجير بهذا الشعر رجلًا من قومه يقال له سليمان بن خالد بن كعب، هلك بمرّ الظهران وهو صادر إلى المدينة. وبيتان من هذا الشعر قد اختلف في قائلهما أشدّ اختلاف. وهما قوله:
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ولا رهن لبّاته وبآدله
يسرّك مظلومًا ويرضيك ظالمًا وكلّ الذي حمّلته فهو حامله
فقال السكّري: إنهما لثور بن الطثريّة يرثي أخاه يزيد، وأنشدهما في أبيات أوّلها:
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري مقيمًا وقد غالت يزيد غوائله
وأنشد أبو تمام هذه الأبيات لزينب بنت الطثريّة ترثي أخاها، وقيل إنّها لأمّ يزيد ترثي ابنها، وقيل إن البيتين للأبيرد اليربوعي. وقوله:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب
قد مضت أمثلته والقول في معناه ٥٩. وقوله:
يسرّك مظلومًا ويرضيك ظالمًا
[ ١ / ٦٠٨ ]
يريد إن ظلمت أدرك بثأرك ونصرك، وإن ظلمت أذمّ لك وخفرك وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٥ " للحسين بن مطير:
ألمّا على معن وقولا لقبره سقتك الغوادي مربعًا ثمّ مربعا
ع يرثي معن بن زائدة. ومن مختاره قوله يخاطب ابنه ولم ينشده أبو عليّ:
تعزّ أبا العبّاس عنه! ولا يكن عزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهم فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وفيما أنشده:
فتى عيش في معروفه بعد موته كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
يريد أن عطاءه كان جزيلًا وافرًا وسابغًا فاضلًا، فلما مات بقي في أيدي الناس منه ما عاشوا به، ويحتمل أن يريد أنّه أوصى للناس بالمال، وشبّه عيشهم في معروفه بعد موته بمجرى السيل بعد انقضائه يكون مرعى ومتبقّلًا، ومثله:
فتى عيش في معروفه بعد موته كما رعيت بعد الربيع مسائله
يهمز ولا يهمز.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ " للبيد:
يحيلون السجال على السجال
[ ١ / ٦٠٩ ]
ع وقبله:
كأنّ دموعه غربًا سناة يحيلون السجال على السجال
إذا أرووا بها زرعًا وقضبًا أمالوها على خور طوال
القضب: الفصفصة، يقول: إذا أرووا بها زرعًا وقضبًا أمالوها على النخل. والخور: الغزار الكثيرة الحمل كالناقة الخوّارة، وهي الصفيّ الغزيرة اللبن.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ " لمسلم بن الوليد:
قبر بحلوان استسرّ ضريحه خطرًا تقاصر دونه الأخطار
يرثي به يزيد بن مزيد الشيبانيّ. وتمام الشعر:
أبقى الزمان على معدّ بعده حزنًا كعمر الدهر ليس يغار
قال أبو علي " ١ - ٢٧٩، ٢٧٦ ": أنشدنا ابن در ستويه قال أنشدني عبد الله بن جوان صاحب الزياديّ: ع كان ثابت بن محمد الجرجانيّ يقول: جوان اسم فارسي ومعناه: صغير السنّ أي فتى، وكان من أعلم الناس بالفارسيّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٧ " لرجل من بني شيبان:
وما أنا من ريب الزمان بجبّإ ولا أنا من سيب الإله بيائس
ع وقبله:
أبكي على الدعاء في كلّ شتوة ولهفي على بشر سمام الفوارس
والشعر لمفروق بن عمرو الشيبانيّ، وكان قيس والدعّاء وبشر إخوته، هلكوا في غزوة بارق
[ ١ / ٦١٠ ]
بشطّ الفرات في طاعون شيرويه، فبكاهم مفروق. وقوله: في كل شتوة يريد أن الدعاء كان جوادا مطعامًا في الشتاء عند انقطاع الألبان وقلة الزاد.
وقوله:
وما أنا من ريب المنون بجبّإ
يعني أن ما أصابه من المصائب قد هوّن عليه أمر النون، وهو مع ذلك غير يائس من فضل الله ﷿.
وأنشد أبو عليّ لحميد بن ثور:
ليست إذا سمنت بجايئة عنها العيون كريهة المسّ
ع وغيره يرويه إذا رمقت وهو أحسن لأن العين إنما تجبأ عن المرأة العجفاء لا عن السمينة، وكذلك كراهية المسّ. وقد وصف حميد من ضخم صاحبته التي ينسب بها ما لم يصفه شاعر ولا ذكره ذاكر فقال: وبعده:
وكأنّما كسيت قلائدها وحشيّة نظرت إلى الإنس
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٨ " لبعض البصريّين:
كم من فتى تحمد أخلاقه ويسكن العافون في ذمّته
ع ومن جيّد ما ورد في الحجاب والحاجب قول أبي هفّان:
الله يعلم أنني لك شاكر والحرّ للفعل الكريم شكور
لكن رأيت بباب دارك جفوة فيها لحسن فعالكم تكدير
[ ١ / ٦١١ ]
وقال العطوي أو غيره:
يا أبا موسى وأنت فتى ماجد محض ضرائبه
كن على منهاج معرفة إنّ وجه المرء حاجبه
وبه تبدو محاسنه وبه تبدو معايبه
وأرى بالباب معترضًا حاجبًا يزورّ جانبه
ليس إنسانًا فأعذره إنما الإنسان صاحبه
وقال أبو تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه كعهدي به حتى يلين قليلا
إذا لم أجد يومًا إلى الإذن سلّما وجدت إلى ترك اللقاء سبيلا
وقال آخر:
وإن كان لابدّ من حجبة ومن حاجب فاجعلوه رفيقا
[ ١ / ٦١٢ ]
يقابل من جاءكم بالجميل فيأتي صديقًا ويمضي صديقا
ومن حسن ما خاطب مجوب محتجبًا قول العطويّ:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقًا فلم أر حاجبًا ولا ناظرًا إلاّ بوجه غضوب
كأنّي غريم مقتض أو كأنّني طلوع رقيب أو صدود حبيب
فعدت وما فلّ الحجاب عزيمتي إلى شكر سبط الراحتين أريب
عليّ له الإخلاص ما ردع الهوى أصالة رأي أو وقار مشيب
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨١، ٢٧٨ " لرجل كوفيّ يجهو المغيرة بن شعبة:
إذا راح في قبطيّة متأزّرًا فقل جعل يستنّ في لبن محض
إذا نسب الناس إلى القبط قلت: قبطيّ بكسر القاف، وتنسب إليهم الثياب فتقول: قبطيّ بضم القاف للفرق. ومن مختار ما ورد في القصر والهجو به قول الحزين الكناني: وقد جمعه مجلس مع كثيّر، وكان كثيّر قصيرًا لا يبلغ ضروع الإبل، وكان إذا دخل على عبد الملك قال له: تطأطأ لا يصب رأسك السقف. ولذلك قال له لما رآه: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه لقماءته. فقال كثيّر للحزين: إنّك لا تحسن أن تهجو. فقال له الحزين: إن أبحت لي أن أقول قلت. قال: وما عسى أن تقول. فقال:
لقد علقت زبّ الذباب كثيّرًا أساود لا يطنينه وأراقم
[ ١ / ٦١٣ ]
قصير الثياب فاحش عند بيته يعضّ القراد باسنه وهو قائم
ويروى:
يكاد كثير من تقارب شخصه يعضّ
وكان كثيّر يلّقب زبّ الذباب لقصره. وقال آخر يهجوه:
لعمرك ما زبّ الذباب كثيّر بفحل ولا آباؤه بفحول
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٢، ٢٧٨ " للفرزدق يهجو إبراهيم بن عربيّ:
ترى منبر العبد اللئيم كأنّما ثلاثة غربان عليه وقوع
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٢، ٢٧٩ " لعبد الصمد بن المعذّل في ابن أخيه:
لو كان يعطي المنى الأعمام في ابن أخ أصبحت في جوف قرقور إلى الصين
وتمامها:
لا يحمدونك في خلق ولا خلق إذا رأوك ولا دنيا ولا دين
ع ومثله في المعنى قول ابن الروميّ في ابن لصديق له:
الله يعلم أن لو كنت لي ولدًا لما حبستك إلا في المطامير
يا من إذا ما رأته عين والده وسط الرجال تقاهم بالمعاذير
ومثل قول عبد الصمد:
وكان أحظى له لو كان متّزرًا في السالفات على غرمول عنّين
[ ١ / ٦١٤ ]
قول الحسن وفيه بعض الغلوّ:
فرحمة الله على آدم رحمة من عمّ ومن خصّصا
لو كان يدري أنّه خارج مثلك من إحليله لاختصى
ومثل قوله:
إن القلوب لتطوي منك يا ابن أخي إذا رأتك على مثل السكاكين
قول في القلب وخز مثل وخز السنان
وقال ابن بسّام أو غيره:
ثقيل يطالعنا من أمم إذا سرّه رغم أنفي ألمّ
لنظرته وخزة في الحشى كوخز المحاجم في الملتزم
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٤، ٢٨٠ " للمقنّع الكندي:
يعاتبني في الدين قومي وإنما تداينت في أشياء تكسبهم حمدا
ع وهو محمد بن عميرة ويقال ابن عمير ابن أبي شمر ابن فرعان، كنديّ شاعر إسلاميّ، قال الهيثم بن عديّ كان المقنّع أحسن الناس وجهًا فإذا سفر لقع، أي أصابته العين فيمرض ويلحقه عنت، فكن لا يمشي إلاّ مقنّعًا. وأنشد يعقوب بن السكّيت هذا الشعر لحاتم، وزاد في أوله:
[ ١ / ٦١٥ ]
أصارمتي أني وصلت حبالها وصرّمت من بعد التصافي لها هندا
وسلمى وليلى والنوار وزينبا وجملًا وظبيًا واجتنبت لها دعدا
وإن الذي بيني وبين بني أبي
وفي روايته تقديم وتأخير، وبعد هذا البيت الأول في رواية أبي عليّ بيتان، لم يروهما أبو علي ولا يعقوب فيما رواه لحاتم، وهما:
ألم ير قومي كيف أوسر مرّة وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا
فما زادني الإقتار منهم تقرّبا وما زادني فضل الغني منهم بعدا
وهذا من قول الأبيرد اليربوعيّ:
فتى كان يدينه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
ولله درّ إبراهيم بن العبّاس في قوله:
أراك إذا أيسرت خيّمت عندنا مقيمًا وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلاّ البدر إن قلّ ضوءه أغبّ وإن زاد الضياء أقاما
وكرّر هذا المعنى فقال:
أسد ضار على أعدائه وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى ولا يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وفي شعر المقنّع:
وفي فرس نهد عتيق جعلته حجابًا لبيتي ثم أخدمته عبدا
[ ١ / ٦١٦ ]
لم يرد بقوله: جعلته حجابًا لبيتي أني أحجب به بيتي من ناظر، وإنما يريد أنه نصب عينيه وأكبر همّه، كما قال الآخر:
يسدّون أبواب البيوت بضمّر إلى عنن مستوثقات الأواصر
العنّة: الحظيرة، وقريب منه قول الآخر:
يزين البيت مشدودًا ويشفي قرم الركب
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٤، ٢٨١ " لجحدر اللصّ قصيدة، منها:
أليس الليل يجمع أمّ عمرو وإيّانا فذاك بنا تدان
نعم وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني
ع هذا من أيسر ما يقنع به المشوق ويتعلّق به المتتوّق. ومثله قول رجل من بني تميم:
كلانا يرى الجوزاء يا علو إن بدت ونجم الثريّا والمزار بعيد
وكيف بكم يا علو أهلًا ودونكم لجاج يغمّصن السفين وبيد
وقال رجل من بني رياح:
[ ١ / ٦١٧ ]
كفى حزنًا أن لا يزال يعودني على النأي طيف من خيالك يا نعم
وأنت مكان النجم منّا وهل لنا من النجم إلاّ أن يقابلنا النجم
وأنشدهما أبو علي بعد " ٢ - ٢٩، ٢٦ " لمحرز العكليّ. وقال قيس بن ذريح:
أليست لبيني تحت سقف يكنّها وإيّاي هذا إذ نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجا ونبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
وقال آخر:
لقد زاد الهلال إليّ حبًّا عيون تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شفًا صغير نظرن إليه من خلل الحجال
وقال جميل:
أقلّب طرفي في السماء لعلّها يوافق طرفي طرفها حين تنظر
وقال المعلوط فأخنى:
وما نلت منها محرمًا غير أنّني إذا هي بالت بلت حيث تبول
وفيه:
أحاذر صولة الحجّاج ظلمًا وما الحجّاج ظلاّم لجان
يريد أنه يوقع الحدود مواقعها، ولا يتجاوز بها مواضعها، وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يعني أن جنايته لا توجب عليه ما يحذره من وقع مصقول يمان. وأنشد صاعد بن الحسن لسوّار بن المضرّب الكلابي جاهليّ هكذا قال، وإنما هو سعديّ من سعد بني تميم قصيدة طويلة أوّلها:
[ ١ / ٦١٨ ]
أليس الله يعلم أن قلبي يحبّك أيّها البرق اليماني
وفي تضاعيفها جميع هذا الشعر الذي نسبه أبو علي إلى جحدر، إلاّ سبعة أبيات من آخرها، وذلك قوله:
فما بين التفرّق غير سبع
إلى آخر الشعر. ثم إن الحجاج أرسل على جحدر أسدًا قد جوّعه له ثلاثًا، فبطش جحدر بالأسد فقتله، فعفا عنه الحجّاج ووصله وجعله في صحابته لما رأى من جرأته وشدّته.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٨٥، ٢٨٢ " لأبي العتاهية:
لا تفخرنّ بلحية كثرت منابتها طويلة
ع من جيّد ما ورد في الهجاء بطول اللحية قول ابن الروميّ:
ولحية يحملها مائق مثل الشراعين إذا أشرعا
تقوده الريح بها صاغرًا قودًا حثيثًا يتعب الأخدعا
لو غاض في البحر بها غوصة صاد بها حيتانه أجمعا
وقال الناجم:
لابن شاهين لحية طوله شطر طولها
فهو الدهر كلّه عاثر في فضولها
وذكر أبو علي " ١ - ٢٨٦، ٢٨٣ " خطبة ابن الزبير التي أنشد فيها:
[ ١ / ٦١٩ ]
قد جرّبوني ثم جرّبوني
ع هذا الرجل لجميل. وأوّله:
أنا جميل فتعرّفوني تالله ما جئت لتنكروني
ولا تغيّبت فتسألوني بحر يدقّ رجح السفين
تنحلّ أحقاد الرجال دوني قد جرّبوني ثم جرّبوني
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٦، ٢٨٣ ":
نهار شراحيل بن طود يريبني وليل أبي ليلى أمرّ وأعلق
ع هو للأعشى وبعده:
وما كنت شاجردًا ولكن حسبتني إذا مسحل سدّى لي القول أنطق
شريكان فيما بيننا من هوادة صفيّان جنّيّ وإنس موفّق
وروى أبي عبيدة شاقردًا: وهو المتعلّم. ومسحل: شيطانه، وحسبتني: هنا في معنى اليقين.
وروى أبو عبيدة:
إنسيّ وجنّ موفّق
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٧، ٢٨٣ " لأعرابيّ:
خطبت فقالوا هات عشرين بكرة ودرعًا وجلبابًا فهذا هو المهر
ع رواه غيره:
ودرعًا وجلبابًا فذا أيسر المهر
فيكون أبلغ في المعنى، ويسلم الشعر من الإقواء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ٢٨٧، ٢٨٤ ":
وشعثاء غبراء الفروع منيفة بها توصف الحسناء أو هي أجمل
[ ١ / ٦٢٠ ]
ع وهما لرجل من بني سعد. ومثل هذا في الإلغاز، وتشبيه المرأة الحسناء بالنار قول الآخر.
ومشوبة لا يقبس الجار ربّها ولا طارق الظلماء منها يؤنّس
متى ما يزرها زائر يلق عندها عقيلة داريّ من العجم تفرس
يعني امرأة شبّهها بنار مشبوبة من حسنها كما قال العجّاج:
ومن قريش كل مشبوب أغرّ
ثم ألغز فقال:
لا يقبس الجار ربّها
يعني زوجها، أي لا يبديها حتى يراها الجار فيقبس من حسنها. والعقيلة: الخيار من كل شيء أراد مسكًا أو طيبًا نسبه إلى دارين. وتفرس: تشقّ فتفوح، أي لا تعدو أن يكون عندها طيب.
تم هنا شرح الجزء الأوّل من الأماليّ
[ ١ / ٦٢١ ]
//بسم الله الرحمن الرحيم