ع قد قال المأمون في مثل هذا فأحسن:
ما الحب إلا قبلة وغمز كف وعضد
أو كتب فيها رقى أنفذ من نفث العقد
من لم يكن ذا حبه! فإنما يبغي الولد
ما الحب إلا هكذا إن نكح الحب فسد
وقال إسحق بن إبراهيم الموصلي حدثتني أم الهيثم، قال: حجت زبيدة في بعض الأعوام، فلما انتهت إلى حمى ضرية ضربت لها القباب والفساطيط، ثم أحبت أن تأنس بجواري الحي، فأمرت بجمعهن إليها. قالت: وكنت في من دعي، فلما صرنا عندها، أطعمتنا طعامًا خلناه والله من الجنة، ثم سقينا شرابًا حلوا مال بنا كل مميل، وشربت هي منه، وجعلت تحدثنا بحديث كقطع الروض. ثم قالت: يا أعرابيات! ما تعددن العشق فيكن؟ قلنا أيتها الملكة: يحب الفتى الفتاة فيجتمعان فيتشاكيان ويتباكيان ويتواصفان ما يجدان، ثم يفترقان. قالت: أبحيث يريان. قلنا: بل بحيث لا يريان. قالت: ما صنعتن شيئًا. قلنا أيتها الملكة! وكيف الأمر في أهل الحضر؟ قالت: تكون النظرة فتزرع المحبة، ثم يتراسلان ويتخاطبان ثم يتواعدان فيجتمعان، ثم يضرب عبد الله زيدا. قالت أم
[ ١ / ٦٩١ ]
الهيثم: فقلت أيتها الملكة! وما معنى يضرب عبد الله زيدا. قالت: إن دخلت الحضر عرفت ذلك. قلت: دخلت العراق ولا أعرفه. قالت: فضحكت وضربت بيدها على منكبي وقالت: تجاهلت يا أم الهيثم تجاهلت! ومن هذا الباب قول فتاة بني الحجاج، لما أنشدت قول عمارة:
ومن ليلة قد بتها غير آثم بساجية الحجلين ريانة القلب
فضحكت وضربت بكمها على وجهها، وقالت: فهلا أثم حرمه الله! ذكر أبو علي ذلك أثر هذا. وهذه مذهبها كمذهب زبيدة. وقالت أم الضحاك المحاربية:
شفاء الحب تقبيل وضم وجر بالبطون على البطون
ورهز تهمل العينان منه وأخذ بالذوائب والقرون
وقال هدبة بن خشرم:
والله لا يشفى الفؤاد الهائما نفث الرقي وعقدك التمائما
ولا الحديث دون أن تلازما ولا اللزام دون أن تفاعما
وقالت امرأة العجاج:
والله لا تخدعني بضم ولا بتقبيل ولا بشم
[ ١ / ٦٩٢ ]
إلا بهزهاز يسلى همى يسقط منه فتخي في كمي
وقالت أخرى:
لا يقنع الجارية اللعاب ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تصطفق الأركاب وتلتقي الأسباب والأسباب
ويخرج الزب له لعاب
وأكثر الناس يرى أن الظفر بالمعشوقة يسقط شطر عشقيهما، وأن النكاح يسقط الحب، قيل لأعرابي وقد طال عشقه لجارية: ما كنت صانعا لو ظفرت بها ولا يراكما غير الله، قال: إذن والله لا أجعله أهون الناظرين، لكني أفعل بها ما أفعله بحضرة أهلها، شكوى! وحديث عذب، وإعراض عما يسخط الرب، ويقطع الحب. وقال ابن الدمينة:
أحبك يا سلمى على غير ريبة وما خير حب لا تعف سرائره
وماذا الذي يشفى من الحب بعدما تشربه بطن الفؤاد وظاهره
وقال عمر ابن أبي ربيعة:
بعثت وليدتي سحرًا وقلت لها خذي حذرك
وقولي في ملاطفة لزينب نولى عمرك
فهزت رأسها عجبا وقالت من بذا أمرك؟
أهذا سحرك! النسوا ن قد خبرنني خبرك
وقلن إذا قضى وطرا وأدرك حاجة هجرك
[ ١ / ٦٩٣ ]
وأنشد أبو علي للشماخ:
وتشكو بعين ما أكل ركابها
ع وقبلهما:
وكادت غداة البين ينطق طرفها بما تحت مكنون من الصدر مشرج
وتشكو بعين ما أكل ركابها
هكذا رواه أبو علي بفتح الباء. قال: ويروى ما أكلت ركابها بالفتح أيضا، ورواه أبو حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني ما أكل ركابها، وما أكلت ركابها بالضم فيهما أي إكلال ركابها، يقال: أكلت الناقة: إذا دخلت في الكلال، وكلت: ضعفت، ولم يعد على ما شيء كما لم يعد في قولك: سرني ما فعلت. ومن روى ما أكلت ركابها: بالنصب فإنه أنث على معنى الرحلة. ومثل قوله: بحاجتها - وهو يريد بحاجتي إليها - قول لبيد: فاقطع لبانة من تعرض وصله. معناه أقطع لبانتك عنده وحاجتك إليه.
وأنشد أبو علي للضحاك: يقول مجنون بسمراء مولع ع هذا الشعر قد تقدم إنشاده، وذكرنا أنه لحكيم بن معية التميمي. وأن أحمد بن يحيى نسبه إلى قيس بن ذريح، ونسبه أبو على هنا للضحاك بن عمارة بن مالك العدواني، وهو شاعر إسلامي فارس. والصحيح ما قدمناه.
وأنشد أبو علي للراعي:
وعلى الشمائل أن يهاج بناجربان كل مهند عضب
ع وقبله:
ومعاشر ودوا لو أن دمي يسقونه من غير ما سغب
ألزقت صحبي من هواك بهم وقلوبنا تنزو من الرهب
[ ١ / ٦٩٤ ]
متلثمين على معارفنا نثنى لهن حواشي العصب
وعلى البيت. السغب والسغب: الجوع. يقول ألزقت أصحابي بهؤلاء المعاشر حتى نبلغك على خوف منهم. قال الأصمعي: والكلام الرهب: فأسكن ضرورة، قال أبو حاتم: هما لغتان قد قرىء بهما القرآن. والمعارف: الوجوه. يقول تلثمنا لكي لا نعرف. يقول نثني لوجوهنا حواشي العصب وسيوفنا على عواتقنا ومناطها الشمائل خوفًا أن يثاورونا قد هيأناها لهم.
وأنشد أبو علي لبشار:
كأن فؤاده كرة تنزى حذار البين لو نفع الحذار
ع قال أبو حاتم لا تقول العرب نزيت الكرة، إنما كلامها كروت بها، قال وهذا شعر مولد. قال ابن الأنباري: لم يصنع أبو حاتم شيئًا، والعرب تقول نزيت الكرة، قال ابن لجإ:
حتى ترى الشنة في أصوائها ككرة اللاعب في أنزالها
وتمام الشعر:
يروعه السرار إذا رآه مخافة أن يكون به السرار
أخذ معنى هذا البيت أبو نواس فقال:
تركتني الوشاة نصب المشيرين وأحدوثة بكل مكان
ما أرى خاليين للسر إلا قلت ما يخلوان إلا لشاني
وأنشد أبو علي لعدي:
[ ١ / ٦٩٥ ]
ألا من لقلب؟ لا يزال كأنه يدا لامع، أو طائر يتصرف
ع هذا البيت لجران العود لا لعدي، وبعده:
فلما علانا الليل أقبلت خفية لموعدها أعلو الإكام وأظلف
فنازعننا لذًا رخيما كأنه مواقع من قطر حواهن صيف
حديثًا لو أن النعل يولى بمثله نمى النعل وأخضر العضاة المصيف
قوله أظلف: أي آخذ في الغلظ من الأرض ليخفى أثرى، يقال ظلفت أثرى وأظلفته، ويروى: عوائد من قطر أي ما عاد إليهم منه. والولى: المطر الثاني. والمصيف: الذي قد جف بعضه.
وأنشد أبو علي لقيس المجنون:
كأن القلب ليلة قيل يغدى بليلي العامرية أو يراح
ع هكا نسب الأخفش هذا الشعر إلى قيس المجنون، وقال محمد بن يزيد: هو لقيس بن ذريح، وقال أبو تمام: هو لنصيب.
وأنشد أبو علي للوقاف ورد بن ورد الجعدي شعرا، منه:
فلا وأبيها إنها لبخيلة وفي قول واش إنها لغضوب
ع لا أعلم في الشعراء ورد بن ورد وإنما أعلم ورد بن سعد العمى
[ ١ / ٦٩٦ ]
أبا العذافر شاعر من شعراء الدولة الهاشمية، وهو الذي يقول في خزيمة بن تمام خازم:
خزيمة خير بني خازم وخازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما مثال تميم بنو آدم
ولعل الذي ذكره أبو علي شاعر غامر لم يبلغنا ذكره. وقوله: فلا وأبيها رد لقوله قبل هذا:
أثيبي صدى لو تعلمين سقيته سقتك غمامات لهن دبيب
وقد حمله قوم على أن لا صلة، والقول الأول خير.
وأنشد أبو علي للشماخ:
رعى بارض الوسمى حتى كأنما يرى بسفى البهمي أخلة ملهج
ع وقبله:
كأني كسوت الرحل أحقب قارحا من اللاء ما بين الجناب فيأجج
رعى بارض الوسمى. والجناب: أرض كلب. ويأجج: جبل هناك.
وأنشد أبو علي لكثير قصيدة فسرها، وفيها:
لعزة إذ يحتل بالخيف أهلها فأوحسن منها الخيف بعد حلول
وقال ابن السكيت في أبيات المعاني أراد يالعزة؟ على معنى التعجب، فحذف يا، وذلك غير جائز عند البصريين. وهي
[ ١ / ٦٩٧ ]
عزة بنت حميل بن حفص بن إياس. من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.
وأنشد أبو علي لطفيل:
قبائل من فرعي غنى تواهقت بها الخيل لا عزل ولا متأشب
ع قبل البيت:
وعوج كأحناء السراء مطت بها مطارد تهديها أسنة قعضب
إذا قيل نهنهها وقد جد جدها ترامت كخذروف الوليد المثقب
قبائل من فرعي غنى تواهقت بها الخيل لا عزل ولا متأشب
الرواية عن أبي علي: لا عزل ولا متأشب بالرفع، والصواب كما أنشدناه بالخفض على البدل من الضمير في بها. وقوله ولا متأشب: أي ليسوا بأشابة. وقوله عوج: يريد أن في أيديها تحنيبا وفي أرجلها تجنيبا، كما يجنى السراء وهو من عيدان القسي. ويقال: عوج: ضمر مهازيل من الغزو. مطت بها: أي مدت بها أعناق كالمطادر أي رماح تهديها أي تقدم الرماح أسنة قعضب، وهو رجل من بني قشير كان يعمل الأسنة بأضاخ جاهلي. ونهنهها: أي كفها، يقول: إذا ذهب يكفها ترامت أي تتابعت. والخذروف: الخرارة. والعزل: الذين لا سلاح معهم، وقال أبو عبيدة: لو كانت معه خشبة لم يكن أعزل. ولا متأشب: أي لا خلط فيهم من غيرهم، يقال: أشابات من الناس وأوباش وأوشاب: أي أخلاط، وهذا كما قال بشر:
فيلتف جذماها ولا حي بيننا وبينكم إلا الصريح المهذب
وعساكر العرب هي أشد من قبيل واحد، وأما عساكر الملوك فمن قبائل شتى إن اختلف
[ ١ / ٦٩٨ ]
عليه قبيل قاومه قبيل آخر. كما قال خاتم الشعراء المتنبيء يصف جيش ممدوحه:
تجمع فيه كل لسن وأمة فما تفهم الحداث إلا التراجم
وأنشد أبو علي:
إذا واضخوه المجد أربى عليهم بمستفرغ ماء الذناب سجيل
ع البيت للحطيئة، وقبله:
لعمري لقد جاريتم آل مالك إلى ماجد ذي جمة وفضول
يقوله في تنافر عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة. ومالك بن جعفر بن كلاب: هو جد عامر بن الطفيل. والجمة: جمة القليب، أراد أن مجده كثير يقول: إذا فعلوا شيئًا فعل أكثر منه، كالساقي الذي يسقى بدلو ضخمة سجيلة، يستفرغ من الماء مالا يستفرغ غيره من الدلاء، وإنما هذا مثل ضربه، ثم قال:
فما جعل الصعر اللئام جدودها كآدم قلبا من بنات جديل
قلبا: أي خالصا، يعني عامرا.
وأنشد أبو علي للعجاج:
تواضخ التقريب قلوًا مغلجا
ع وقبله:
كأن تحتي ذات شغب سمحجا قوداء لا تحمل إلا مخدجا
تواضخ التقريب قلوًا محلجا جأبًا ترى تليله مسحجا
الشغب: المخالفة والعسر. والقلو: الخفيف. والمحلج: الشديد المدمج. هكذا رواه أبو حاتم عن الأصمعي. والمغلج: الشديد العدو، وقد غلج غلجا وغلجانا.
وأنشد أبو علي لأوس بن حجر:
[ ١ / ٦٩٩ ]
تواعد رجلاها يديه ورأسه له نشز عند الحقيبة رادف
ع قال أوس يذكر الحمير والصائد:
ومرت له تبري وأاة كأنها صفا مدهن قد دلصته الزحالف
تواهق رجلاها
وما زال يفري الشد حتى كأنما قوائمه في جانبيه زعانف
دلصته: أي ملسته. الزحالف: جمع زحلوفة، ويروى له نشز فوق الحقيبة، ومثله للأعشى:
ولم يرض بالقرب حتى تكون وسادًا للحييه أكفالها
ومثله قول الحطيئة وقد تقدم:
مستخلفات رواياها جحافلها يسمو بها أشعري طرفه سام
وأنشد أبو علي:
من يساجلني يساجل ماجدا يملأ الدلو إلى عقد الكرب
ع الشعر للفضل بنم العباس بن عتبة ابن أبي لهب، وأسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وقبله:
[ ١ / ٧٠٠ ]
وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة في بيت العرب
وسمعه الفرزدق ينشد هذا الشعر، فنضا ثيابه وقال أنا أساجلك من أنت؟ فلما أنتسب له لبس ثيابه وقال: والله لا يساجلك إلا من عض بفعل أبيه. والفضل أحد شعراء بني هاشم وفصحائهم، وكان شديد الأدمة ولذلك قال أنا الأخضر من يعرفني وهو هاشمي الأبوين، وأمه بنت العباس بن عبد المطلب، وإنما أتته الأدمة من قبل جدته وكانت حبشية.
وأنشد أبو علي للبيد:
أماني بها الأكفاء في كل موطن وأجزى فروض الصالحين وأقترى
ع قبل البيت:
أقي العرض بالمال التلاد وأشترى به الحمد إن الطالب الحمد مشتر
أماني. ويروى: وأقضي فروض الصالحين. وقوله: وأقترى أي كما يقرى الماء في الحوض، يريد أجمع لهم فرضي وجزائي.
وأنشد أبو علي لخداش بن زهير:
تما أرتم في المجد حتى هلكتم كما أهلك الغار النساء الضرائرا
ع هو خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة، شاعر جاهلي من
[ ١ / ٧٠١ ]
شعراء قيس المجيدين، وكان أبو عمرو ابن العلاء يقول خداش أشعر في عظم الشعر من ابن عمه لبيد يعني في نفس الشعر. ويكنى خداش أبا زهير، وجد خداش عمرو بن عامر هو فارس الضحياء.
وأنشد أبو علي:
منا الذي هو ما إن طر شاربه والعانسون ومنا المرد والشيب
ع هو لأبي قيس ابن رفاعة هكذا يقول يعقوب، وغيره يقول قيس بن رفاعة، وقد تقدم ذكره: وأنشد أبو علي: قامت تعنظي بك سمع الحاضر ع قال ابن الأعرابي: رجل حنظيان كثير الشر، وأنشد: قامت تحنظى بك سمع الحاضر
[ ١ / ٧٠٢ ]
صهصلق لا ترعوى لزاجر ولا تطيع رشدات آمر
قال ويروى: قامت تحنظى بك وسط الحاضر هكذا نقلته من خط الحامض بكسر الكاف، يخاطب امرأته.
وأنشد أبو علي عن الفراء:
يا قبح الله بني السعلاة عمرو بن يربوع شرار النات
ليسوا أعفاء ولا أكيات ع أنشده أبو زيد في نوادره لعلباء بن أرقم. وقال أبو الحسن الأخفش: هذا من قبيح البدل، وإنما أبدل السين من التاء لأن في السين صفيرا فأستثقله، فأبدل منها التاء وهو من أقبح الضرورة. قوله: بني السعلاة زعموا أن عمرو بن يربوع أولد سعلاة، وذكر أبو زيد في نوادره أن السعلاة أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم، ثم رأت برقا يلم من شق بلاد السعالي، فحنت فطارت نحوهم، فقال شاعرهم عمرو بن يربوع:
رأى برقا فأوضع فوق بكر فلا بك ما أسال وما أغاما
وأنشد أبو علي للبيد:
نشين صحاح البيد كل عشية بعوج السراء عند باب محجب
ع صلة البيت:
وخصم قيام بالعراء كأنهم قروم غياري كل أزهر مصعب
نشين صحاح البيد.
فأصدرتهم شتى كأن قسيهم قرون صوار ساقط متلغب
[ ١ / ٧٠٣ ]
المصعب: الذي قد أصعب للضراب، فلا يركب ولا يمتهن استيفاء لطرقه. وقوله: كان قسيهم قرون صوار يقول: انصرفوا مغلوبين مائلة قسيهم كأنها قرون صوار مصروع.
وأنشد أبو علي للحطيئة في ذلك:
أم من لخصم مضجعين قسيهم ميل خدودهم عظام المفخر
ع هذا الأبيات يرثى بها علقمة بن هوذة بن علي، وبعد البيت:
إن الرزية لا أبالك هالك بين الدماخ وبين داره خنزر
تلك الرزية لا رزية مثلها فأقنى حياءك لا أبالك وأصبري
وفي هذا المعنى المذكور يقول الآخر:
إذا اجتمع الناس يوم الفخار أطلت إلى الأرض ميل العصا
وأنشد أبو علي:
ألآن لما أبيض مسربتي وعضضت من نابي على جذم
ع هو للحارث بن وعلة الذهلي، وقد تقدم ذكره، وبعده:
ترجو الأعادي أن أسالمها جهلًا توهم صاحب الحلم
وأنشد أبو علي لطريح الثقفي في خبر ذكره:
[ ١ / ٧٠٤ ]
تخل بحاجتي وأشدد قواها فقد أمست بمنزلة الضياع
ع هو طريح بن إسمعيل بن عبيد، يكنى أبا الصلت بابن له وإتاه يعنى بقوله:
يا صلت إن أباك رهن منية مكتوبة لابد أن يلقاها
وهو شاعر مجيد من شعراء الدولتين، واستفرغ شعره في الوليد بن يزيد، وجد طريح لأمه سباع بن عبد العزى الخزاعي الذي قتله حمزة بن عبد المطلب ﵇ يوم أحد، ولما برز سباع قال له حمزة: هلم إلى يا ابن مقطعة البظور، وكانت أمه خاتنة تقبل نساء قريش، فحمى وحشي لقوله وغضب لسباع، فرمى حمزة بحربة فقتله ﵁. وقال السيرافي في كتاب الإقناع: إذا أمرت من الفعل الذي فاؤه همزة قلبت الهمزة حرفًا من جنس الحركة التي قبلها، وقد شذ من ذلك ثلاثة أفعال: كل ومر وخذ، فأما مر فقد جاء على أصله. قال الله سبحانه: " وآأمر أهلك بالصلوة " وروى بعض النحويين أؤخذ في خذ، وأنشد:
تخل بحاجتي وآأخذ قواها فقد أضحت بمنزلة الضياع
وأنشد أبو علي قول الشاعر:
لعلك والموعود حق وفاؤه بدا لك في تلك القلوص بداء
وقال هذا رجل وعده أحد قلوصًا فأخلفه ع ذكر عمرو عن أبيه أن هذا الشعر لرجل
[ ١ / ٧٠٥ ]
من مزينة، ومثل قوله:
أقول التي تنبي الشمات وإنها على وإشمات العدو سواء
قول محرز بن المكعبر الضبي:
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ولو شئت قال المخبرون أساؤا
وإني لأرجوكم على بطء سعيكم كما في بطون الحاملات رجاء
وأنشد أبو علي للطرماح شعرا، منه:
فتى لو يصاغ الموت صيغ كمثله إذا الخيل جالت في مساجلها قدما
ع هذا من قول عنترة:
إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وأنشد أبو علي لربيعة الأسدي يرثي ابنه ذؤابًا: أبلغ قبائل جعفر مخصوصة ع هذا الشعر الذي رثى به ابنه ذؤابا كان السبب في قتل ابنه، وذلك أن بني أسد أغارت على بني يربوع فذهبت بإبلهم، فأتى الصريخ الحي فلم يتلاحقوا إلا مسيًا بموضع يقال له خو، وكان ذؤاب على فرس أنثى، وكان عتيبة بن الحارث على فرس حصان، فجعل الحصان يستنشىء ريح الأنثى في سواد الليل فيتبعها، فلم يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه في ذؤاب، وعتيبة غافل قد لبس درعه وفغل عن جربانه أن يشده، ورآه ذؤاب فأقبل بالرمح إلى ثغره نحره فقتله، ولحق الربيع بن
[ ١ / ٧٠٦ ]
عتيبة فشد على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فاقتتل القوم ثم تفرقوا، فوفد ربيعة - أبو ذؤاب وهو ربيعة بن ذؤاب لأن أبا ربيعة يسمى ذؤابا أيضا كذلك قال أبو عبيدة - على ربيع بن عتيبة ففادى ابنه ذؤابا بإبل معلومة، وربيع لا يعلم أن ذؤابا قاتل عتيبة بن الحارث بن شهاب، فلما دخلت الأشهر الحرم التي كانوا يردون فيها عكاظ، وافى ربيعة بالإبل، وشغل ربيع بن عتيبة فلم يواف بالأسير. فظن ربيعة أنه قد قتله بأبيه عتيبة فرثاه بهذا الشعر، فبلغ الشعر بني يربوع، فأتى سائر ولد عتيبة إلى ربيع، فقالوا له يا ربيع ثأرنا في يديك وهو قاتل أبيك، قال: إني رجل معيل وأنا أحب اللبن وقد فاديته، فإن أعطيتموني ذات البرانس دفعته إليكم، وهي قطعة من إبل كانت لعتيبة كأنها الهضاب، مجللة فراء يعدها للسنين، ففعلوا فقتلوا ذؤابا وهذا كله في الجاهلية. والآمدى يقول هو ربيعة على لفظ التصغير. وروى أبو تمام: أذؤاب إني لم أهنك من الهوان وروايته:
بأشدهم كلبًا على أعدائهم وأعزهم فقدا على الأصحاب
وأنشد أبو علي لسلمة بن يزيد، يرثى أخاه لأمه قيس بن سلمة:
[ ١ / ٧٠٧ ]
أقول لنفسي في الخلاء ألومها لك الويل ما هذا التجلد والصبر!
ألا تفهمين الخبر أن لست لاقيا أخي إذ أتى من دون أوصاله القبر
وكنت إذا ينأى به بين ليلة يظل على الأحشاء من بينه الجمر
فهذا لبين قد علمنا إيابه فكيف لبين كان موعده الحشر؟
وهون وجدي أنني سوف أغتدى على إثره حقًا وإن نفس العمر
فلا يبعدنك الله إما تركتنا حميدا، وأودى بعدك المجد والفخر
فتى كان يعطى السيف في الروع حقه إذا ثوب الداعي وتشقي به الجزر
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
فتى لا يعد المال ربًا ولا ترى له جفوة إن نال مالًا ولا كبر
فنعم مناخ الضيف كان إذا سرت شمال وأمست لا يعرجها ستر
ومأوى اليتامى الممحلين إذا انتهى إلى بابه سغبي وقد قحط القطر
ع وقيل إن أخاه المؤبن مسلمة بن معراء. وأنشد محمد بن يزيد أبياتا من أول هذا الشعر للأبيرد اليربوعي يرثى أخاه بريدًا، والصحيح أن أوله لسلمة، وقد خلط أبو علي فيه أبياتا من قصيدة الأبيرد المشهورة التي يرثى بها أخاه بريدا وهي من قوله:
فتى كان يعطى السيف في الروع حقه
وروى بعض الرواة أن خنساء كانت بعد الإسلام تنشد ليلة هذا الشعر: أقول لنفسي في الخلاء ألومها ترددها وتبكي أخاها صخرًا، فهتف بها هاتف من مؤمني الجن: يا خنساء قبضه خالقه، واستأثر به رازقه، وأنت فيما تفعلين ظالمة، وفي البكاء عليه آثمة. ومثل قوله: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه قول المقنع الكندي:
[ ١ / ٧٠٨ ]
لهم جل مالي إن تتابع لي غنى وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وقول الآخر:
يعرف الأبعد إن أثرى ولا يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وقول إبراهيم بن العباس الصولي:
ولكن الجواد أبا هشام نقي الجيب مأمون المغيب
بطىء عنك ما استغنيت عنه وطلاع عليك مع الخطوب
وقوله أيضًا: رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا. وقد تقدم، وقوله: وقد قحط القطر. يقال: قحط القطر وقحط الناس بكسرها وأقحطوا وأنشد أبو علي لجميل قصيدة منها:
وطارت بحد من فؤادي ونازعت قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
ع قرينتها: نفسها، نازعت وصل حبله نفسها تدعوها إلى ذلك وهي تأباه. وقوله إلى حبلي: يريد مع حبلي كما قال الله تعالى " من أنصاري إلى الله ". وفيه: فقر بني يوم الحصاب إلى قتلي. الحصاب: جمع حصبة، محركة الصاد مثل أكمة وإكام. وقال أبو علي عند إنشاد هذه القصيدة، قال الزبير: كان عمر وجميل يتنازعان الشعر، قال: فيقال إن عمر في الرائية والعينية أشعر من جميل، وجميل أشعر في اللامية.
ع قال قال الزبير: وأنا لا أقول هذا لأن قصيدة جميل مختلفة غير مؤتلفة، فيها طوالع النجد، وخوالد المهد. وقصيدة عمر ملساء المتون، مستوية الأبيات، أخذ بعضها بأذناب
[ ١ / ٧٠٩ ]
بعض. ولو أن جميلا خاطب في كلامه مخاطبة عمر لارتج عليه، وتعثر في كلامه. ولم يذكر أبو علي كلام الزبير وأنتقاده وهو صحيح وبه يتم الخبر.
وذكر أبو علي خبر قيس بن ذريح مع أبيه وهو قيس بن ذريح بن الحباب بن سنة، أحد بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وأمه بنت الكاهل بن عمرو الخزاعي، أرضعت الحسين بن علي ﵄، فقيس رضيع الحسين. ولبنى هي بنت الحباب الكعبية. قال القحذمي: كان قيس وأبوه من حاضر المدينة، ومنازل قومه يظاهر المدينة. وقد أختلف في آخر أمر قيس ولبنى، فقيل إنهما ماتا على افتراقهما قال المدائني: ماتت لبنى فخرج قيس ومعه جماعة من أهله حتى وقف على قبرها فقال:
ماتت لبنى فموتها موتى هل تنفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئب قضى حياة وجدًا على ميت
ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه، ومات بعد ثلاث، فدفن إلى جنبها. وذكر القحذمى أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي ﵃، وإلى جماعة من قريش فقال: إن لي حاجة وإني أستعين بجاهكم وأموالكم عليها، قالوا: ذلك مبذول. فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى، فلما رآهم أعظمهم، فقالوا: قد جئنا بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق، قال: هي مقضية كانت ما كانت، قال ابن أبي عتيق تهب لهم ولي لبنى وتطلقها، قال: نعم أشهدكم أنها طالق، فاستحيا القوم واعتذروا، وعوضوه مائة ألف درهم منها، وحملها ابن أبي عتيق حتى انقضت عدتها، ثم أرسل إلى أبيها فزوجها قيسا فقال قيس:
[ ١ / ٧١٠ ]
جزى الرحمن أفضل ما يجازى على الإحسان خيرا من صديق
فقد جربت إخواني جميعا فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ورأى جرت فيه عن طريق
فأطفأ لوعة كانت بقلبي أغصتني حرارتها بريقي
فقال له ابن أبي عتيق: أمسك عن هذا! فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا.
وأنشد أبو علي:
كسوناها من الريط اليماني مسوحًا في بنائقها فضول
ع هكذا أنشدهما غيره، لم ينسبهما أحد، وقد رأيت في بعض حواشي الأمهات أنهما للمخبل، ولم يقعا في ديوان شعره. وقوله من الريط اليماني: يريد بدلا من الريط اليماني.
وأنشد أبو علي للشماخ:
ولا عيب في مكروهها غير أنه تبدل جونًا لونها غير أزهرا
قال الشماخ وذكر ناقة:
سرت من أعالي رحرحان فأصبحت بفيد وباقي ليلها ما تحسرا
ولاقت بصحراء البسيطة ساطعا من الصبح لما صاح بالليل نفرا
ولا عيب في مكروهها غير أنه.
كأن بذفراها مناديل قارفت أكف رجال يعصرون الصنوبرا
صاح: يعني لما أضاء الصبح ذهب الليل فكأنه نفره، وهذا كما قال الفرزدق:
والشيب ينهض في السواد كأنه ليل يصيح بجانبيه نهار
[ ١ / ٧١١ ]
وقوله ولا عيب في مكروهها: يقول: إن حملها على مكروهها حملته. وقال الأصمعي: مكروهها: عرقها، وقال القتبي: أراد إذا بلغت المكروه فلا عيب لها إلا العرق الأسود، والقطران يتخذ من الصنوبر، شبه ذفراها بمناديل قارفت أكف عاصريه، كما قال الراجز أبو النجم:
جوانا كأن العرق المنتوحا ألبسه القطران والمسوحا
وأنشد أبو علي لهيمان بن قحافة: يطير عنها الوبر الصهابجا ع وقبله وذكر إبلا: تثير بالأيدي عجاجا راهجا
عجاجة ترى لها رواهجا يطير عنها الوبر الصهابجا
فأسأرت في الحوض حضجا حاضجا قد آل من أنفاسها رجارجا
وبنو تميم يجعلون ياء النسب جيما.
وأنشد أبو علي: كأن في أذنابهن الشول ع الرجز لأبي النجم، وصلته:
حتى إذا ما بلن مثل الخردل كأن في أذنابهن الشول
من عبس الصيف قرون الأيل ظللت بنيران الحرور تصطلى
يقول: إذا كان اليبس خثرت أبوالها، فتراها تلزق بأسوقهن كالخطمى والخردل، فإذا ضربت بأذنابها على أعجازها وهي رطبة من أبوالها ثم بركت فعلق بها العطن، اجتمع الشعر وتلصق وقام قياما كأنه قرون الأيل. والعبس والوذح واحد.
[ ١ / ٧١٢ ]
وأنشد أبو علي:
حييا ذلك الغزال الأحما إن يكن ذا كم الفراق أجما
ع هو لعمر ابن أبي ربيعة، وبعده:
ليس بين الحياة والموت إلا أن يردوا جمالهم فتزما
ويروى: ليس بين الرحيل والموت. والزم: أن تزم الجمال بالخطم للرحيل.
وأنشد أبو علي ليزيد بن خذاق:
ولقد أضاء لك الطريق وأنهجت سبل المكارم والهدى يعدى
ع يزيد شاعر جاهلي قديم من شعراء عبد القيس. قال أبو عمرو ابن العلاء ليزيد بن خذاق أول شعر قيل في ذم الدنيا، وهو:
هل للفتى من بنات الدهر من واق أم هل له من حمام الموت من راق
قد رجلوني وما بالشعر من شعث وألبسوني ثيابا غير أخلاق
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبًا ليسندوا في ضريح القبر أطباقي
[ ١ / ٧١٣ ]
وقسموا المال وارفضت عوائدهم وقال قائلهم مات ابن خذاق
هون عليك ولا تولع بإشفاق فإنما مالنا للوارث الباقي
وقبل البيت الشاهد:
وهززت سيفك كي تحاربنا فانظر بسيفك! من به تردى؟
ولقد أضاء لك الطريق
يقال أنهج السبيل: أي وضح وبان. ويعدي: أي يعين، وأعديتك على الشيء: أي أعنتك عليه، وكذلك آديتك، قال عروة بن الورد:
إذا ما آد مالك فأمتهنه لجاديه وإن قرع المراح
وأنشد أبو علي لطفيل:
فنحن منعنا يوم حرس نساءكم غداة دعانا عامر غير معتل
يريد غير مؤتل، وصلة البيت:
بني جعفر لا تكفروا حسن سعينا وأثنوا بحسن القول في كل محفل
ولا تكفروا في النائبات بلاءنا إذا مسكم منه العدو بكلكل
فنحن منعنا. وحرس ماء لغنى، وقال ابن حبيب: هو ماء لبني تميم. وقوله غداة دعانا عامر: يعني عامر بن الطفيل، وقيل بل يريد عامر بن مالك عم عامر بن الطفيل بن مالك. يعاتب بهذا الشعر بني جعفر بن كلاب، ويذكر حسن بلاء غنى عندهم.
وأنشد أبو علي:
أريني جوادا مات هزلًا لعلنيأرى ما ترين، أو بخيلا مخلدا
[ ١ / ٧١٤ ]
ع هذا البيت لحطائط بن يعفر أخي الأسود بن يعفر وقد مضى نسبه، قال يخاطب امرأته:
تقول ابنة العباب رهم حربتنا ولم تك فينا كابن أمك أسودا
ذريني أكن للمال ربًا ولا يكن لي المال ربًا تحمدي غبة غدا
أريني جوادا.