ع قد تقدم خبرهما، وفيه للخنساء:
معاذ الله يرضعني حبركي قصير الشبر من جشم بن بكر
[ ١ / ٧٨٢ ]
ألف حبركي للإلحاق، والأنثى حبركاة. ويرصع: ينكح. ويروى قصير الشبر: تصفه بالدمامة والقصر. وقد فسر أبو علي جميع ما في الخبر والأشعار الموصولة به.
وأنشد أبو علي للنمر:
ولقد شهدت إذ القداح توحدت وشهدت عند الليل موقد نارها
ع وبعده:
عن ذات أولية أساود ريها وكأن لون الملح فوق شفارها
قوله: إذ القداح توحدت: يقول اشتد الزمان وغلت الأسعار، فيضرب الرجل بقدح واحد على جزور، ولا يأخذ معه أحد لشدة الزمان، وقال الأصمعي توحدت: أي أخذ كل إنسان قدحًا واحدًا لغلاء اللحم. وعن ذات أولية: أي من أجلها، وهي ناقة قد أكلت وليًا بعد ولي من المطر. والمساودة: المسارة بالليل خاصة، يقول أسار ربها وأخدعه عنها. وقوله: وكأن لون الملح فوق شفارها يقول هي سمينة والبرد شديد فيجمد على شفارها.
وفي شعر خنساء الذي عارضت به دريدا:
يذكرني طلوع الشمس صخرا وأبكيه لكل غروب شمس
يذكرها طلوع الشمس للغارة، ويذكرها غروبها للضيفان، قال:
إذا ذر قرن الشمس عللت بالأسى ويأوى إلى الحزن حين تغيب
وقال أبو الشغب:
يا شغب ما طلعت شمس ولا غربت إلا ذكرتك والمحزون يدكر
[ ١ / ٧٨٣ ]
عزائي الناس عن شغب فقلت لهم ليس الأسى بسواء والأسى عبر
وقال الشمردل:
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا فحياك عني شرفه وأصائله
وأنشد أبو علي:
ما للكواعب يا عيساء قد جعلت تزور عني وتطوى دوني الحجر؟
قال ابن الأعرابي: هذا الشعر لعبد من عبيد بجيلة أسود. وفيه ذب الرياد: أصله ذبب وهو الذي عضه الذباب، فهو لا يستقر مثل نعر: للذي عضه النعرة وأصلها في الحمر. والرياد: مصدر راد يرود إذا طلب المرعى، يقال راد ريادا مثل عادد عيادا، ويحتمل أن يكون ذب الرياد من قولك هو يذب ذبا أي يطرد ثم نعته بالمصدر مثل صوم وعدل، أي إنه ذب في رياده لا يقر في مجيئه وذهابه، ويحتمل أن يكون الرياد جمعا لرائد كتاجر وتجار وقائم وقيام، فيريد بذب الرياد الذب منها، كما تقول فارس القوم، قال طهمان بن عمرو الكلابي:
ومن ناشط ذب الرياد كأنه إذا راح من برد الكناس فنيق
يعني ثورا وحشيا، وقال أبو حية النميري:
أذلك أم ذب الرياد خلا له لوى وكثيب مزبئر خمائله
ذب الرياد: أي كثير الذهاب والمجيء، وروى ابن الأنباري عن أحمد بن عبيد:
وكنت أمشي على رجلين معتدلا فصرت أمشي برجل ذبها الشجر
[ ١ / ٧٨٤ ]
وقد رواه بعضهم: فصرت أمشي برجل أختها الشجر وقال الليثي: إن الشعر لأبي الجون مولى أسماء بن خارجة، وهو القائل:
ألا فتى عنده خفان يحملني عليهما إنني شيخ على سفر
أشكو إلى الله أهوالًا أمارسها من العثار وأني سيىء النظر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم إن لم يكن لهم حظ من القمر
قال: فلما ذهب نور بصره كله قال في ذلك شعرًا كثيرا. وأنشد أصحاب السير لقردة بن نفاثة السلولي رجل من الصحابة أمره رسول الله ﷺ على بني سلول:
أصبحت شيخا أرى الشخصين أربعة والشخص شخصين لما مسني الكبر
وكنت أمشي على ساقين معتدلا فصرت أمشي على ما ينبت الشجر
وأنشد أبو علي:
فتى مثل صفو الماء ليس بباخل بخير ولا مهد ملامًا لباخل
[ ١ / ٧٨٥ ]
وأنشد أبو علي:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ود يوم تبلى السرائر
هو للأحوص، ومن أجله نفاه عمر بن عبد العزيز إلى دهلك وهي من قرى اليمن على ساحل البحر، فأتاه رجال من الأنصار فكلموه فيه، فقال عمر: من الذي يقول؟
كأن لبني صبير غادية أو دمية زينت بها البيع
الله بيني وبين قيمها يهرب مني بها وأتبع
قالوا الأحوص قال بل الله بين قيمها وبينه، فمن الذي يقول؟ سيبقى لها في مضمر القلب قالوا الأحوص قال: إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول، والله لا أرده ما كان لي سلطان. فلما ولي يزيد بن عبد الملك غنته حبابة ذات ليلة:
أيهذا المخبري عن يزيد بصلاح فداك أهلي ومالي!
ما أبالي إذا بقي لي يزيد من تولت به صروف الليالي
فسأل عن قائله، فأعلم أنه الأحوص، فرد الأحوص إلى المدينة من دهلك، وأجلي إليها عراك بن مالك الفقيه، وهاتان من نوادره، فأهل دهلك يروون الشعر عن الأحوض، والفقه عن عراك، وعراك كان أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز في انتزاع ما حازه بنو مروان من الفيىء والمظالم.
وأنشد أبو علي لسلم الخاسر:
أبلغ الفتيان مألكة أن خير الود ما نفعا
[ ١ / ٧٨٦ ]
ع هو سلم بن عمرو مولى بني تيم بن مرة ثم مولى أبي بكر الصديق، بصري من شعراء الدولة الهاشمية، وأختلف في تلقيبه بالخاسر، والسبب الموجب لذلك، فقيل إنه ورث من أبيه مصحفا فباعه واشترى بثمنه طنبورا، وقيل بل رده على الورثة وأخذ بدله دفاتر من شعر، وقيل بل ورث أباه مالًا جليلًا فأنفقه على الأدب، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة أنفقت مالك فيما لا تنتفع به. ثم مدح المهدى فأمر له بمائة ألف وقال: كذب بهذا المال أهلك وجيرانك، فجاءهم بها تحمل في الصناديق، وقال: أنا سلم الرابح لا الخاسر.
وأنشد أبو علي للمثقب، قال ويروى لعنترة:
وللموت خير للفتى من حياته إذا لم يثب للأمر إلا بقائد
ع هذه الأبيات ليست في ديوان شعر عنترة، ولا في ديوان شعر المثقب.
وأنشد أبو علي لرؤبة:
حتى تركن أعظم الجؤشوش: أشكو إليك شدة المعيش
وجهد أعوام برين ريشى نتف الحباري عن قرى رهيش
حتى تركن أعظم الجؤشوش حدبًا على أحدب كالعريش
القرى: الظهر. والرهيش: المهزول والحباري تنتف ريشها حتى لا يبقى منه شيء ولذلك ذكرها. وقوله حدبا: يعني أنها هزلت فحدبت.
[ ١ / ٧٨٧ ]
وأنشد أبو علي للعجاج: كالكودن المشدود بالإكاف وقبله:
لطال ما أجرى أبو الجحاف لفرقة طويلة التجافي
يعني ابنه رؤبة، ثم قال:
سرعفته ما شئت من سرعاف حتى إذا ما آض ذا أعراف
كالكودن المشدود بالوكاف قال الذي جمعت لي صواف
قوله سرعفته: أي أحسنت غذاءه، وكذلك سرهفته. وقوله: آض ذا أعراف هذا مثل يقول صار مثل البرذون، الكودن: الهجين ولا يشد الإكاف إلا على القوى منها. وقوله صواف: أي خوالص دون ولدك.
وأنشد أبو علي: خوى على مستويات ملس ع هو للعجاج وقد تقدم ذكره. وكذلك البيت الذي أنشده بعده لامرىء القيس.
وأنشد أبو علي:
ترى فضلانهم في الورد هزلي وتسمن في المقاري والحبال
وهذا البيت ينسب إلى جرير، والصحيح أنه للمرار الأسدي، وقبله:
وقالوا لي ألا نعطيك شاء فان الشاء مال خير مال
ولكن أشربوا الأقران صهبًا غواضي فهي مصنعة الأعالي
ترى فصلانهم. أشربوا: أي ألزموا الحبال شواربها وهي مجاري الماء في حلوقها يريد أعناقها. وغواضي: رعت الغضا فصنعها الغضا.
وأنشد لحاتم شعرا قد تقدم بعضه وهو:
إن كنت كارهة معيشتنا هاتا فحلى من بني بدر
[ ١ / ٧٨٨ ]
كان حاتم قد تحول إلى بني بدر زمن الفساد، وهي الحرب التي كانت بين جديلة وبين ثعل، فغلبت جديلة، فقال حاتم هذا الشعر، ومنه:
فسقيت بالماء النمير ولم أترك ألاطم حمأة الجفر
الجفر: البئر نمير مطوية، وجعل معالجته للحمأة واستقاءه منها مهلًا ملاطمة، وقيل أراد ماتح الحمأة فحذف. وقال أوس في هذا المعنى:
مباشم عن لحم العوارض بالضحى وبالليل كساحون ترب المناهل
يريد أنهم لا يردون إلا مساء بعد صدر الناس وذهابهم بصفوة المكرع وعنفوان المنهل، كما قال الآخر:
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل
وفيه:
الضاربين لدى أعنتهم والطاعنين وخيلهم تجرى
لدى أعنتهم: أراد أنهم نزلوا فضربوا بالسيوف ممسكين أعنتهم، ولا ينزل في ذلك الموطن إلا أهل البأس والشدة، قال الآخر:
لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا وأخو الحرب من أطاق النزولا
وقال الأعشي:
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل
وقال ربيعة بن مقروم:
فدعوا نزال فكنت أول نازل وعلام أركبه إذا لم أنزل
[ ١ / ٧٨٩ ]
وأنشد أبو علي لسلمى بن غوية:
لا يبعدن عصر الشباب ولا لذاته ونباته النضر
هو سلمى بن غوية بن سلمى بن ربيعة الضبي، هكذا رواه أبو علي عن ابن الأعرابي سلمى ورواية الرياشي سلمى. وهكذا رواه أبو علي ولا لذاته ونباته النضر، وقوافي الشعر كلها مخفوضة، وغيره يرويه ولا لذاته ونباته النضر نسقًا على الشباب فيسلم من الإقواء وهو جيد. وفيه:
أولم ترى لقمان أهلكه ما اقتات من سنة ومن شهر
قال أبو علي قال أبو عمر قال أبو العباس: ما اقتات: من القوت.
وأنشد أبو علي للعجاج: تقضى البازي إذا البازى كسر ع وصلته:
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر داني جناحيه من الطور فمر
تقضى البازي إذا البازي كسر أبصر خربان فضاء فانكدر
شاكى الكلاليب إذا أهوى أطفر.
يمدح العجاج بهذا عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك قد وجهه إلى أبي فديك الخارجي فقتله وقتل أصحابه. يقول: إذا الكرام ابتدروا الخير كان هو السابق. ثم قال:
[ ١ / ٧٩٠ ]
انقض انقضاضة من الشأم والطور بالشأم، يريد أنه قدم على الخوارج من الشأم. ويقال للطائر إذا ضم جناحيه كسر: قال معقر بن حمار البارقي:
هوى زهدم تحت الغبار بطعنة كما انقض باز أقتم الريش كاسر
والخربان: جمع خرب وهو ذكر الحباري. ويقال: فلان شاك السلاح وشاكي السلاح: إذا كان سلاحه شديدا ذا شوكه. وقوله: إذا أهوى اطفر يريد أخذه بظفره وهو افتعل من الظفر، وأصله اظتفر ثم أبدل من التاء طاء وأدغم الظاء في الطاء.
وأنشد أبو علي للمضرب بن كعب:
فقلت لها فيئى إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب
ع هو المضرب بن كعب بن زهير ابن أبي سلمى. وقوله حرام: أي محرم وإني بعد ذاك لبيب: أي مقييم في الحرم.
وأنشد أبو علي:
رعى غير مذعور بهن وراقه لعاع تهاداه الدكادك واعد
ع البيت لسويد بن كراع، ويروى لعدى بن الرقاع، وقد تقدم القول فيه، وإنشاده.
وأنشد أبو علي:
نزور امرأ أما الإله فيتقى وأما بفعل الصالحين فيأتمى
ع الشعر لكثير، وقبله:
إليك تباري بعد ما قلت قد بدت جبال الشبا أو نكبت هضب تريم
[ ١ / ٧٩١ ]
بنا العيس تجتاب الفلاة كأنها قطا الكدر أمسى قاربا حفر ضمضم
تزور فتى.
وأنشد أبو علي لابن الذئبة الثقفي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمه حفاظا وينوى من سفاهته كسرى
ع ابن الذئبة هو ربيعة بن عبد يا ليل بن سالم بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسى وهو ثقيف، وأمه تسمى الذئبة وهو شاعر فارس جاهلي، وتمام الشعر:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صوتها حية البحر
قال أبو علي قيل لابنة الخس: أي الطعام أثقل؟ قالت بيض نعام، وصرى عام إلى عام.
ع الصرى: الماء الذي قد طال حبسه وتغير، ويقال صرى أيضا بالكسر، تقول: قد بقي من عام إلى عام.
وأنشد أبو علي لسعد بن ناشب.
تفندني فيما ترى من شراستي وشدة نفسي أم سعد وما تدري
ع هو سعد بن ناشب بن معاذ بن جعدة المازني شاعر إسلامي، وقال ابن قتيبة: إنه من بني العنبر، وكان أبوه ناشب أعور، وكان من شياطين العرب، وهو صاحب يوم الوقيط في الأسلام بين تميم وبكر، وفيه:
[ ١ / ٧٩٢ ]
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وصمم تصميم السريجي ذي الأثر
هذا مثل قوله في الأخرى:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
أنشد أبو علي:
والأثر والصرب معًا كالآصيه
ع وصلته:
يا ربنا لا تبقين عاصيه
في كل يوم هي لي مناصيه تسامر الليل وتضحى شاصيه
مثل الهجين الأحمر الجراصيه والأثر والصرب معًا كالآصيه
مناصية: يأخذ كل واحد بناصية صاحبه يجره. والجراضية: العظيم من الرجال شبهها به لعظم خلقها. والأثر والصرب: تقديره، والأثر والصرب عندها موجودان، هي مخصبة متنعمة.
وأنشد أبو علي:
بئس الغذاء للغلام الشاحب
ع قال يعقوب: هي لرجل استضاف قوما فقالوا: اطحن حتى نطعمك فقال:
بئس طعام المستضيف الجانب كبداء حطت من ذرا كواكب
أدارها النقاش كل جانب حتى استوت مشرفة المناكب
هكذا أنشده من ذرا كواكب اسم جبل، وقال غيره: كان هذا المستضيف من قيس.
وأنشد أبو علي لسعد بن ناشب:
[ ١ / ٧٩٣ ]
أخي عزمات لا يريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبا
ع وأول الشعر:
سأغسل عني العار بالسيف جالبا على قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها لعرضي من باقي المذلة حاجبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها تراث كريم لا يبالي العواقبا
أخي عزمات. كان سعد شديدا مهيبا، وقع بينه وبين رجل من أهل البصرة شر، فضربه بالسيف وهرب، وقال:
لا توعدني بالأمير فإنني إذا ما جعلت المصر خلفي أمير
وإني على الأمر المهيب إذا الفتىثنى همه عما يريد جسور
فأمر الأمير بهدم داره فهدمت، فقال الشعر.
وأنشد أبو علي:
وتعرف في جود امرىء جود خاله وينذل أن تلقي أخا أمه نذلا
هكذا رواه أبو علي، وغيره يرويه:
وتعرف في مجد امرىء مجد خاله
وذلك أوقع بقوله:
وينذل أن تلقي أخا أمه نذلا وأدخل في صناعة الشعر.
وأنشد بعده:
عليك الخال! إن الخال يسرى إلى ابن الأخت بالشبه المبين
[ ١ / ٧٩٤ ]
ومثلهما قول الآخر:
وأدركه خالاته فاختزلنه ألا إن عرق السوء لابد مدرك
وقال آخر:
والله ما أشبهني عصام لا خلق منه ولا قوام
نمت وعرق الخال لا ينام
وقال آخر: مخالفا لمذهب هؤلاء معترضا عليهم
لا تشتمن امرأ من أن تكون له أم من الروم أو سوداء دعجاء
فإنما أمهات القوم أوعية مستودعات وللأحساب آباء
ورب معربة ليست بمنجبة وربما أنجبت للفحل عجماء
وأنشد أبو علي لابن مغراء:
ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا
ع هو أوس بن مغراء أحد بني جعفر بن قريغ بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وجعفر هو أنف الناقة، شاعر جاهلي، كان يهاجي النابغة الجعدي وقد قيل
[ ١ / ٧٩٥ ]
إنه أدرك الإسلام، وهو القائل في بني صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب الذين كان فيهم الإفاضة من عرفة:
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم حتى يقال أفيضوا آل صفوانا
ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم
وقد فسر أبو علي البيتين. فأما بيت النابغة:
يصد الشاعر الثنيان عني صدود البكر عن قرم الهجا
فقيل فيه القول المتقدم، وقيل هو الذي هو شاعر وأبوه شاعر مثل كعب بن زهير وعبد الرحمن بن حسان، وقال أبو عمرو الشيباني هو الذي يستثنى إذا قيل: ما في القوم أشعر من فلان إلا فلان، وقال الأصمعي: هو الذي يثنى عليه الخناصر في العدد.
وأنشد أبو علي:
إذا نحن رفلنا امرأ ساد قومه وإن كان فينا سوقة ليس يعرف
وأنشد أبو علي:
ومستخبر عن سر ريا رددته بعمياء من ريا بغير يقين
ع هما لجابر بن حنى بن الثعلب الطائي.
وأنشد أبو علي لقيس بن الخطيم شعرا، فيه:
إذا جاوز الإثنين سر فإنه بنث وتكثير الوشاة قمين
ع رواه غير واحد إذا جاوز الخلين فيسلم من الضرورة في قطع ألف الوصل.
[ ١ / ٧٩٦ ]
وأنشد أبو علي:
فجاءت كأن القسور الجون بجها عساليجه والثامر المتناوح
ع هو لجبيهاء الأشجعي. وقد تقدم ذكره وتقدم إنشاد أبيات من هذا الشعر، وقبل البيت:
ولو أنها طافت بظنب معجم نفي الرق عنه جدبها فهو كالح
لجاءت كأن القسور الجون بجها
هكذا صواب إنشاده لجاءت باللام. قوله ولو أنها طافت: يعني شاته الممنوحة التي اسمها صعدة، وقد تقدم ذكرها عند إنشاد الأبيات المذكورة. والظنب: أصل الشجرة وهو الجذل. ومعجم: ممضض. والرق:
[ ١ / ٧٩٧ ]
ما قرب على الماشية من الأغصان. والكالح: الذي لا شيء عليه. والقسور: نبت له خوصة، والذي له خوصة لا يعبل، أي لا يسقط ورقه.
وأنشد أبو علي للجعدي:
ولما أبى أن ينقص القود لحمه رفعنا المريد والمريد ليضمرا
ع المريد: الدقيق والماء. والمريد: بزر ينقع ثم يمرث باليد، وقيل تمر وخبز يمرثان في الماء باليد. ورواية أبي حاتم ينقص: بالصاد، ورواية الرياشي ينقض بالضاد. وقبله:
شديد قلات الموقفين كأنما نهى نفسًا أو قد أراد ليزفرا
الموقف: النقرة التي تكون في الخاصرة. ويروى: قلات القصريين يعني الخاصرتين، أي كأنه أراد أن يزفر فانتفخ لذلك، وهذا كما قال أيضا:
خيط على زفرة فتم ولم يرجع إلى دقة ولا هضم
وأنشد أبو علي لذي الرمة:
يرقد في ظل عراص ويتبعه حفيف نافجة عثنونها حصب
ع قد فسر أبو علي النافجة وكذلك روى في البيت، رواية أبي بكر ابن دريد نافحة بالحاء، وقال يقال نفحت الريح: إذا تحركت أوائلها، وقال الخليل: نفجت بالجيم كما روى أبو علي. وقبل البيت:
حتى إذا الهيق أمسى شام أفرخه وهن ى مؤيس نأيًا ولا كثب
يرقد في البيت. والهيق: الظليم. ومؤيس صفة لمحذوف كأنه أراد لا نظر
[ ١ / ٧٩٨ ]
مؤيس أولا شيء مؤيس، يقول هذا الظليم لم ييأس أن يبلغ فراخه، وليس المكان بقريب فييلغها بسرعة.
وأنشد أبو علي:
وجاءت للقتال بن هليك فسحى يا سماء بغير قطر؟
قال أبو علي في تفسيره بغير قطر، أي بدم لا يقطر
ع وكيف يكون دم لا يقطر، إنما يريد سحى بدم لا يقطر مطر، وقال يعقوب في معناه غير هذا قال: يهزأ بهم يقول لكم وعيد وقول ولا فعل لكم. والبيت لأبي جندب الهذلي، وقبله:
فإن لا تقصروا بالسير عنا على ما كان من قربي وصهر
تلاقوا مثل ما لاقت ثقيف ووائلة بن دهمان بن نصر
وتقطع بيننا رحم إذا ما لبسنا للكماة جلود نمر
وجاءت للقتال بنو هليك.
هكذا رواه أبو علي هنا، وفي أشعار هذيل بنو هليك، ورواه السكري بنو هلال، ولا يعرف في العرب بنو هليك. وقوله: جلود نمر يعني نتنكر لأعدائنا، قال السكري: لأنك لا ترى النمر أبدا إلا متنكرا، كما قال الآخر:
لبسنا لهم من جلد أسود سالخ وفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وأنشد أبو علي لعلي بن الغدير:
فذو الرأي منا مستقاد لأمره وشاهدنا قاض على من تغيبا
[ ١ / ٧٩٩ ]
ع هو على بن الغدير بن مضرس بن قيس بن جحوان الغنوى شاعر إسلامي. وأنشد أبو علي شعرًا، فيه:
حتى ملأت لن يمكن إلا تذكره والدهر أيتما حال دهارير
ع أنشده سيبويه، ولم ينسبه الجرمى.
وأنشد أبو علي لرافع بن هريم:
وصاحب السوء كالداء الغميض إذا يرفض في الجوف يجرى ههنا وهنا
ع هو رافع بن هريم بن سعد يربوعي شاعر قديم. قال أبو زيد في نوادره أدرك الإسلام.
وأنشد أبو علي:
وكنا كغصنى بانة ليس واحد يزول على الحالات عن رأى واحد
ع هي لمحمد بن بشير الخارجي من خارجه عدوان.
[ ١ / ٨٠٠ ]
وأنشد أبو علي:
طرفتك بين مسبح ومكبر بحطيم مكة حيث كان الأبطح
ع وهما للحارث بن خالد.
وأنشد أبو علي:
خبروها بأنني قد تزوجت فظلت تكاتم الغيظ سرا
ع هذا الشعر لعمر ابن أبي ربيعة: وأنشد أبو علي:
جاؤا بزوريهم وجئنا بالأصم
ع هذا الرجز للأغلب العجلى راجز جاهلي إسلامي. وهو الأغلب بن جشم من سعد بن عجل بن لجيم، وهو أحد المعمرين عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وأدرك الإسلامم فحسن إسلامه وهاجر واستشهد في وقعة نهاوند. وهذا الرجز يقوله في يوم الزويرين حرب كانت بين بكر وبين بني تميم. وقوله: وجئنا بالأصم يعني رئيسهم يومئذ أبا مفروق عمرو بن قيس بن عامر الشيباني، كان يلقب بالأصم، وبعد البيت:
شيخ لنا قد كان من عهد إرم
[ ١ / ٨٠١ ]
يكر بالسيف إذا الرمح انحكم يكر بالرمح إذا الرمح انحطم
وانهزمت يومئذ تميم لا يلوى والد على ولد، وأخذت بكر الزويرين.
وأنشد أبو علي:
ألان حي من أجل الحبيب المغانيا لبسن البلى مما لبسن اللياليا
ع الأبيات الثلاثة هي لأبي حية النميري، وهي غير متصلة بالبيت الأول:
وبدلن أدمانا وبدلن باقرا كبيض الثياب المروزية جازيا ومضى في صفة الوحش، ثم قال:
فإن أك ودعت الشباب فلم أكنعلى عهدي إذ ذاك الأخلاء زاريا
حناك الليالي بعد ما كنت مرة سوى العصى لو كن يبقين باقيا!
غذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شئ لا يمل التقاضينا
أراد فلم أكن زاريا على عهدى الأخلاء.
وأنشد أبو علي للربيع بن ضبع الفزاري:
أقفر من مية الجريب إلى الز جين إلا الظباء والبقرا
ع هو الربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة، قال أبو حاتم عاش ثلاث مائة سنة وأربعين سنة ولم يسلم، وقال حين بلغ مائتي سنة شعرا، منه.
[ ١ / ٨٠٢ ]
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهرمه الشتاء
إذا عاش الفتى مائتين عامًا فقد ذهب المسرة والفتاء
وأنشد أبو علي للراعي:
وغملى نصى بالمتان كأنها ثعالب موتى جلدها قد تزلما
ع قد تقدم إنشاده ومضى القول فيه. وكذلك بيت أبي ذؤيب الذي بعد هذا.
وأنشد أبو علي:
أنزلني الدهر على حكمه من شاهق عال إلى خفض
ع الشعر لحطان بن المعلي. وبعد قوله: فليس لي مال سوى عرضي
أبكاني الدهر ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضى
وبعد قوله: أكبادنا تمش على الأرض
إن هبت الريح على بعضهم تمتنع العين من الغمض
وانشد أبو علي لعمرو بن شأس شعرًا وذكر خبره، وفي الشعر:
فإن كنت منى أو تريدين صحبتي فكوني له كالسمن ربت له الأدم
قوله: ربت له الأدم أي جعل فيها الرب لئلا تفسد. والأدم: يريد الأسقية التي يجعل فيها الرب لتصلح للسمن، واحدها أديم، مثل أفيق وأفق، وغهاب وأهب، وعمود وعمد. قال الشيباني وابن الأعرابي جهد عمرو بن شأس أن يصلح بين ابنه عرار وامرأته أم حسان ابنة الحارث، فأعياه ذلك فطلقها، ثم ندم ولام نفسه. وله في ذلك أشعار يذكرها، منها:
[ ١ / ٨٠٣ ]
تذكر ذكرى أن حسان فاقشعر على دبر لما تبين ماائتمر
تذكرها وهنًا وقد حال دونها رعان وقيعان بها الماء والشجر
فكنت كذات البو لما تذكرت لها ربعًا حنت لمعهده سحر
وأنشد أبو علي لمعن بن أوس:
رأيت رجالًا يكرهون بناتهموفيهن لا تكذب! نساء صوالح
أنشد صاعد بن الحسن لحسان بن الغدير احد نبي عامر بن ثور بن هذمة بن لاطم بن عثمان شعرًا، فيه البيت الأول من هذين البيتين، وهي أبيات منها:
لأي زمان يخبأ المرء نفعه غدًا بل عدًا للموت غاد ورائح
إذا المرء لمي نفعك حيًا فنفعه أقل إذا رصت عليه الصفائح
رأيت رجالًا يكرهون بناتهم وهن البواكي والجيوب النواصح
وللموت سوارت بها تنقض القوى وتسلو عن المال النفوس الشحائح
وما النأى بالبعد المفرق بيننا بل النأى ما ضمت عليه الضرائح
والبيتان ثابتان في ديوان شعر معن ولا مزيد عليهما.
[ ١ / ٨٠٤ ]
قال أبو علي عن ابن الأعرابي عن ابن الأعرابي كل ما في العرب عدس إلا عدس بن زيد ع إنما هو عدس بن عبد الله بن دارم، وأبو عبيدة يقول فيه: عدس ولا يدري ألبتة. وقال أبو علي: كل ما في العرب سدوس إلا سدوس بن أصمع في طيء هو سدوس بن أصمع ابن أبي عبيد بن ربيعة بن سعد بن تضر بن سعد بن نبهان، وهو الذي عنى امرؤ القيس بقوله:
إذا ما كنت مفتخرًا ففاخر ببيت مثل بيت أبي سدوس أو سدوسا
وقال أبو علي: كل ما في العرب فرافصة إلا فرافصة أبا نائلة ع هو فرافضة بن الأحنف بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث الكلبي. وقال أبو علي: كل ما في العرب ملكان إلا ملكان في جرم بن ربان فإنه بفتحها. ع قال محمد بن حبيب: هو ملكان بن جرم بن ربان، وكذلك ملكان بن عباد بن عياض بن عقبة بن السكون. وهذا باب واسع، والذي أورده على برض من عد وغيض من قيض.
[ ١ / ٨٠٥ ]
وأنشد أبو علي لقطري بن الفجاءة، وقد تقدم ذكره شعرًا، منه:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الإقدام
ع قال النمري: يريد ثم انصرفت وقد قتلت ولم أقتل بعد أن خضبت سرجي ولجامي من دمي، يريد بهذا أن الأجل حرز، فلا يركنن أحد إلى الجبن خرف الحمام. وقوله جذع البصيرة: يريد استبصاره الذي كان عليه في اول الأمر، لم ينتقل عنه لما ناله من الجارحات ولم يضعف فيه. قارح الإقدام: اي قد بلغ إقدامه النهاية كما أن القروح نهاية سن الفرس، وقال قوم إنما يريد بقوله لم أصب: أي لم ألف على هذه الحال، ولكني قارح البصيرة جذع الإقدام: أي رأيه رأى شيخ وإقدامه إقدام غلام، وتكون البصيرة على هذا الرأي والتدبير لا الاستبصار في الأمر، وهو الأعرف في كلام العرب، فإن البصيرة للقلب كالبصر للعين، والحجة لهذا المذهب قوله: ولم أصب وهو قد قال قبل هذا:
حتى خضبت بما تحدر من دمى أحناء سرجى أو عنان لجامى
والإصابة قد تكون فيما دون النفس وهو الأكثر، قال الله سبحانه: " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " وقال: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " روى في تفسيرها حتى الشوكة يشاكها المؤمن فإن ذلك بذنب فرغ منه وهو كفارة له ".
وأنشد أبو علي:
فإن كنت لا أدري الظباء فإنني أدس لها تحت التراب الدواهيا
[ ١ / ٨٠٦ ]
ع هذا البيت لعبد الله بن محمد بن عباد الخولاني قاله الهمداني في كتاب الإكليل وكنى بالظباء: عن النساء، والصيادون يدفنون للوحش في طرقها إلى الماء حدائد أشباه الكلاليب، فإذا جازت عليها قطعت قوائمًا.
وأنشد أبو علي: لموسى شهوات يهجو عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، ويمدح عمر بن موسى بن طلحة:
تبارى ابن موسى ولم تكن يداك جميعا تعدلان له يدا
ع موسى شهوات هو موسى بن يسار، مولى قريش يقال مولى بني سهم ويقال مولى بن تيم، كان يجلب إلى المدينة القند والسكر من أذربيجان، فقالت امرا: ما يزلا موسى يجلب إلينا الشهوات، فغلبت عليه، وقال ابن شبه: كان موسى سؤولا ملحفا فإذا رأى مع أحد شيأ يعجبه من ثوب أو متاع أو دابة تباكى، فإذا قيل له مالك؟ قال: اشتهى هذا، فسمى موسى شهوات، وقال ابن الكلبي سمى بذلك لقوله:
لست منا وليس خالك منا يا مضيع الصلاة بالشهوات
يقوله ليزيد بن معاوية، ويكنى موسى أبا محمد وهو أخو إسمعيل بن يسار، ويقال موسى شهوات على الصفة وموسى شهوات بالإضافة، وهو أصح، والممدوح ولا مهجو جميعا من تيم قريش. وفي الشعر: ولكنما أشبهت خالك معبدا قال أبو علي: معبد مولى لهم وهو أخو أبيه لأمه، ولخ خبر قد ذكره أبو عبيدة في المثالب.
ع وكتاب المثالب أصله لزياد بن أبيه فإنه لما ادعى أبا سفيان أبا، علم أن العرب
[ ١ / ٨٠٧ ]
لا تقر له بذلك مع علمها بنسبه، فعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كل عيب وعار وباطل وإفك وبهت، ثم ثنى على ذلك الهثيم بن عدي وكان دعيًا فأراد أن يعر أهل الشرف تشفيا منهم، ثم جدد ذلك أبو عبيدة وزاد فيه، لأن أصله كان يهوديًا أسلم جده على يدي بعض آل أبي بكر، فانتمى إلى ولاء تيم، ثم نشأ علان الشعوبي الوراق وكان زنديقا ثنويًا لا يشك فيه، فعمل لطاهر بن الحسين كتابًا خارجا عن الإسلام، بدأ فيه بمثالب بنى هاشم وذكر مناكحهم وأمهاتهم، ثم بطون قريش ثم سائر العرب، ونسب إليهم كل كذب وزور، ووضع عليهم ل إفك وبهتان، وصلهن عليه طاهر بثلاثين ألفا. وأما كتاب المثالب والنناقب الذي بأيدي الناس اليوم وهو كتاب الواحدة المعلوم فغنما هو للنضرين شميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي، وكانا أنسب أهل زمانهما، أمرهما هشام بن عبد الملك أن يبينا مثالب العرب ومناقبها، وقال لهما ولمن ضم إليهما دعوا قريشا بما لها وعليها، فليس لقرشي في ذلك الكتاب ذكر. وفي الشعر المذكور:
وفيك وإن قيل: ابن موسى بن معمر عروق يدعن المرء ذا المجد قعددا
القعدد: في الكلام على وجهين القعدد والقعدد والقعدد: الخامل في قومه، وقال ابن الأعرابي: هو اللئيم الأصل، ويقال ورث فلان بني فلان بالقعد، إذا كان أقربهم نسبًا إلى الجد الأكبر، كما كان عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس، فإنه كان أقعد بني
[ ١ / ٨٠٨ ]
نسبًا في زمانه، اجتمع في عصر واحد هو والفضل بن جعفر بن العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وعبد الصمد أخو جد جد جد الفضل وهذا ما لم يقع في الدهر مثله، ومن ذلك أن عبد الصمد حج بالناس سنة مائة وخمسين، وحج يزيد بن معاوية بالناس سنة خمسين، وقعددهما في النسب إلى عبد مناف واحد، بين كل واحد منهما وبينه خمسة آباء، وبين وقت حجها بالناس مائة سنة. فمن هذا الوجه صار الإقعاد مدحا، ويكون الإطراف أيضًا مدحا لكثرة الولد وفشو النسل. والإرباع بالبنين، كما روى أن عمرو بن العاصي ولد له ابنه عبد الله على رأس اثنتي عشرة سنة من عمره. والذي نقله أبو علي من أن كل هذين ممدوح هو قول ابن الأعرابي، وقال غير واحد رجل قعدد إذا كان قليل الآباء إلى الجد الأكبر، وهو عند العرب محمود، قال شاعرهم: وهو أبو وجزة السعدي قاله القتبي
أمرون ولادون كل مبارك طرفون لا يرثون سهم القعدد
أمرون: أي كثير والنسل والولد، وقال الفرزدق:
أليس كليب ألأم الناس كلهم وأنت إذا عدت كليب لئيمها
له مقعد الأنساب منقطع به إذا القوم راموا خطة لا يرومها
وأنشد أبو علي.
[ ١ / ٨٠٩ ]
لعمرك ما حق امرئ لا يعدليعلى نفسه حقا على بواجب
وما أللنائي على بوده بودى وصافي خلتي بمقارب
ع هذا مثل قول أبي بن الحمام:
ولست بهياب لمن لا يهابني ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها عراض العلوق لم يكن ذاك باقيا
وقال أبو الخجناء مولى بنى أسد:
وجربت ما جربت منه فسرني ولا يكشف الإنسان غير التجارب
بعيد الرضى لا يبتغي ود مدبر ولا يتصدى للصديق المغاضب
وقال هدبة:
ظننت به ظنا فقصر دونه فيا رب مظنون به الظن يخلف
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها فذره ولا يكثر عليه التعطف
فما الناس بالناس الذين عرفتهم ولا الدار بالدار التي انت تعرف
وأنشد أبو علي لعمرو بن كلثوم:
ونحن إذا عماد الحي خرت على الأخفاض نمنع من يلينا
ع بعده:
ندافع عنهم الأعداء قدما ونحمل عنهم ما حملونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا ونضرب بالسيوف إذا غشينا
يريد: إذا تراخوا عنا ليرمونا قربنا فطاعناهم.
وأنشد أبو علي:
[ ١ / ٨١٠ ]
فكعكعوهن في ضيق وفي دهش ينزون من بين مأبوص ومهجور
وقبله: فساور القوم في أبصارهم رعش من النعاس وفي ظلماء ديجور
وصاح من صاح بالأجلاب فانبعثت وعاث في كبة الوعواع والعير
فكعكعوهن: يعني الأسد. وقوله رعش: أي شئ من نعاس. والأجلاب: الذين يجلبون العير. والكبة: معظم الحرب. والوعواع: الصوت. والشعر لأبي زبيد.
وأنشد أبو علي:
يعلو بأعلى السحق المهاجر منها عشاش الهدهد القراقر
ع الرجز لأبي محمد الفقعي، وبعد ما أنشده:
وفي أشاء نابت الأصاغر معشش الدخل والتمامر
قال أبو حميفة: يقول في طوالها عشاش الحمام، وفي صغارها عشاش العصافير. التمامر: جمع تمرو، وهو الذي يقال له ابن تمرو. والدخل: مثله، وهما من صغار العصافير، وإنما يصف الحمول، شبهها بالنخل الذي قد سد خلل طواله قصاره، كما قال الآخر.
حفل قصار وعيدان تنوء بها من الكوافر مكموم ومهتصر
هكذا فسره أبو حنيفة، وقد رواه قوم:
تعلو بأعلى السحق المهاجر منها عشاش الهدهد القراقر
[ ١ / ٨١١ ]
بالنصب على أن الشاعر أراد: أ، هذه الإبل تساور فروع الشجر بعظمها حتى تبلغ عشاش الطير، كما قال ابن مقبل:
إذا غشيت جدًا بليل تناولت عشاش الغراب كالهضاب بوانيا
قوله بواني: أراد منتصبة، وقال الآخر.
لسعف الطير هصور هائض بحيث يعتش الغراب البائض
وذكر أبو علي: خبر معاوية حين خرج متنزها، فمر بحواء ضخم فقصد قصده فإذا بامرأة برزة ع كان الحواء لبنة كنانة وكانت المرأة كنانية من كنانة كلب، فقال لها معاوية: هل من قرى؟ قالت نعم، قال وما قراك؟ قالت: خبز خمير، وحيس فطير، ولبن ثمير، وماء نمير. هكذا رواه الناس ثمير: أي علبه زبدة. وقولها إني لأكره أن تنزل واديًا فيرف أوله: يقال رف الشجر يرف رفًا ورفيفا، إذا اهتز من نضارته، وورف يرف ورفا بمعناه، قال الشاعر في الرفيف:
في ظل أحوى الظل رفاف الورق
وقولها: ويقف آخر يقال لكل ما يبس قد قف.
وأنشد أبو علي:
كأن العيس حين أنخن هجرًا مفقأ نواظرها سوام
ع هكذا ثبتت الرواية عنه، وإنما صحة إنشاده مفقأة نواظرها بالنصب على الحال.
[ ١ / ٨١٢ ]
وسوام: خبر كأن، أي ذواهب في الهاجرة، ومنه السماة وهم الصيادون في الهاجرة، والمسماة: الجورب الذي يلبسه الصياد عند الهاجر. وأنشد بعد هذا بيتًا للهذلي قد مضى بما فيه وهو: عقوا بسهم فلم يشعر به أحد.
وأنشد أبو علي:
دربة كحمر الأبك لآ ضرع فيها ولا مذك
ع وتمامه: لبس بنا فقر إلى التشكى الجربة: الحمر الشداد. والأبك: الذي يبك بعضه بعضا. ثم قال: ليس بنا فقر إلى أحد نشو إليه لقوتنا. وعيال جربة يأكلون أكلا شديدًا ولا ينفعون. والضرع: الضعيف. والمذكى: القارح.
وأنشد أبو علي لمالك بن أسماء، في أخيه عيينة لما سجنه الحجاج بن يوسف:
ذهب الرقاد فما يحس رقاد مما شجاك وحفت العواد
[ ١ / ٨١٣ ]
ع هذا الشعر لعويف القوافي بلا خاتلاف، والدليل على ذلك قوله فيه:
أم من يهين لنا كرائم ماله؟ ولنا إذا عدنا إليه معاد
ومالك كان أغنى من عيينة وأنبه، لأنه كان متصرفًا في الرفيع من أعمال السلطان، وكان مع ذلك من أهل اللسن الفصاحة والشعر الفائق والبراعة. وعويف أحد الشعراء المنتجعين بالشعر المسترفدين للملوك. وقوله أيضًا فيه:
نخلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائذ تذهب الأحقاد
وأي حقد كان بين مالك وأخيه، وإنما كان الحقد بين عيينة وعويف القوافي، وذلك أن أخت عويف كانت تحت عيينة بن أسماء فطلقها، فغضب من ذلك عويف القوافي، وذلك أن أخت عويف كانت تحت عيينة بن أسماء فطلقها، فغضب من ذلك عويف وقال الحرة لا تطلق إلا لريبة، وباعد عيينة وعاداه، فلما بلغه أن الحجاج سجن عيينة وقيده، عطفه ذلك عليه وأذهب حقده، فقال الشعر: وعويف عو عويف بن معاوية بن حصن، وقيل ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفراري، سمى عويف القوافي بقوله:
[ ١ / ٨١٤ ]
سأكذب من قد كان يزعم أنني إذا قلت قولًا لا أجيد القوافيا
وأنشد أبو علي للخليل:
إن كنت لست معي فالذكر منك معي يرعاك قلبي وإن غييت عن بصرى
ع هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، وكان يونس يقول الفرهودى: وهو حي من الأود، يكنى أبا عبد الرحمن، ولم يسم أحد بأحمد بعد رسول الله ﷺ قبل والد الخليل، فكانوا يرون أن بركة الاسم ظهرت في الخليل، وذكر ابن دريد أن العرب سمت في الجاهلية أحمد ويحمد: وهو أبو بطن من الأزد، ويحمد: وهو أبو بطن من قضاعة. ونحن لا نشك أن أحمد النصيبي الذي له الصنعة المشهورة في العناء كان ينادم عبيد الله بن زياد، وقتل مع ابن الأشعث، فهو أقدم من أبى الخليل بزمان طويل. وكان أذكى الناس وبذكائه استنبط من العروض وعلل النحو ما لم يسبق إليه، ووضع كتابًا في الألحان وتراكيب الأصوات، وهو لم يعالج وترًا قط ولا كثرت مشاهدته للمغنين، وهو القائل:
اعمل بعلمى ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري
ونظر في النجوم فأبعد فلم يرضها، فقال:
أبلغا عني المنجم أنى كافر بالذي قضته الكواكب
[ ١ / ٨١٥ ]
عالم أن ما يكون وما ا ن بحتم من المهيمن واجب
وكان شاعرًا مفلقا.
وأنشد أبو علي لأسماء المرية صاحبة عامر بن الطفيل:
أيا جبلي وادي عريعرة التي نأت عن نوى قومي وحق قدومها
ع هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن عامر بن صعصعة، أمه كبشة بنت عروة الرحال، يكنى أبا علي، وفد على النبي ﷺ ولم يسلم، وقد تقدم ذكره عند ذكر أربد أخي لبيد، ومضى خبرهما في وفادتهما. وأسماء هذه فزارية لا مرية، وكان يشبب بها في شعره، فمن ذلك قوله:
فلتسألن أسماء وهي حفية نصحاءها أطردت أم لم أطرد
يا اسم أخت بني فزارة إنني غاز وإن المرء غير مخلد
وقولها: عن نوى قومي تريد عن نية قومي. وحق قدومها: أي حق النوى أن تقع. ويروى: نأت عن نوى قومى بالتنوين يقال نأيت القوم ونأيت عنهم، ويكون قومي على هذه الرواية مفعولا.
وأنشد أبو علي لحضين بن المنذر في ابنه:
وسميت غياظًا ولست بغائظ عدوا ولكن الصديق تغيظ
ع هو حضين بالحاء المهملة والضاد المعجمة ابن المنذر بن الحارث الرقاشي، يكنى
[ ١ / ٨١٦ ]
أبا ساسان، وكان رئيس بكر وحامل رايتهم يوم صفين، وله يقول على ابن أبي طالب ﵁.
لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قلت قدمها حضين! تقدما
وذكر أبو علي: خبر نهار بن توسعة مع قتيبة بن مسلم ع هو نهار بن توسعة ابن أبي عتبان من بني بكر بن وائل، وكان أشعر بكر بخراسان، وهجا قتيبة بعد هذا فقال:
أقتيب قد قلنا غداة لقيتنا بدل لعمرك من يزيد أعور
وقال: كانت خراسان أرضًا إذ يزيد بها وكان باب من الخيرات مفتوح
فبدلت بعده قردا يطيف به كأنما وجهه بالخل منضوح
فطلبه قتيبة، فهرب منه واستجار بأمه، فترضت له ابنها فرضى عنه، فقال له نهار: إن نفسي لا تطيب حتى تأمر لي بشئ، فغني أعلم أنك إن اتخذت عندي معروفًا لم تكدره، فوصله. وأنشد أبو علي للعجاج: قواطنًا مكة من ورق الحمى ع قبله:
[ ١ / ٨١٧ ]
ورب هذا البلد المحرم والقاطنات البيت غير الريم
أو الفامكة من ورق الحمى ورب هذا الأثر المقسم
عن عهد إبراهيم لما يطسم وأنشد أبو علي للعجاج: من معدن الصيران عدملى.
ع وقبله:
واعتاد أرباضًا لها آرى من معدن الصيران عدملى
كما يعود العيد نصراني وبيعة لسورها على
يعنى ثورا. والأرض: جمع ربض وهو ما أويت إليه من كل شئ، يعني الكنس. والآرى: المحبس. والعدملي: القديم. وقد مضى القول في بيت الراعى الذي أنشد أبو علي على بعد هذا.
وأنشد أبو علي لابن أحمر: لب بأرض لا تخطاها النعم ع صلته:
منازلًا من ذات خلق عبهر تصبى أخا الحلم بأنس وكرم
وجيد أماء وعينى جؤذر لب بأرض لم توطأها الغنم
وحاجب كالنون فيه بسطة أجاده الكاتب خطا بالقلم
هكذا رواه أبو علي عن أبي عبد الله نفطويه.
وأنشد أبو علي: لما رأيت أمرها في حطى
[ ١ / ٨١٨ ]
وأنشد أبو علي للنابغة:
غشيت منازلًا بعريتنات فأعلى الجزع للحى المبن
ع وبعده:
تعاورهن صرف الدهر حتى عفون وكل منهمر مرن
منهمر: سائل. ومرن: يسمع له رنة. ويروى: كل منهزم أي متشقق يقال تهزمت القربة: أي تشققت.
وأنشد أبو علي للعجاج:
يعلو صحاصيح ويعلو حدبا إذا رجت منه الذهاب أو صبا
ع وبعدهما:
حتى إذا ضوء القمير جوبا ليلا كأثناء السدوس غيهبا
أوردها من الستار مشربا يقال جاب وجوب: إذا خرق وخرج، أشار إلى أنه يوردها من آخر الليل. والسدوس: الطيالسة، يعني الحمار والأتن.
وأنشد أبو علي:
يثبي ثناء من كريم وقوله ألا انعم على حسن التحية واشر!
ع هو للبيد قال يصف شرابًا:
فمهما يغض منه فإن ضمانه على طيب الأردان غير مسبب
جميل الأسى فيما أتى الدهر دونه كريم النثا حلو الشمائل معجب
يثبى ثناء.
[ ١ / ٨١٩ ]
وأنشد أبو علي للقطامة: وما تقضى بواقي في دينها الطادى ع تمامه:
ما اعتاد حب سليمى حين معتاد وما تقضى بواقي دينها الطادى
وقد تقدم إنشاده: وأنشد أبو علي للحارث: وعزة قعساء وصلته:
أيها الناطق المرقش عنا عند عمرو وهل بذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنا قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فنمينا على الشناء تنمين اجدود وعزة قعساء
المرقش: المزين للكذب، وروى أبو عمر والشيباني المقرش: وهو المحرش. وقوله: لا تخلنا على غراتك فيه حذف يريد لا تخلما نلين على ذلك، فقد وشى بنا الأعداء قبلك فلم يضرنا ذلك.
وأنشد أبو علي:
لا يتأرون في المضيق وإن نادى مناد كي ينزلوا نزلوا
ع البيت لعدى بن زيد العبادى، وقبله:
وفتية كالسيوف نادمهم لا عاجز فيهم ولا وكل
لا يتأرون في المضيق والمضيق الحرب
[ ١ / ٨٢٠ ]
وأنشد أبو علي:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شرسوفه الصفر
ع هو لأعشى باهلة يرثى المنتشر بن وهب وقد تقدم إنشاده.