من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة يصلي بنار كريم غير غدّار
قال المؤلف هكذا رواه أبو علي قيس بن رفاعة في أماليه. ورويته في إصلاح المنطق عن يعقوب: أبو قيس ابن رفاعة وهو الصحيح واسمه دثار وأنشد له هناك:
منا الذي هو ما إن طرّ شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب
[ ١ / ٥٦ ]
وقد ذكره أبو علي بعد هذا في كتابه فقال: أبو قيس ابن رفاعة، وذلك في الحديث الذي رواه الثوري عن أبي عبيدة، قال: كان أبو قيس ابن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّاني، فقال له يومًا وهو عنده: يا ابن رفاعة، بلغني أنك تفضّل النعمان عليّ، وساق الحديث إلى آخره. وهكذا ذكره ابن سلاّم أبو قيس. وهو من شعراء يهود من طبقة الربيع ابن أبي الحقيق النضيري ونظرائه. وهو شاعر مقلّ أحسبه جاهليًّا، وليس في الشعر الذي أنشده له عبد الملك مزيد. وقوله بلا ذنب ولا ترة يقول من صلى بناري أي من جاورني ولم يكن لي عنده ترة ولا أذنب عليّ ذنبًا صلى بنار كريم لا يغدر جاره ولا يخفر ذمتّه، والنار تضرب مثلًا للمجاورة، قال رسول الله ﷺ: أنا برئ من كل مسلم مع مشرك لا تتراءى ناراهما. أي لا تتدانى من قولك دورنا تناظر، وإذا أتيت موضع كذا فنظر إليك الجبل فخذ كذا. وقيل بل الناران مثل للحرب أي حرب المسلمين لله وحرب المشركين للشيطان، فكيف تتراءى. يقول: إنه لا يترك وترًا ولا يحلم عنه ولا يقصّر فيه كقوله في آخر الشعر: إني لدرّاك بأوتار الخ. وقوله: كي لا ألام على نهى: أراد على ترك نهى فحذف كما تقدم في قوله: وأهلك مهر أبيك الدواء. وقوله: لترجعنّ أحاديثا ملعّنة، أي مذمومة مبعّدة. وقوله: فإني له رهن بإصحار، أي لا أستتر عنه ولا أتحصّن منه بل أبدو له في البراز وأصحر إليه في الفضاء السهل كما قال الآخر:
[ ١ / ٥٧ ]
متى ما تزرنا آخر الدهر تلقنا بقرقرة ملساء ليست بقردد
أي لم تجدنا متحصنين، والقردد " كلّ " رابية مشرفة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٣، ١٢ "
عدتني عن زيارتها العوادي
قال المؤلف: هو للنابغة الذبياني وأول الشعر:
نأت بسعاد عنك نوى شطون فبانت والفؤاد بها رهين
بتبل غير مطّلب لديها ولكنّ المحاين قد تحين
عدتني عن زيارتها العوادي وحالت دونها حرب زبون
وحلّت في بني القين بن جسر فقد نبغت لنا منهم شؤون
وبهذا البيت سمي النابغة وهو زياد بن معاوية بن جابر بن ضباب من بني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان شاعر جاهلي يكنى أبا أمامة وأبا عقرب.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٣، ١٢ "
كأنها وقد براها الأخماس
قال المؤلف: هذا الرجز للشمّاخ بن ضرار بن سنان ذبياني مخضرم يكنى أبا سعد، ويقال: إن اسمه معقل والشماخ لقب، وقيل اسمه الهيثم والأول أكثر قال:
[ ١ / ٥٨ ]
كأنها وقد براها الأخماس ودلج الليل وهاد قسقاس
شرائج النبع براها القوّاس يهوي بهنّ بختريّ هوّاس
كأن حرّ الوجه منه قرطاس ليس لما ليس به بأس باس
ولا يضرّ البرّ ما قال الناس
قوله هوّاس: يغني يحطم ما مرّ به ومن هذا قيل للأسد هوّاس، وهذا كما قال الآخر:
قد لفّها الليل بسوّاق حطم
وأكثر الرواية وهاد قسقاس كما أنشدته أي دائب لا يفتر، ومنه قيل قرب قسقاس. والشريحة: الغصن من الشجرة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٤، ١٢ " لزيد الخيل:
يا بني الصيداء ردّوا فرسي
قال المؤلف بنو الصيداء من بني أسد وخبره أن فرسًا جوادًا ظلع لزيد في بعض غزواته فخلّفه في حيّ من الأحياء فأغارت بنو أسد على ذلك الحيّ فأخذته، فقال زيد البيتين وبعدهما:
لا تذيلوه فإني لم أكن يا بني الصيدا لمهري بمذيل
أحمل الزقّ على منسجه فيظلّ الضيف نشوانًا يميل
ويروي أن حبيب بن خالد بن نضلة الفقعسيّ أنشد قول زيد هذا:
[ ١ / ٥٩ ]
عوّدوا مهري الذي عوّدته فضحك وقال قولوا له: إنّا عوّدناه الذي عوّدته دفعناه إلى أوّل من يلقانا وهربنا، وهو زيد بن مهلهل بن " زيد بن " منهب طائيّ، وإنما سمي زيد الخيل لكثرة خيله لأنه لم يكن لأحد من قومه ولا لكثير من العرب إلاّ الفرس والفرسان، وكانت لزيد خيل كثيرة، فالتي ذكر منها في شعره ستة: الهطّال، والكميت، والورد، والكامل، وذؤول، ولاحق. ويكنى زيد أبا مكنف ويجوز في شعره التقييد والإطلاق وهذا لا يكون إلا في بعض ضروب الكامل وفي بعض الرمل وفي المتقارب.
مثال التقييد والإطلاق في الكامل:
أبنيّ لا تظلم بمكّة لا الصغير ولا الكبير
ومثاله في الرمل:
يا بني الصبداء
ومثاله في المتقارب:
وتهوي كجندلة المنجنيق يرمى بها السور يوم القتال
فهذه الأمثلة كلها يجوز فيها التقيد والإطلاق.
قال أبو علي " ١ - ١٤، ١٣ " الحوجاء الحاجة.
[ ١ / ٦٠ ]
ع على حوجاء كسّرت حوائج وكان الأصل حواجي فنقلت، وحكى المطرّز حائجة وحوائج فهذا على أصله. قال أبو علي والوتر الذحل بكسر الواو لا غير ع هذا وهم منه الواو تفتح وتكسر في الذحل. قرأ حمزة والكسائي " والشفع والوتر " بكسر الواو، وقيل أراد الصلاة المكتوبة وهي شفع ووتر وقيل الشفع يوم عرفة والوتر يوم الأضحى. وقال ابن عباس الوتر آدم شفع بحوّاء. وقال قتادة الخلق كله شفع ووتر أقسم به الله تعالى.