ع وفيه مما لم يفسّره: فحطّت إحداهن ثم طرقت الأخرى. فالخطّة في التراب: هي الأكرات ومنه سميّ الأكره وهم الفلاّحون وأصل الكلمة فارسيّ. والطرق بالحصى: هو الصرف بالحبّ. قال لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقولها:
لا أبرح فتى إن جدّ في طلب
يقال أبرح في الشيء وبرّح إذا بلغ وأفرط وأتى بالبرح: وهو الشدّة، ويقال أبرحت من أراد اللحوق بك: أي لقي دون ذلك برحًا.
قال الشنفري:
فإن يك من جنّ لأبرح طارقًا وإن يك إنسًا ما كذا الإنس تفعل
ومنه قولهم ضرب مبرّح. وقال الأعشى:
أقول لها حين جدّ الرحيل أبرحت ربًّا وأبرحت جارا
وقال عباس بن مرداس:
وقرّة يحميهم إذا ما تبدّدوا ويطعنهم شزرًا فأبرحت فارسا
[ ١ / ٣٨٨ ]
وجواب قولها:
إن جدّ في طلب
قولها أبرح فتى أي أتى بالشدّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٤، ١٤٤ ":
منّا الذي ربع الجيوش لصلبه عشرون وهو يعدّ في الأحياء
ع والبيت لأبي النجم من قصيدته التي أوّلها:
علق الهوى بحبائل الشعثاء والموت بعض حبائل الأهواء
ولّما أنشد عبد الملك هذه القصيدة وقيل لسليمان فأتى على هذا البيت:
منا الذي ربع الجيوش لصلبه
قال له الخليفة: قف فإن كنت صدقت في هذا فحسبك به فخرًا. وكان الفرزدق حاضرًا فقال: أنا أعرف منهم ستة عشر ومن ولد ولده أربعة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٤، ١٤٤ ":
لك المرباع منها والصفايا
ع وهذا البيت لعبد الله بن عنمة الضّبيّ يرثي بسطام بن قيس الشيبانيّ وقتله بنو ضبّة. وكان ابن عنمة مجاورًا في بني شيبان فرثى بسطامًا حذرًا على نفسه فأحسن وقبل البيت:
يقسّم ماله فينا وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
أجدّك لن تراه ولا تراه تخبّ به عذافرة ذمول
إلى ميعاد أرعن مكفهرّ تضمّر في جوانبه الخيول
لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
[ ١ / ٣٨٩ ]
النشيطة: ما انتشطه الجيش قبل الغنيمة يكون للرئيس. والفضول: ما فضل على القسمة. والصفايا: ما اصطفاه الرئيس لنفسه كالجارية والفرس. وفي الحديث: كانت صفيّة بنت حيّ من الصفيّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٤، ١٤٤ " للحطئة:
لعمري لعزّت حاجة لو طلبتها أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
ع وقبله:
يقولون يستغني ووالله ما الغنى من المال إلاّ ما يعفّ وما يكفي
لعمري لشدّت حاجة لو علمتها أمامي وأخرى لو ربعت لها خلفي
فهلاّ أمرت ابني هشام فيربعا على ما أصابا من مئين ومن ألف
هكذا الرواية في البيت لعمري لشدّت يريد عظمت واشتدّ مطلبها يذهب به مذهب التعجّب. وأراد ابني هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانا يتّجران ببلاد الروم وفارس وبلاد الحبشة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٤، ١٤٤ " لرؤبة:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
هذا أول الرجز وبعده:
حمامة هاجت حمامًا سجّعًا أبكت أبا الشعثاء والسميدعا
معنى نوله ينبغي وأصله من التناول كأنه قال: تناول كذا وكذا، فإذا قال لا نولك فكأنه قال اقصد، هذا قول سيبويه وغيره من اللغويين، وفي كتاب العين: نولك: معناه حقّك، ورأيت لابن السكيت عن ابن الأعرابي قال: إذا جاء أن مع قولك نولك فلك أن ترفع نولك وتنصب وإلا فلا يكون إلاّ الرفع وأنشد:
هاجت ومثلي نوله أن يربعا
[ ١ / ٣٩٠ ]
رفعا ونصبا وأنشد:
أأن زمّ أجمال وفارق جيرة عنيت بنا ما كان نولك تفعل
رفعًا لا غير وروى عن أبي علي ما كان نولك بفتح اللام وكذلك وقع في أصله من كتاب الإبدال لابن السكيت " ص٧ " وهو مذهب الكوفيين معناه ما كان منفعة لك أن تفعل أي ما كان منفعة لك هذا الفعل ولا حظًّا، والنول: المنفعة والحظّ تقول قد نلت الرجل إذا نفعته، وقد نال فلان فلانًا إذا نفعه. وقال ابن الأنباري في إعراب هذه المسألة وجهان ما كان نولك أن تفعل بنصب النول على خبر كان ورفع أن بكان وهو أجود كما قال الله تعالى " ما كان حجّتهم إلا أن قالوا "، والوجه الآخر أن يجعل النول اسم كان وأن خبرها وكذلك قرأ الحسن، والوجه عند البصريّين ما كان نولك بالرفع. قال سيبويه تقول نولك أن تفعل لأنهم جعلوه معاقبًا لقولهم ينبغي لك أن تفعل كذا وصار بدلًا منه فدخل فيه ما دخل في ينبغي.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٤ ":
وعلبة نازعتها رباعي وعلبة عند مقيل الراعي
يريد علبة نازعها فصاله أي حلب ورضعت هي وعلبة أخرى أبقاها في الموضع الذي يأوي إليه الراعي إذا قال أعدّها للضيفان والقرى. وقال عيسى بن عمر كره استقصاء الحلب إبقاء على الرباع. وقال اليزيدي أنشدني الطوسيّ:
ما إن بلعت اليوم من بلاع غير ثمان علب تباع
وعلبة نازعتها رباعي وعلبة هرقتها بالقاع
[ ١ / ٣٩١ ]
وقال القاع المكان الواسع يعني بطنه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٤ " لذي الرمّة بيتين أولها قد تقدم ذكره " ص٤٠ "، وأما الثاني فصلته قال وذكر الثور:
إذا ذابت الشمس اتّقى صقراتها بأفنان مربوع الصريمة معبل
يحفّره عن كلّ ساق دفينة يثير الكباب الجعد عن متن محمل
ذوبان الشمس: لعابها وهو شيء تراه مثل نسج العنكبوت يتطاير في الهاجرة. والصقرات: شدّة الحرّ. والصريمة: رملة منقطعة عن الرمل. وأعبل شجرها: إذا بدأ في التوريق والخضرة. والعبل: اسم الورق. وأعبل أيضًا: إذا سقط ورقه وهما قولان الأول قول أبي نصر، والثاني قول الأصمعيّ، واحتجّ أبو نصر ببيت ذي الرمّة هذا وقال إن كان الإعبال سقوط الورق فكيف يستظلّ بها وهي جرداء عارية، وقال الأصمعي إنما أراد أنه يتوقّى الشمس بالأغصان يصف الثور بالجلد على حرّ الشمس. والكباب: الثرى الذي قد لزم بعضه بعضًا. والجعد مثله. وشبّه عرق الأرطاة لحمرته وطوله بمحمل السيف وهذا كما قال سحيم العبد:
يثير ويبدي عن عروق كأنّها أعنّة خرّاز جديدًا وباليا
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤٥، ١٤٥ " للهذليّ:
من المربعين ومن آزل إذا جنّه الليل كالناحط
ع هذا الشعر لأسامة بن الحرث وقد تقدم ذكره " ص٢١ " وأما البيت فصلته:
[ ١ / ٣٩٢ ]
إذا بلغوا مصرهم عجّلوا من الموت بالهميع الذاعط
من المربعين ومن الخ، الهميع: الموت المعجّل. والذاعط: الذابح ضربه مثلًا. وربع هي المعروفة وأربع قليلة وقال أبو الفتح من المربعين أي جعلوا من أولئك الذين حمّوا الربع. ومن آزل: يقول من رجل في أزل وفي ضيق. والناحط: الذي يزفر وهو مثل الأنين من شدة الذي به من المرض.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٥، ١٤٥ ":
واعرورت العلط العرضيّ تركضه أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
ع هذا البيت من قصيد أنشدها الأصمعي في كتب شتّى. قال أبو الحسين عليّ بن أحمد المهلّبيّ: أنشدناها أبو إسحاق النجيرميّ قال أنشدنا اليزيدي عن عمّه قال أنشدنا ابن أخي الأصمعي عن عمّه. قال أبو الحسين المهلّبي هذه القصيدة للأصمعيّ، وقبل هذا البيت منها:
هلاّ سألت جزاك الله صالحة إذ أصبحت ليس في حافاتها قزعه
[ ١ / ٣٩٣ ]
أيّ امرئ أنا في عسر وفي يسر إذا رأيت وجوه القوم ممتقعه
واعرورت العلط العرضيّ تركضه أمّ الفوارس بالدئداء والربعه
قوله ليس في حافاتها: يعني السماء وإن لم يتقدم لها ذكر كما قال تعالى: " حتّى توارت بالحجاب ". والقزع: قطع السحاب. والعلط: البعير الذي لا وسم عليه. والعطل: المرأة التي لا حلى عليها وربما قالوا في الذي لا وسم عليه معطول. قال السليك:
يا ربّ نهب قد حويت معطول
وإنما يترك غير موسوم لوجهين: إمّا أن يكون من خيارها فيشفق عليه من الكيّ، أو يكون من صغارها التي لم ترض وهذا هو الذي أراد في البيت. وأمّ الفوارس التي بنوها فرسان يحمونها اعرورت هذا البكر الصعب لمفاجأة الغارة لها فما حال من لا حماة لها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٥ " للأخطل:
ما في معدّ فتى يغني رباعته
ع وصلته قال الأخطل يمدح مصقلة بن هبيرة الشيبانيّ:
ضخم تعلّق أشناق الديات به إذا المئون أمرّت فوقه حملًا
ما في معدّ فتى يغني رباعته إذا يهمّ بأمر صالح فعلا
أغرّ لا يحسب الدنيا تخلّده ولا يقول لشيء فات ما فعلا؟
[ ١ / ٣٩٤ ]
الشنق ما دون الدية وجمعه أشناق.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٥ " للعجّاج:
رباعيًا مرتبعًا أو شوقبا
ع صلته:
كأنّ تحتي أخدريًّا أحقبا رباعيًا مرتبعًا أو شوقبا
شذّب عن عانته ما شذّبا من الجحاش واستفزّ التولبا
أخدريّ: حمار من حمر الوحش يقال لها بنات أخدر كانت بين العراق وكاظمة. ورباعيًا: يعني الحمار. مرتبعًا: يرتبع في الربيع. والشوقب: الطويل. وشذّب: أي نفى ويقال جذع مشذّب إذا أخذ ما عليه من الليف ونفي عنه. والجحش فوق التولب في سنّه. واستفزّ: أي استخفّ يقول فرّقها عنها غيرة عليها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٦، ١٤٦ ":
يا ليت أمّ الفيض كانت صاحبي
ع وتمامها:
وقبضت منّي على الرواجب
قوله مكان من أنشأ: أراد من أنشأ أي أقبل فخفّف الهمزة كما قرئ سال سايل وقال هذا على لغة من قال سلت في سألت وقد قيل إنه من السيلان وحذف الهمزة من أصلها كثير قال أبو خراش:
[ ١ / ٣٩٥ ]
وما بعد أن قد هدّني الدهر هدّة تضال لها جسمي ورقّ لها عظمي
أراد تضاءل وحكى أبو زيد لاب لك يريد لا أب لك. وقوله تحت ليل ضارب: يقال يوم ضارب وليل ضارب إذا كانا طويلين. وقوله بكفّ خاضب: أراد بكفّ خضيب فأخرجه مخرج عيشة راضية أي مرضيّة وماء دافق أي مدفوق وأنشد ابن الأعرابيّ:
لو صاحبتني ذات خلق ثوهد ورابعتني واتّخذنا باليد
إذًا لقالت ليتني لم اولد
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٤٧، ١٤٦ " لرؤبة:
دعوت ربّ العزّة القدّوسا
ع هذه الأشطار أوّل الرجز يمدح بها أبان بن الوليد وكان صاحب كرمان فوفد عليه يستمنحه في دين أثقله وبعدها:
والدين يحمى هاجسًا مهجوسًا مغس الطبيب الطعنة المغوسا
الهاجس: ما هجس في الصدر من أحزان وفكر. والمغس: الطعن. يقول كما يمغس الطبيب: أي كما يطعن في الجرح.
وفي شعر مصادر " ١ - ١٤٤، ١٤٣ " مما لم يفسّره أبو عليّ قوله:
فيا واثقًا بالدهر كن غير آمن لما تنتضيه الباهضات الفوادح
يقال بهظه الأمر بهظًا إذا غلبه وأثقله وقوله:
مجيرك منه الصبر إن كنت صابرًا وإلاّ كما يهوى العدوّ المكاشح
أراد وإلاّ تصبر فحذف الجواب لدليل أول الكلام عليه، وكما خبر لابتداء مضمر، أراد وإلاّ أنت كما يهوى العدوّ المكاشح.
[ ١ / ٣٩٦ ]