ع قال الأخفش هو مقاس بن عمرو بن عثمان بن ربيعة بن عائدة قريش، وبنو عائدة يقولون إنه خزيمة بن لؤيّ بن غالب بن فهر. فهم عائدة قريش وهم في بني أبي ربيعة ابن ذهل بن شيبان. ومقّاس لقب واسمه مسهر ويكنى أبا جلدة وزعم صاعد بن الحسن أنه مسهر بن النعمان بن عمرو من أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فهو على قوله حليف لعائذة
[ ١ / ٢١٢ ]
قريش ولذلك قيل له عائذيّ وهذا خطأ. وقال ابن الكلبي اسمه يعمر بن عمرو لقب مقّاسًا بقوله:
مقست لهم ليل التمام بفتية إلى أن بدا خيط من الفجر طالع
ويروى:
مقست بهم ليل التمام مشمرّا
مقست بهم بمعنى دخلت بهم. وذكر اللغويون أن اشتقاق اسمه من قولهم مقست نفسه وتمّقست أي غثت. وهو شاعر مجيد مقلّ قال:
ثم زادوني عذابًا نزعوا عني طساسي
قال أبو علي قال لي أبو الميّاس: الطساس الأظفار ولم أجد أحدًا من مشايخنا يعرفه.
قال المؤلف قد عرفه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال:
كأن الحميم على جسمها إذا اغترفته بأطساسها
جمان يجول على فضّة جلته حدائد دوّاسها
يعني إذا كفّته بأطراف أصابعها وأظفارها تطرحه عن جسمها. وأكثر الناس يمرّ على هذا البيت صفحًا ولا يدري ما معنى إذا اغترفته بأطساسها. وإنما نبّه الوليد على هذا التشبيه امرؤ القيس بقوله:
إذا ما استحمّت كان فضل حميمها على متنتيها كالجمان على الحال
[ ١ / ٢١٣ ]
أنشد أبو علي " ١ - ٥٧، ٥٦ " لدكين الراجز:
لم أر بؤسًا مثل هذا العام
ع هود كين بن رجاء الفقيمي راجز إسلاميّ. وقوله: " أرهنت ورهنت يقالان " قال غيره يقال رهنت في الرهن وأرهنت في القمار والمخاطرة ففرّق بينهما ويقال أرهنتك الشيء أعطيتكه لترهنه وأرهنت بالسلعة: غاليت بها.
قال أبو علي: الحتامة البقيّة من كل شيء.
ع والمعروف أن الحتامة ما بقي على المائدة من الطعام يقال: تحتّمت أكلت الحتامة وفي الحديث: من أكل وتحتّم دخل الجنة. وهي الحثالة أيضًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٨، ٥٧ " للشمّاخ:
فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي
ع وصلته:
نبّئت أن ربيعًا أن رعى إبلًا يهدي إليّ خناه ثاني الجيد
وإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي لا يدركنّك إفراعي وتصعيدي
وإن أبيت فإني واضع قدمي على مراغم نفّاخ اللغاديد
يعني ربيع بن علباء السلميّ. أن رعى إبلًا أي: كثرت إبله ليس أنه يرعاها بنفسه. واللغاديد تنتفخ من الإنسان عند الغضب. ومثل قوله: أن رعى إبلًا قول البعيث يهجو جريرًا:
أأن أمرعت معزي عطيّة وارتعت تلاعًا من المرّوت أحوى جميعها
تعرّضت لي حتى صككتك صكّة على الرأس يكبو لليدين أميمها
[ ١ / ٢١٤ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٨، ٥٧ ":
نفرعه فرعًا ولسنا نعتله
ع هو لأبي النجم في أرجوزته المشهورة في الرهان وصلته:
يبري لنا طاو كريم أبجله تبوّع الذئب خبيبًا عسله
نفرعه فرعًا ولسنا نعتله مرًّا نفدّيه ومرًّا نعذله
نعتله: أي نتلّه كما يتلّ الرجل إلى السلطان ونعذله لنشاطه وإتعابه لنا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٨، ٥٧ " للأعشى:
صددت عن الأعداء يوم عباعب صدود المذاكي أفرعتها المساحل
ع قبله:
متى تأتنا تعدو بسرجك لقوة صيود تجنّبنا ورأسك مائل
صددت عن الأعداء
يقوله الأعشى لقيس بن مسعود بن خالد الشّيبانيّ، ويعيّره فرار اليوم المذكور.
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٨، ٥٨ " لأوس بن حجر:
وشبّه الهيدب العبام
ع قبله:
والحافظ الناس في تحوط إذا لم يرسلوا خلف عائذ ربعًا
وعزّت الشمأل الرياح وقد أمسى كميع الفتاة ملتفعا
وشبّه الهيدب العبام من الأقوام سقبًا مجلّلًا فرعا
السّنة إذا عمّت بالجدب فهي تحوط. واللفاع اللحاف. يقول أمسى كميع الفتاة مجانبًا لها لا يريدها من الجهد وشدّة الزمان. والهيدب الذي عليه أهدام أي خلقان تذبذب
[ ١ / ٢١٥ ]
كأنه هيدب السحاب. والعبام الكليل اللسان وقيل العبام الغليظ الخلقة في حمق. وقوله مجلّلًا فرعا ويروى ملبّسًا فرعا يريد جلد فرع تلبسه سقبًا آخر لكي تدرّ أمّه عليه فشبّه الرجل بما عليه من تلك الأهدام والثياب لشدّة البرد بهذا السقب المجلّل بهذا الجلد. ومثل قوله مجلّلًا فرعًا قول الراجز:
كأن خزًّا تحته وقزًّا أوفرشًا محشوّة إوزًّا
أراد ريش إوزّ.
أنشد أبو علي " ١ - ٥٩، ٥٨ " للهذليّ:
يقرّبه النهض النجيح لما يرى ومنه بدوّ مرّة ومثول
ع هذا البيت لخويلد بن مرّة يكنى أبا خراش يصف صقرًا يصيد أرنبًا وبعده:
[ ١ / ٢١٦ ]
فأهوى لها في الجوّ فاختلّ قلبها صيود لحبّات القلوب قتول
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٩، ٥٨ " للنابغة الذبياني:
وكلّ مدجّج كالليث يسمو
ع صلته:
وهم زحفوا لغسّان بزحف رحيب السرب أرعن مرثعن
بكلّ مجرّب كالليث يسمو على أوصال ذيّال رفنّ
وضمر كالقداح مسوّمات عليها معشر أشباه جنّ
قال أبو علي: ذيّال طويل الذنب يعني بها بني أسد وكانوا حلفاء بني ذبيان. رحيب السرب: أي واسع الطريق حيث سرب يعني كثرته. والمرثعنّ الثقيل لا يكاد يبرح من كثرته. وقال أبو عمر مرثعنّ: مضطرب من كثرته. والمدجّج: الفارس المتكفّر في شكّته مأخوذ من الدجّة وهي الظلمة، وليل دجوج وديجوج. وقوله أشباه جنّ: يريد في المضاء والجرأة وأنّهم لا يتهيّبون شيئًا والعرب إذا بالغت في الصفة بالشهامة أو بالحسن جعلته من الجنّ كأنه خارج عن حدّ الآدميّين، ألا تسمع قول قيس بن زهير، وقيل بل قاله حاتم الطائي في بني زياد الكملة من فاطمة بنت الخرشب:
بنو جنّيّة ولدت سيوفًا قواطع كلّها ذكر صنيع
وقال أبو الطيب في النسيب:
إنسيّة الأنساب إن هي حصّلت جنّيّة الأبوين ما لم تنسب
وقال آخر في الجرأة والشدّة وهو أبو جويرية:
[ ١ / ٢١٧ ]
جنّ إذا فزعوا إنس إذا أمنوا مرزّؤون بهاليل إذا احتشدوا
وقال الفرزدق:
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جنًّا إذا ما نجهل
وقول أبي علي: ذيّال طويل الذنب قول محذوف لا يكون ذيّالًا حتى يكون طويلًا طويل الذنب فإن كان قصيرًا طويل الذنب فهو ذائل، أو ذيّال الذنب فيضيفون.
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٩، ٥٨ " لذي الرمّة:
إذا ابن أبي موسى بلالًا بلغته فقام بفأس بين وصليك جازر
ع وقبله:
أقول لها إذ شمّر الليل واستوت بها البيد واستنّت عليها الحرائر
تشمير الليل: ذهابه وقلوصه. واستوت بها البيد: أي سارت في سوائها ومعظمها، يخاطب بهذا ناقته وبئس ما جزاها كما قال رسول الله ﷺ للمرأة التي هاجرت إليه من مكة على ناقة فقالت: إني نذرت إن بلّغتني إليك أن أنحرها. فقال بئس ما جزيتها. وإنما تبع ذو الرمّة في هذا الشماخ فإنه قال يمدح عرابة بن أوس:
[ ١ / ٢١٨ ]
إذا بلغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين
فنعم المرتجى رحلت إليه رحى حيزومها كرحى الطحين
وغرض الشاعر في ذلك أنه لا يبالي لأن الممدوح يحمله ويعطيه. والمذهب الأحمد في ذلك قول عبد الله بن رواحة حين خرج في جيش مؤتة:
إذا بلّغتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وتبعه داود بن سلم فقال يمدح قثم بن العبّاس:
نجوت من حلّ ومن رحلة يا ناق إن قرّبتني من قثم
إنك إن بلّغتنيه غدا عاش لنا اليسر ومات العدم
وتبعهما أبو نواس فقال وأحسن:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدًا فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الثرى فلها علينا حرمة وذمام
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٩، ٥٨ " لامرئ القيس:
فيالك من ليل كأن نجومه.
ع صلته:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومه بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
كأن الثريّا علّقت في مصامها بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
قوله ألا انجل: العرب إذا برمت بشيء أو ضجرت منه خاطبته بمثل هذا وإن كان
[ ١ / ٢١٩ ]
لا يجدي وإنما ذلك استراحة حتى قال بشر وهو يصف ثورًا قد تقوّض عليه كناسه في ليلة قرّة مطيرة:
فبات يقول أصبح ليل حتى تجلّى عن صريمته الظلام
كأن الثور من ضجره بطول الليل يخاطبه بهذا. والمصام المكان الذي لا تبرح منه كمصام الفرس وهو مربطه وأصله من صام إذا قام ولم يرم موضعه. وهذه المعاني مما سبق إليها امرؤ القيس فتبعه الناس قال الطرمّاح في معنى البيت الأول:
ألا أيها الليل الطويل ألا اصبح ببمّ وما الإصباح فيك بأروح
على أن للعينين في الصبح راحة بطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
وقال آخر في معنى البيت الثاني:
أراقب في السماء بنات نعش ولو أسطيع كنت لهن حادي
كأن الليل أوثق جانباه وأوسطه بأمراس شداد
وأنشد أبو علي " ١ - ٥٩، ٥٩ " للأعشى:
نبيّ يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وقبله:
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم تريحي وتلقي من فواضله ندا
نبيّ يرى ما لا ترون إلخ.
له صدقات ما تغبّ ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا
[ ١ / ٢٢٠ ]
يمدح بهذا الشعر النبيّ ﷺ حين قدم مكة يريد المدينة والوفود على النبيّ ليسلم فقالت له كفّار قريش ما قد تقدم ذكره " ص ٢٢ " وأنشد أبو علي " ١ - ٦٠، ٥٩ " للهذليّ:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
ع هو لعبد مناف بن ربع الهذليّ وهو أول الشعر وبعده:
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبًا من بطن حلية لا رطبًا ولا نقدا
إذا تجاوب نوح قامتا معه ضربًا أليمًا بسبت يلعج الجلدا
يقوله في أختيه وبكائهما على أبيهما يقول كأن في أجوافهما قصبالمزامير من شدة البكاء. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ: كان يبكي في صلاته حتى يسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل. ويلعج: أي يحرق.
أنشد أبو علي " ١ - ٦٠، ٦٠ " لعديّ بن زيد:
ربّ نار بتّ أرمقها
ع وصلته:
يا لبيني أوقدي النارا إنّ من تهوين قد حارا
ربّ نار بتّ أرمقها تقضم الهنديّ والغارا
عندها ظبي يؤرّثها عاقد في الجيد تقصارا
شادن في عينه حور وتخال الوجه دينارا
الهندي يعني الألنجوج ويؤرّثها أي يوقدها ويشبّها. والتقصار القلادة.
وهو عديّ نب زيد بن حمار بن أيوب من بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم جاهلي
[ ١ / ٢٢١ ]
ّ من أهالي الحيرة يكنى أبا عمير. وأيّوب جدّه أوّل من سمّى من العرب بأيّوب. وقال ابن دريد: وإنما قيل لقوم عديّ العباد لأنهم قوم شتّى اجتمعوا على النصرانيّة وأنفوا من أن يقل لهم العبيد فتسمّوا بالعباد. وقال الطبري في قوله تعالى: " وقومهما لنا عابدون " معناها مطيعون ومنه قيل لأهل الحيرة العباد لأنهم كانوا طاعة لملوك العجم، والعرب تقول رجل عابد إذا دان للملك. وقال أحمد بن أبي يعقوب إنما سميّ نصارى الحيرة العباد لأنه وفد على كسرى خمسة منهم فقال للأول: ما اسمك؟ قال: عبد المسيح. وقال للثاني: ما اسمك؟ قال: عبد ياليل. وقال للثالث: ما اسمك؟ فقال: عبد عمرو. وقال للرابع: ما اسمك؟ قال: عبد ياسوع. وقال للخامس: ما اسمك؟ قال: عبد الله. فقال: أنتم عباد كلّكم فسمّوا عبادًا. قال كراع: معنى عبد ياسوع عبد الله قال القطاميّ:
وقد كنت تدعى عبد ياسوع مرّة فأخلفت والإخلاف من سيّئ الذكر
وأنشد أبو علي " ١ - ٦١، ٦٠ " لبشر:
فعدّ طلابها وتعزّ عنها بحرف قد تغير إذا تبوع
وبعده:
عذافرة تخيّل في سراها لها قمع وطلاّع رفيع
كأن الرحل منها فوق جأب شنون حين يقرعها القطيع
[ ١ / ٢٢٢ ]
عذافرة: شديدة. تخيّل في سراها من النشاط. والقمع: السنام. وجاب: أي غليظ يعني حمار وحش. والسنون: بين السمين والمهزول. والقطيع: السوط.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦١، ٦٠ " لكثيّر:
إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا
ع صلته:
إذا ذكرتها النفس ظلّت كأنّما عليها من الورد التهاميّ أفكل
وظلّت دموع العين تجري كأنها بوادي القرى من يابس الثغر تكحل
إذا قيل مهلًا غارت العين بالبكا غراء ومدّتها مدامع حفّل
ورواية اليزيدي عن محمد بن حبيب:
وآدتها مدامع بهّل
يقول كأن عينيه كحلتا بثغر فهي تسيل. والثغر: ضرب من النبت فيه حرارة يلذع العين إذا أصابتها، ثم قال: وإذا نهى عن البكاء غارت عينه من الغراء وهي الملاجّة، يقال غاراني فلان إذا لاججته فصنع مثل ما تصنع. ومن روى آدتها: فمعناه أعانتها ومدّتها. وبهّل: مطلقة من قولهم ناقة باهل إذا لم يكن لها صرار.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦١، ٦٠ " للهذليّ:
فرميت فوق ملاءة محبوكة
ع البيت لساعدة بن العجلان من بني تميم بن سعد بن هذيل وقبله:
يا رمية ما قد رميت مرشّة أرطاة ثم عبأت لابن الأجدع
فرميت فوق ملاءة محبوكة وأبنت للأشهاد حزّة أدّعى
مرشّة لها رشاش من الدم أي نضح وقيل أراد بها الدرع وصحيح عبارة الحزّة القطعة من الوقت لأن الحزّ القطع.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٢، ٦١ ":
فقد أودى إذا بلغ النسيس
[ ١ / ٢٢٣ ]
ع هو لأبي زبيد وصلته:
ولكنّي ضبارمة جموح على الأعداء مجترئ خبوس
متى تضمم يداه إليه قرنًا فقد أودى إذا بلغ النسيس
الخباسة: الغنيمة، والخبوس: الكثير الغنم. وقيل في النسيس أنه الجهد، وقيل النسيس أصل كل شئ.
قال أبو علي " ١ - ٦٢، ٦٢ " لما مات حصين بن الحمام سمعوا صارخًا يصيخ من جبل ويقول:
ألا ذهب الحلو الحلال الحلاحل ومن عنده حزم وعزم ونائل
ومن عنده فضل إذا القوم أفحموا تصيب مرادي قوله ما يحاول
ع إذا قالت العرب فلان حلال فإنما يريدون أنه ليس عليه أليّة في ماله يحرم بها عليه بذله من قولك رجل حلال إذا خرج من إحرامه، وكذلك الشهر الحلال الذي ليس من الأشهر الحرم ومثل هذا البيت قول الآخر وهو عكرشة أبو الشغب:
رأيت رباطًا حين تمّ شبابه وولّى شبابي ليس في برّه عتب
إذا كان أولاد الرجال مرارة فأنت الحلال الحلو والبارد العذب
وقال جرير فبيّن ما ذكرته:
ولا خير في مال عليه أليّة ولا في يمين عقّدت بالمآثم
[ ١ / ٢٢٤ ]
وأنشد ابن الأعرابي لرجل يخاطب امرأة:
فلا وأبيك لا أولى عليها فتمنع طالبًا منيّ يمين
فإني لست منك ولست منّي إذا ما طار من مالي الثمين
وقال الأقرع بن معاذ في مثله:
إنّ لنا صرمة تلفي محبّسة فيها معاد وفي أربابها كرم
تسلّف الجار شربًا وهي حائمة ولا يبيت على أعناقها قسم
ونسبهما صاعد إلى الحكم الخضريّ وقال بشّار يهجو بخلاف ذلك:
إذا جئته في حاجة سدّ بابه فلم تلقه إلاّ وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا وفي كل معروف عليك يمين
ويرويه أبو علي: ألا ذهب الحلو الخلال الحلاحل على الإضافة بالخاء معجمة جمع خلة. وقوله: تصيب مرادي قوله ما يحاول. المرداة حجر يرمى به يقال رديت الرجل أرديه إذا رميته، والمرداة أيضًا حجر يكون عند جحر الضبّ، يقال في المثل " كل ضبّ
[ ١ / ٢٢٥ ]
عند مرداته " أي يقرب منه حتفه لأنه يرمي به فيقتل. ومعنى المثل لا تأمن الآفات والغير فإن الآفات معدّة مع كل أحد، والضبّ سيء الهداية فذلك الحجر يهتدي به إليه ويقال راديت الرجل ورادسته إذا راميته.
والحصين المؤبّن بهذا الشعر هو الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب مرّيّ من بني سهم بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان وهو سيّد بني سهم، وكان شاعرًا فارسًا وهو جاهلي وزعم أبو عبيدة أنه أدرك الإسلام وكان يقال له مانع الضيم وقدم ابن ابنه على عبد الملك بن مروان، فاستأذن عليه وقال: أنا ابن مانع الضيم، فقال هذا لا يكون إلاّ ابن حصين بن الحمام أو ابن عروة بن الورد.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٣، ٦٣ ":
يقرّ بعيني أن أرى من مكانه ذرى عقدات الأبرق المتقاود
ع هذا الشعر لنبهان بن عكّيّ العبشميّ. وقوله فيه:
وألصق أحشائي ببرد ترابه
هذا مذهب لكثير من الشعراء الاستشفاء بالملامسة وإلصاق الأحشاء بمواطن الأحبّة، وقد أنشد أبو علي متّصلًا بهذا لّما كان مجانسًا له:
أمسّ العين ما مسّت يداها لعلّ العين تبرأ من قذاها
وقال المدائني: رئى عروة بن حزام عند حياض عفراء وقد ألصق قلبه بأرجائها كالمستشفي بذلك. فقال له رجل ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ فأجابه:
بي اليأس أو داء الهيام أصابني فإيّاك عني لا يكن بك ما بيا
لمّا رآه جاهلًا بدائه دعا له أن لا يبتلي به ولم يؤاخذه بعتابه. وقال أبو الطيّب:
[ ١ / ٢٢٦ ]
وليلًا توسّدنا الثويّة تحته كانّ ثراها عنبر في المرافق
بلاد إذا زار الحسان بغيرها حصى تربها ثقبّنه للمخانق
صار الثرى عنده عنبرًا، والحصى جوهرًا والملمس الخشن ليّنًا، والمشمّ التفل طيبًّا. وما أحسن ما نظم بعض المحدثين معنى بيت أبي الطيب. فقال في صفة روضة وهو المنازيّ كاتب أبي مروان صاحب ميّا فارقين:
وقانا وقدة الرمضاء روض وقاه مضاعف الظل العميم
قصدنا نحوه فحنا علينا حنوّ الوالدات على اليتيم
يراعى الشمس أنّى قابلتنا فيحجبها ويأذن للنسيم
وسقّانا على ظمإ زلالًا ألذّ من المدام مع الكريم
تروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم
فهذه أبرع عبارة وأبزغ إشارة. ومن استشفاء الأحبّة بما ماسّ المحبوب قول أعرابي من بني كلاب:
ماذا عليك إذا خبّرتني دنفا رهن المنيّة يومًا أن تعوديني
فتجلى نطفة في القعب باردة فتغمسي فاك فيها ثمّ تسقيني
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٣، ٦٣ ":
آل ليلى إنّ ضيفكمو ضائع في الحيّ مذ نزلا
ع أنشدهما ابن مقسم في نوادره لأبي العتاهية وفي أخبار ابن عيينة أن الشعر له وقبل البيتين في رواية من ذكر أنه لابن عينية:
[ ١ / ٢٢٧ ]
أقبلت دنيا فواجذلا جذل الغازي إذا قفلا
وإذا ولّت فواحزنا حزن الوالي إذا عزلا
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٣، ٦٣ ":
إن كان غرّك إطراقي أبا حسن فالسيف يطرق حينًا قبل هزّته
ع إطراقه أنّه لا يضطرب قبل أن يهزّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٤، ٦٣ ":
يا مرّ يا خير أخ نازعت درّ الحلمة
الشعر لسالم بن دارة قاله ابن الأعرابي في كتاب الألفاظ وأنشده:
يا قرّ يا خير أخ
هكذا في أصل أبي علي في كتاب النوادر لابن الأنباري بخطّ أبي علي:
يا عمرو يا خير فتى
وروى ابن الأنباري:
يا خير من أوقد للأ ضياف نارًا جحمه
ضيفك لا يشقى به إلاّ العسير السنمه
بخطّ أبي علي في ذلك الكتاب: العسير الناقة التي لم ترض، والأشبه أن تكون العسير هنا الناقة التي لم تكمل سنتها فذلك أقوى لها وأكثر لنقيها وهو لا يعقر إلاّ خيارها
[ ١ / ٢٢٨ ]
أو تكون التي شالت بذنبها للّقاح لأن النفس أشحّ عليها. ورزمة لها رزمة: أي صوت من شدّة المطر. والينمة: نبت طيّب الريح وأنشد ثعلب:
يا رب بيضاء على مهشّمه أعجبها أكل البعير الينمه
مهشّمة: موضع. وأعجبها: أصارها إلى التعجّب منه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٤، ٦٤ " للأخطل:
أضمًا وهزّ لهنّ رمحي رأسه
وصلته قال يصف الثور والكلاب:
حتى إذا ما الثور أفرخ روعه وأفاق أقبل نحوها يتذمّر
فعرفن حين رأينه متحمّسًا يمشي بنفس محارب ما يذعر
أضمًا يهزّ لهن رمحي رأسه أن قد أتيح لهنّ موت أحمر
أفرخ روعه: أي ذهب فزعه. ويتذمّر: أي يهمهم كذلك قال أبو عبيدة وقال غيره يتذمّر: أي يحضّ نفسه على الإقدام يقال تذامر القوم إذا حضّض بعضهم بعضًا، وذمرته أنا حضضته. ومتحمّس: متشدّد. وحمس الوغا: أي اشتدّ، والموت الأحمر الشديد. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه، أي اشتدّ البأس، وقال قوم: الموت الأحمر هو القتل لما فيه من الدم، والموت الأغبر: هو الموت جوعًا وذلك أنه يغبرّ في عينه كلّ شيء.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٤، ٦٤ " للهذليّ:
كأن محرّبًا من أسد ترج
ع الشعر لأبي ذؤيب خويلد بن خالد بن محرّث الهذلي جاهلي إسلامي وقبل البيت:
فإنك إن تنازلني تنازل فلا تكذبك بالموت الكذوب
كأن محرّبًا من أسد ترج ينازلهم لنابيه قبيب
[ ١ / ٢٢٩ ]
يريد لا تكذبك نفسك وهي الكذوب، ومثله قول العبديّ:
فأقبل نحوي على قدرة فلّما دنا أكذبته الكذوب
وقبيب: صوت وهو القبقبة وأنشد:
قبقبة الجرّ بكفّ المستقي
يريد صوت الجرّة.
وأنشد أبو علي:
ومؤتضم عليّ لأن جدّي يبذّ جدوده المتقدمينا
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٤ " لرؤبة:
وطامح النخوة مستكتّ
قبله:
فإن تريني أحتمي بالسكت فقد أقوم بالمقام الثبت
أشجع من ذي لبد بخبت يدقّ صلبات العظام رفتي
وطامح النخوة مستكتّ طأطأ من شيطانه التعتيّ
صكّي عرانين العدى وصتّي حتى ترى البيّن كالأرتّ
قوله أحتمي بالسكت: يقول أمتنع من أن أتكلّم لأني قد كبرت فأخاف أن أفنّد. وخبت: موضع بعينه مأسدة. والرّفت الدقّ والكسر. وقال الأصمعي: المستكتّ العظيم في نفسه وقيل هو الغضبان. وروايته طأطأ من شيطانه المعتّي من العتوّ وهو الصحيح وتوجّه رواية أبي علي على أنه أراد ذي التعتّي فحذف. وقال الأصمعي الصتّ الصكّ ولا يصرف. وقال غيره: الصتّ والصّيت الجلبة والصياح. وقيل الصت الرفع. وقيل الضرب باليد.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٥ " لرؤبة:
وقد ترى ذا حاجة مؤتضّا
[ ١ / ٢٣٠ ]
ع قبله:
داينت أروى والديون تقضي فمطلت بعضًا وأدّت بعضا
وهي ترى ذا حاجة مؤتضّا ذا معض لولا يردّ المعضا
المؤتضّ الملجأ المضطرّ يقال أضّني ذلك الأمر يؤضّني. وقال الأصمعي: المعض الكراهية يقال معض يمعض معضًا ومعضا. وقال ابن دريد: يقال أمعضه الأمر ومعضه إذا مضّه.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٥ ":
أبصرت ثمّ جامعًا قد هرّا
ع جامع اسم رام. وهي للمرّار الفقعسي وهو المرّار بن سعيد بن حبيب بن خالد بن نضلة الأشجّ ابن جحوان بن فقعس يكنى أبا حسّان شاعر إسلاميّ. والمرّارون من الشعراء سبعة، المرّار الفقعسي هذا، والمرّار العدويّ، والمرّار العجلي، والمرّار الطائيّ، والمرّار الشيبانيّ، والمرّار الكلبي، والمرّار الحرشي، وقد جمعتهم في كتاب الإحصاء لطبقات الشعراء.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٥ ":
إذا رآني قد أتيت قرطبا وجال في جحاشه وطرطبا
[ ١ / ٢٣١ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٥ " لذي الرمّة:
ظلّت تفالي وظلّ الجون مصطخمًا كأنّه بتناهي الرّوض محجوم
ع وبعده:
حتّى إذا حان من خضر قوادمه ذي جدتين يكفّ الطرف تغييم
خلّي لها سرب أولاها وهيّجها من خلفها لاحق الصقلين همهيم
يعني العير والأتن. ورواية أبي العباس:
وظلّ الجأب مكتئبًا كأنه عن سرار الأرض محجوم
ظلّت تفالي يفلي بعضها بعضًا، والحمار مكتئب لأنها تضرحه من أجل أنها حوامل. وسرار الأرض أكرمها وأخلقها للنبات. يقول منعه إفراط العطش أن يأكل لأنه إنما يأكل اليبيس فصار بمنزلة المحجوم من الإبل وهو المكموم الفم. وخضر قوادمه: يعني الليل والأخضر الأسود عند العرب، قال سبحانه في صفة الجنّتين بشدّة الخضرة: " مدهامّتان ". وقوادمه: أوائله. والجدّة: طريقة ممتدّة مثل الطرّة. وجعل إلباس الليل الأرض بمنزلة الغيم. خلّي لها سرب أولاها: أي خلاّها تتبع أواخرها سوابقها لما أرادت من الورد. وهيّجها: حثّها لطلب الماء. وهمهيم: ذو هماهم يردّدها في صدره. والتناهي في رواية أبي علي جمع تنهية وهي مواضع تنهبط ويجتمع إليها ماء السيل.
وأنشد أبو علي " ١ - ٦٥، ٦٥ ":
قوم إذا اشتجر القنا جعلوا القلوب لها مسالك
[ ١ / ٢٣٢ ]
اللابسين قلوبهم فوق الدروع لدفع ذلك
هذه إشارة إلى أنهم يقدّمون المدافعة بجنن الرأي والسياسة قبل المدافعة بجنن السلاح والبزّة لّما كان الحزم والتدبير وصحّة النظر في الأمور إنما تكون بالعقل والقلب هو الذي يعقل به كما قال الله سبحانه: " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " وقد بيّن هذا المعنى ابن نباتة بقوله:
لبسوا القلوب على الدروع حزامة منهم فليس تقلّم الأظفار
وقال أبو تمام:
من كل أروع ترتاح المنون له إذا تجرّد لا نكس ولا جحد
إذا رأوا للمنايا عارضًا لبسوا من اليقين دروعًا مالها زرد
فاليقين هنا بإزاء الحزامة في قول ابن نباتة والرأي هو المقدّم في الحروب كما قال أبو الطيّب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أوّل وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة بلغت من العلياء كلّ مكان
وقول ابن نباتة:
فليس تقلّم الأظفار
يعني لا يفلّ لهم حدّ ولا تخضد لهم شوكة كما قال الذبياني:
وبنو فزارة لا محالة أنهم آتوك غير مقلّمي الأظفار
وقال معن بن أوس:
[ ١ / ٢٣٣ ]
وذي رحم قلّمت أظفار ضغنه بحلمي عنه وهو ليس له حلم