[ ١ / ٦٥ ]
قال المؤلف اختلف الناس في الذي قال: يديرونني عن سالم. فقال قوم هو أبو الأسود الدؤلي يقوله في غلام له اسمه سالم قال:
يديرونني عن سالم وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم
ولو بان من ملكي لبتّ مسهّدًا ونبهان عمّا بي من الشجو نائم
أبا ثابت ساهمت في الحزم أهله فرأيك محمود وعهدك دائم
ونبهان بن عدي جار لأبي الأسود كان يديره على بيع سالم ويروم منه ذلك وأبو الأسود يأباه، ثم مات سالم فقال أبو الأسود هذا الشعر. وقال ابن الكلبي في كتاب النسب أن البيت لعبد الله بن معاوية الفزاري يقوله في ابنه الأشيم واسمه سالم. فأما أبو الأسود فاسمه ظالم بن عمرو بن سفيان من بني الدؤل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة. قال سيبويه في كتابه الدؤل في كنانة والدول غير مهموز في حنيفة والديل في عبد القيس وأبو الأسود شارع إسلامي أدرك علي ابن أبي طالب ﵁، وروى عنه وهو أحد المشهورين بالتشيّع، وأول من وضع في النحو كتابًا لمّا كثر اللحن في المنطق. وأما شعر ابن مقبل فإن صلته على ما رواه محمد بن حبيب البصريّ:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله وذمّي الحياة كل عيش مترّح
[ ١ / ٦٦ ]
وقولي فتى تشقى به الناب ردّها على رغمها أيسار صدق وأقدح
تخيّل فيها ذو وسوم كأنّما يطلّى بحصّ أو يصلّى فيضبح
غدًا وهو مجدول وراح كأنه من الصكّ والتقليب في الكفّ أفطح
خروج من الغمّي إذا صكّ صكّة بدا والعيون المستكفّة تلمح
إذا امتنحته من معدّ عصابة غدا ربّه قبل المفيضين يقدح
قوله تخيل فيها يقول اختال فيها قدح فائز. ووسومه توشية فيه من نبعته. والحصّ الزعفران، قال: والضبح لهوجته على النار. ثم قال: غدوا به مجدولًا مدمجًا، ثم راحوا به لكثرة استعماله لفوزه كأنه أفطح، والفطح: العرض. والغميّ: الجماعة من القداح، يقول يخرج أوّلها من الربابة فائزًا، ومن روى المستكفّة بالكسر فلأن كل عين في كفّتها. يقال لوقبة العين كفّتها وغارها ولحجها ولحجها. ثم قال: إذا امتنحه ممتنح غدًا يقدح نارًا قبل الإفاضة به ثقة بفوزه، وأول من نطق بهذا المعنى امرؤ القيس في قوله:
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
فنقله ابن مقبل إلى صفة قدح كما تقدّم ونقله ابن المعتز إلى صفة جارح فقال:
[ ١ / ٦٧ ]
قد وثق القوم له بما طلب فهو إذا جلّى لصيد واضطرب
عرّوا سكاكينهم من القرب
وابن مقبل هو تميم بن أبيّ بن مقبل من بني العجلان بن عبد الله بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة شاعر مخضرم يكنى أبا كعب. ومثل ما تقدم أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان يعظم له أمر قطريّ، فكتب إليه عبد الملك: أوصيك بما أوصى به البكري زيدًا فلم يدر ما هو، فقال لحاجبه: ناد في الناس من أخبر الأمير بما أوصى به البكري زيدًا فله عشرة آلاف درهم، ففعل فقال رجل أنا أخبره، فأدخل إلى الحجاج فقال له: قل، قال: نعم. إن موسى بن جابر الحنفي قال لابن عمه زيد:
أقول لزيد لا تترتر فإنهم يرون المنايا دون قتلك أو قتلي
فإن وضعوا حربًا فضعها وإن أبوا فشدّ وقود النار بالحطب الجزل
وإن عضّت الحرب الضروس بنابها فعرضة حدّ الحرب مثلك أو مثلي
فقال: صدق أمير المؤمنين عرضة الحرب مثله أو مثلي.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦، ١٥ " لامرئ القيس:
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا
وصلة البيت بجمع رواية الطوسي والأصمعي:
فظلّ لنا يوم لذيذ ونعمة فقل في مقيل نحسه متغيّب
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب
[ ١ / ٦٨ ]
إلى أن تروّحنا بلا متعنّت عليه كسيد الردهة المتأوّب
النعمة: التنّعم والنعمة اليد وما أنعم به عليك. وقوله فقل في مقيل تعجّب مما هم فيه من النعمة وأراد في مقيل متغيّب نحسه فقدّم وأخّر. والظباء والبقر عيونها سود في حال الحياة فإذا ماتت بدا بياضها فلذلك شبهها بالجزع الذي في بياض وسواد بعد ما موّتت. وهذا التشبيه من التشبيهات العقم التي لم يسبقه أحد إليها ولا تعاطاها أحد بعده. ولو قال الجزع وقام به البيت وأمسك عن قوله الذي لم يثقّب لكان من أبدع تشبيه وأحسنه، ثم زاده تتميمًا وحسنًا بقوله الذي لم يثقّب وكمل له بذلك نظم البيت ووضع القافية. وهذه الصناعة من الشعر تسمّى التبليغ لأنه أتى بمعنى زائد بلّغه إلى القافية. والمضهّب: الذي لم يبلغ نضجه من اللحم. وقال بعض أهل اللغة: لا يكون المشّ إلا المسح بالشيء الذي يفشّ الدسم. ومعنى هذا البيت أيضًا مما سبق إليه امرؤ القيس فتبعه الناس. قال عبدة بن الطبيب من بني عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم شاعر مقدّم مخضرم يكنى أبا يزيد قال:
لما وردنا رفعنا ظلّ أردية وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر لم ينهئه طابخه ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
[ ١ / ٦٩ ]
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة أعرافهنّ لأيدينا مناديل
إلا أنه أتى بمعنى بيت امرئ القيس في بيتين. قوله لم ينهئه: أي لم ينضجه. والفائدة في قوله نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا أن العرب تتمدح بالتبذّل والتفل في موطنين في حال الحرب والصيد كما تتمدح بالتنعّم والتطيّب في حال الرفاهة والأمن. قال زياد بن حمل بن سعد أحد بني العدوّية وهم من بني تميم ويقال زياد بن منقذ بن سعد وهو المرّار العدويّ.
يا ليت شعري هل أغدو تعارضني جرداء سابحة أو سابح قدم
نحو الأميلح من سمنان مبتكرا في فتية فيهم المرّار والحكم
ليست عليهم إذا يغدون أردية إلا جياد قسيّ النبع واللجم
من غير فقر ولكن من تبذّلهم للصيد حين يصيح القانص اللحم
قال أبو علي " ١ - ١٦، ١٥ " العرب تقول:
" العير أوقى لدمه ".
[ ١ / ٧٠ ]
قال المؤلف: ومن أمثالهم مثل هذا " جاحش عن خيط رقبته " والمجاحشة: المدافعة. وقولهم " حلأت حالئة عن كوعها " وهي التي تحلأ الأديم أي تأخذ بالشفرة من باطنه فإن خرقت قطعت كوعها.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧، ١٥ ":
ولقد مررت على قطيع هالك من مال أشعث ذي عيال مصرم
من بعد ما اعتلّت عليّ مطيّتي فأزحت علّتها فظلّت ترتمي
وقالا لهالك الضائع، والمصرم المقلّ، يقول: اعتلّت ناقتي فأصبت السوط فضربتها به فظلت ترتمي أي تترامى في سيرها.
ع هذا تفسير منكر وقول مردود قال أبو محمد ابن قتيبة: من قال إن القطيع السوط فقد أخطأ لأنه لو ضربها بالقطيع وقد أعيت قطعها عن السير وإنما القطيع قطيع الإبل، وهالك: ضائع. وأزاح علتها بأن أرعاها معها فأشبعها فظلّت ترتمي. وقال ابن السكّيت: إذا أعيت الناقة واعتلت ثم ضربها قطعها عن السير وإنما عنى بالقطيع الخبط. وقوله هالك: أي ليس عنده ربّه، يعني أنه علف مطيّته من الخبط وأشبعها من بعد ما أعيت فنشطت للسير وجدّت فيه.
[ ١ / ٧١ ]
قال أبو علي " ١ - ١٧، ١٦ " مكتوب في الحكمة: لتكن كلمتك ليّنة. الحديث.
قال المؤلف: هذا مما يروي من حكمة لقمان ووصيّته لابنه، ومثله من حكم العرب:
بنيّ إن البرّ شيء هيّن وجه طليق ولسان ليّن
وقال راجزهم:
بنيّ إن البر شيء هيّن المنطق الليّن والطعيّم
ومثل هذا يرد في القوافي لجفاة العرب. وأنشد ابن الأعرابيّ:
أزهر لم يولد لنجم الشحّ ميمّم البيت كريم السنخ
وأنشد الفرّاء:
إذا نزلت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العنّدا
العند: الجانب. فأما لقمان فقد اختلف الناس فيه فقيل كان نبيًّا وقيل كان حكيمًا وقيل كان رجلًا صالحًا، وقيل كان نجّارًا وقيل كان خياطًا، وقيل كان حبشيًّا غليظ المشافر، ولكن آتاه الله الحكمة، فلسنا نشكّ أنه كان حكيمًا لقول الله تعالى: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " وقد قيل أنه كان راعيًا وأن إنسانًا وقف عليه وهو في مجلسه فقال: ألست كنت ترعى معي في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث
[ ١ / ٧٢ ]
والصمت عما لا يعنيني. وقد قيل أنه كان زمن داود وأنه كان يقتبس الحكمة من داود ﵇ فأتاه الله إياها، وزعم بعضهم أنه كان مولى لبني الحسحاس من الأزد.
أنشد أبو علي " ١ - ١٧، ١٦ ":
وكم من مليم لم يصب بملامة
قال المؤلف: ينسبان إلى الأحوص بن محمد، ويقال أن اسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت وعاصم أنصاري من الصحابة وهو حميّ الدبر وفي ذلك يقول الأحوص:
وأنا ابن الذي حمت لحمه الدبر قتيل اللحيان يوم الرجيع
ويكنى الأحوص أبا عاصم والصحيح أن البيتين لجميل وقد مضى ذكره.
قال أبو علي " ١ - ١٧، ١٦ " فيما رواه عن الكلبي قالت امرأة من العرب لثلاث بنات لها صفن ما تحببن من الأزواج.
قال المؤلف: قد أتى أبو علي على تفسير هذا الحديث إلا قولها: متمّم أيسار، وقول الأخرى: وإن أخلّ أحمض فأما قولها متمم أيسار فإن أكثر الأيسار سبعة على عدد القداح فيأخذ كل رجل قدحًا فإذا فعلوا ذلك فقد توحّدوها، قال النمر:
ولقد شهدت إذا القداح توحّدت وشهدت عند الليل موقد نارها
فإذا نقص عددهم عن ذلك أخذ الرجل الكريم منهم ما فضل من القداح، فيكون له حظّ الفائز منها وعليه غرم الخائب فكأنه قد تمّم عدد الأيسار بذلك. وكانت العرب تعدّ
[ ١ / ٧٣ ]
ذلك فضيلة وتتمدّح به، وقال النابغة:
أنّي أتمّم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
وقال ابن الأعرابي: إذا كان الرجل يفوز قدحه مرّة بعد أخرى ويطعم اللحم سمّي متمّمًا، وبذلك سمّي متمّم بن نويرة. وأما قولها وإن أخلّ أحمض ففيه قولان أحدهما: أن التحميض أن يحول المرء من أمر إلى أمر يقال منه حمّضته وأحمضته، قال الطرمّاح:
لا يني يحمض العدوّ وذو الخلّة يشفى صداه بالإحماض
وقال العجاج:
جاؤا مخلّين فلاقوا حمضًا طاغين لا يزجر بعض بعضا
يعني أن الإبل يأكل الخلّة تشتهي الحمض فضربه مثلًا، يقول جاءوا يشتهون القتال فلاقوا من يقاتلهم ويشفيهم. والخلّة كل ما ليس بحمض والعرب تقول الخلّة خبز الإبل والحمض لحمها، ويقال فاكهتها. والحمضة الشهوة إلى الشيء وإنما أخذ من شهوة الإبل إلى الحمض إذا أجمت الخلّة، تقول المرأة إذا ملّت نعمة نقلها إلى مثلها. وحمله آخرون على حديث الليث عن الحارث بن يعقوب عن سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر: كيف ترى في التحميض. قال: وما التحميض. قلت: أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. قال: أو يفعل ذلك أحد من المسلمين. ويروى عن ابن عمر في حديث آخر: كنّا نشتري الجواري ونحمّض فيهنّ. وقولها بعد هذا وإن دسر أغمض يقوّي التأويل الأخير، والدسر الدفع، والإغماض الإيلاج الشديد، والغمض من الأرض الشديد الاطمئنان حتى يغيب من فيه.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨، ١٦ "
[ ١ / ٧٤ ]
تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها من الشواء ويروى شربة الغمر
قال المؤلف: البيت لأعشى باهلة من قصيدة يرثي بها المنتشر بن وهب الباهليّ، واسم الأعشى هذا عمرو بن الحارث ويكنى أبا قحافة. وقال قطرب: إنه للدعجاء بنت وهب وإنها هي التي ترثي أخاها المنتشر بالقصيدة المعروفة التي أولها:
إني أتتني لسان لا أسرّ بها من علو لا عجب فيها ولا سخر
وبعد البيت الشاهد:
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ومن وصب ولا يعضّ على شرسوفه الصفر
التأرّي: التحبّس والمكث. والاقتفار: أن يأكل خبزه قفارًا دون أدم جشعًا قبل أن يدرك الطعام. والصفر: حيّة في البطن تعضّ الشرسوف إذا جاع صاحبه. وقيل الصفر داء يعالج بقطع النائط. قال الراجز:
قطع الطبيب نائط المصفور
وكانت العرب تزعم أنه يعدي. وفي الحديث: لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا
[ ١ / ٧٥ ]
صفر. وقال قوم: معنى صفر في الحديث غير هذا ويروي:
ولا يزال أمام القفر يقتفر
أي لا يزال هاديًا لهم متقدمًا يقتفر الآثار.
وكان في حديث المنتشر وكان يغير على بني الحارث بن كعب فقتل منهم عمرو بن عاهان. فقالت نائحته تبكيه:
يا عين فابكي على عمرو بن عاهان لو كان قاتله غير الذي كانا
لو كان قاتله حيًّا نعجّ به لكن قاتله بهل بن بهلانا
ثم أغار المنتشر فقتل نائحة عمرو، وأسر صلاءة بن عمرو الحارثي، وكان من ساداتهم وقطّعه آرابًا، فرصدته بنو الحارث حتى أخذوه، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثي، ففعلوا به ما فعل هو بصلاءة. قولها بهل بن بهلانا: هذا يقال للمحتقر ويقال للذي لا يعرف هيّان بن بيّان وصلمعة بن قلمعة.
وقال ابن دريد العشي من الشعراء ثمانية، وتتبّعتهم أنا فوجدتهم خمسة عشر أعشى وهم: أعشى بن بكر، وأعشى بني تغلب، وأعشى بني ربيعة، وأعشى همدان، وأعشى
[ ١ / ٧٦ ]
شيبان، وأعشى باهلة، وأعشى بني الحرماز، وأعشى عكل، وأعشى عنزة، وأعشى طرود، وأعشى بني أسد، وأعشى بني عقيل، وأعشى بني مالك، وأعشى بني تميم، وأعشى بني سليم. وقد ذكرتهم بأنسابهم وأخبارهم ومتخيّر أشعارهم في كتابي الكبير الموسوم بكتاب الإحصاء لطبقات الشعراء.
وقال أبو علي " ١ - ١٨، ١٦ " في خطبة عتبة بن غزوان حين خطب.
ع هو عتبة بن غزوان بن الحارث بن جابر من بني مازن وهو من المهاجرين الأولين شهد بدرًا وكان من الرماة المذكورين، وهو افتتح الأبلة واختط البصرة، وتوفي في خلافة عمر وهو حليف بني نوفل بن عبد مناف يكنى أبا غزوان، وتمام خطبته بعد قوله: كصبابة الإناء، فانتقلوا بخير ما يحضركم، فقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، وإنه لم تكن نبوّة قط إلا كان عاقبتها ملكًا وما منّا اليوم أحد إلا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، فأعوذ بالله من أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا. وقد روى صدر هذا الكلام عن عتبة بن غزوان عن النبي ﷺ. قال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد في كتاب الحكم والأمثال المروية عن رسول الله ﷺ. حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد حدثنا سليمان بن محمد الخزاعي حدثنا محمد بن حفص الوصابي حدثنا عبد العظيم بن حبيب الزبيدي
[ ١ / ٧٧ ]
عن راشد بن سعد عن عتبة بن غزوان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها وإنكم منتقلون إلى دار لا زوال فيها فانتقلوا بخير ما يحضركم. قلت: هو أبو عبيد عمر بن حفص الوصابي حمصي يروي عن محمد بن حمير روى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل والوصابي بالباء في المحدثين غير واحد، والوصافي بالفاء أخت القاف واحد وهو عبد الله بن الوليد الوصافي منسوب إلى الوصاف بن عامر العجلي واسمه مالك.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨، ١٧ " للنابغة:
حذّاء مدبرة سكّاء مقبلة
قال المؤلف: هذا البيت من شعر النابغة في رواية بعض الرواة، وقد قيل إنه منحول وقبل البيت:
تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت يا صدقها حين تدعوها فتنتسب
حذّاء مدبرة سكّاء مقبلة للماء في النحر منها نوطة عجب
تسقي أزيغب ترويه مجاجتها وذاك من ظمئها في ظمئه شرب
ويروى: إذا نسبت يعني أن صوتها قطًا قطًا وهذا كثير في أشعارهم، لذلك سمّت العرب صوتها القطقطة. وكل الطير سكّ: أي مصطلمة الآذان، ويقال للصغير الأذنين من الناس أسكّ والأنثى سكّاء والسكك أيضًا ضيق الصماخ من ذلك قول النابغة:
وتلك التي تستكّ منها المسامع
والنوطة: الحوصلة سميت بذلك لتعلّقها، وعجب: صفة في معنى عجيبة، والظمء: ما بين الشربتين. يقول يظمآن معًا: أي تذهب فتشرب ثم تجئ فتسقيه.
[ ١ / ٧٨ ]
واسم النابغة زياد بن عمرو بن معاوية الذبياني. وقال ابن الأعرابي هو زياد بن معاوية بن ضباب فأنشده الأثرم قول النابغة يعني نفسه.
وقائلة من أمّها واهتدى لها زياد بن عمرو أمّها واهتدى لها
فقال له: نحن لا نرويه يعني القصيدة. ويكنى أبا أمامة وإنما سمي النابغة لأنه لم يقل الشعر إلاّ بعد أن كبر وساد قومه ولم يفجأهم إلاّ وقد نبغ عليهم بالشعر، وقال الآخرون: سمي ببيت قاله وهو:
وحلّت في بني القين بن جسر فقد نبغت لنا منهم شؤون
والنوابغ من الشعراء ثماينة: نابغة بني ذبيان هذا، والنابغة الجعدي، والنابغة الشيباني ونابغة بني الديّان، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني، والنابغة التغلبيّ، ونابغة بني جديلة، ليس منهم جاهلي إلا الذبيانيّ خاصّة.
أنشد أبو علي " ١ - ١٨، ١٧ " للحطئة:
[ ١ / ٧٩ ]
فدى لابن حصن ما أريح فإنه ثمال اليتامى عصمة في المهالك
قال المؤلف: هذا أول الشعر وبعده:
سما لعكاظ من بعيد وأهلها بألفين حتى دسنهم بالسنابك
فباع بنيه بعضهم بخشارة وبعت لذبيان العلاء بمالك
قوله لابن حصن يعني عيينة بن حصن. ويروى ما أريح بفتح الحاء وما أريح بضمّها والرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل ويروى بخسارة أي رضوا بالديات فكان ذلك عارًا وخسارًا عليهم وأبيت أنت إلاّ إدراك ثأرك. والخشارة السفلة. وبعت بمعنى اشتريت. يقوله الحطئة لعيينة بن حصن الفزاري، وكانت بنو عامر قتلت ابنه مالكًا فغزاهم فأدرك بثأره وغنم وغنّم.
واسم الحطئة جرول بن أوس بن مالك من بني قطيعة بن عبس يكنى أبا مليكة لقّب الحطئة لقصره وقربه من الأرض. يقال حطأته إذا ضربته ضربة شديدة ألزقته بالأرض. وهو رواية زهير وهو جاهلي أو هو إسلاميّ ولا أراه أسلم إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨، ١٧ " لأسامة بن الحارث:
كفيت النسا نسّال حرّ وديقة
قال المؤلف: قبل البيت وهو أول الأبيات:
عصاني أويس في الذهاب كما أبت عسوس صوى في ضرعها الغبر مانع
كفيت الناس نسّال حرّ وديقة إذا سكن الثمل الظباء الكواسع
عصاني فلم يردد عليّ بطاعة بمكث ولم تقبض عليه الأشاجع
[ ١ / ٨٠ ]
أويس: رجل من قومه هاجر خلافة عمر. والعسوس: التي تمنع درّتها فقد منعت ذلك حتى صوى أي يبس، وكان موقع الكلام أن يقول عسوس مانع صوى في ضرعها الغبر لأن النكرة إذا وصفت بصفتين مفردة وجملة ينبغي أن تقدّم المفردة كقولك: هذا رجل ظريف قائم أخوه، وقد جاء تقديم الجملة قال الله سبحانه: " كتاب أنزلناه مبارك " وأراد لم يردد عليّ بطاعة جوابًا فحذف المفعول ويحتمل أن يريد حمل الكلام على معناه أي لم يعد عليّ بطاعة. وأسامة بن الحارث بن حبيب يكنى أبا سهم من بني عمرو بن الحرث بن تميم من هذيل.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨، ١٧ " لذي الرمّة:
وأدرك المتبقّي من ثميلته
صلة البيت قال ذو الرمّة وذكر حمارًا وآتنًا:
حتى إذا معمعان الصيف هبّ له بأجّة نشّ عنها الماء والرطب
وأدرك المتبقّي من ثميلته ومن ثمائلها واستنشئ الغرب
وصوّح البقل نأّج تجئ به هيف يمانية في مرّها نكب
معمعان الصيف: شدّته مأخوذ من معمعة النار. والأجّة والأجيج حفيف النار. قال الشاعر:
كأنّ تردّد أنفاسه أجيج ضرام زفته الشمال
واستنشئ الغرب شهوة للماء. والغرب ما سال من الدلو بين النهر والحوض. واستنشئ هو النشوة وهي الرائحة ولا حظّ لها في الهمز ولم يسمع استنشئ إلا مهموزًا. ونقيض هذا قولهم: الخابية لا تهمز وأصلها من خبأت.
وذو الرمّة لقب لقّب به لقوله في وتد:
[ ١ / ٨١ ]
لم يبق غير مثّل ركود وغير مرضوخ القفا موتود
أشعث باقي رمّة التقليد
وهو غيلان بن عقبة بن نهيس يكنى أبا الحرث شاعر إسلاميّ وصاحبته ميّ بنت عاصم بن طلبة بن قيس بن عاصم وتكنى أمّ بوراء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩، ١٧ " للأعشى:
بناجية كأتان الثميل تقضّي السرى بعد أين عسيرا
وبعد البيت:
جماليّة تغتلي بالرداف إذا كذب الآثمات الهجيرا
ويروى تعتلى بعين مهملة وقوله عسيرا أي تعسر بذنبها من نشاطها بعد سيرها الليل كلّه. وقال أبو عبيدة: عسير صعبة يقال ناقة عاسر وعسير، وقد عسرت تعسر إذا شالت بذنبها وناقة عسير أيضًا إذا لم تحمل سنتها وقد أعسرت. وتغتلي من الغلوّ وتجاوز الحدّ في الشيء، ومن روى تعتلى فمعناه تنهض وتطيق قال الشاعر:
[ ١ / ٨٢ ]
فاعمد لما تعلو فمالك بالذي لا تستطيع من الأمور يدان
يقول اعمد لما تطيقه. والرداف جمع رديف. والكواذب التي لم تصدق السير.
والأعشى هو ميمون بن قيس بن جندل من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة يكنى أبا بصير، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع لأنه دخل غارًا فوقعت صخرة فسدّت فم الغار فمات جوعًا. وأدرك الأعشى الإسلام في آخر عمره ورحل إلى النبي ﷺ يريد الإسلام فلما أتى مكة قيل له إنه يحرّم الخمر فقال: أتمتّع منها سنة ثم أسلم فمات قبل ذلك بقرية من قرى اليمامة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩، ١٨ " لمزرّد:
إذا مسّ خرشاء الثمالة أنفه
قال المؤلف: هو مزرّد بن ضرار وتقدّم نسبه ويكنى مزرّد أبا ضرار واسمه يزيد ومزرّد لقب لقّب به لقوله:
فقلت تزرّدها عبيد فإنّني لدرد الموالي في السنين مزرّد
وقال أحد هجاة الضيفان قال يذكر ضيفًا ضافه:
حلبنا له من أربع كنّ عندنا ثلاثًا وغزري لقحتي أمّ أصمعا
فلما رأينا ذاك لم يغن نقرة صببنا له ذا وطب عوبس أجمعا
إذا مسّ خرشاء الثمالة أنفه ثني مشفريه للصريح فأقنعا
[ ١ / ٨٣ ]
أم أصمع: امرأة من أهل مزرّد. وعوبس: اسم ناقة غزيرة. وذا وطبها: ما فيه من اللبن، يقال للمرأة قد وضعت ذا بطنها: أي ولدها. والصريح: اللبن الذي قد خلص من الرغوة. والمشفر: للبعير فاستعاره هنا. وأقنع: رفع رأسه. قال الله سبحانه: " مقنعي رءوسهم " وإنما رفع رأسه ليشتفّ ما في الإناء.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩، ١٨ " لابن مقبل:
لمن الديار عرفتها بالساحل وكأنها ألواح سيف ثامل
قال المؤلف صلة البيت وإصلاح إنشاده:
سل المنازل كيف صرم الراحل أم هل تبين رسومها للسائل
عرّجت أسألها بقارعة الغضا وكأنها ألواح سيف ثامل
هكذا رواه أبو حاتم وأبو جعفر ابن حبيب وغيرهما. قالوا سل المنازل: هذا مزاحف وهو جائز. أقول وهذا الزحاف هو الذي يسمىّ الخرم، يقول: كيف يستطيع الراحل الرفيق أن يصرمك أي يمرّ بك فلا يقف عليك ولا يسألك. وقارعة الغضا: موضع. وثامل: قديم العهد بالصقال والتعاهد حتى ذهب فرنده وحسنه. وألواحه: ما لاح منه من بقيّة فرنده شبّه باقي الرسوم المتغيّرة به، وقد مضى ذكر تميم بن أبيّ بن مقبل ونسبه.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩، ١٨ ":
ممغوثة أعراضهم ممرطله كما تلاث في الهنا الثمله
وصلته:
وقد علمت فحشاء جهله ممغوثة أعراضهم ممرطله
[ ١ / ٨٤ ]
في كل ماء آجن وسمله كما تلاث في الهناء الثمله
غرضت من جفيلهم أن أجفله
وهذا الرجز ينسب إلى الأصمعي. وقال أبو علي " ٢ - ٢٩٠، ٢٨٦ " ممرطلة: مبلولة. وقال غيره يقال: مرطله لطخه. والمغث: العرك والدلك. واللوث: إدارة الشيء بعضه على بعض. يهجو قومًا ويصفهم بالدناءة والضعة، وقيل إنما أراد أنهم سقاة وأعراضهم على هذا التأويل أجسامهم وجفيلهم جمعهم.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩، ١٨ " لامرئ القيس:
فتملأ بيتنا أقطًا وسمنا
هذا الشعر يقوله امرؤ القيس حين ذهبت إبله وبقيت غنمه وكانت معزى:
إذا لم تكن إبل فمعزى كأنّ قرون جلّتها العصىّ
إذا ما قام حالبها أرنّت كأن الحيّ بينهم نعىّ
فتملأ بيتنا أقطًا وسمنًا وحسبك من غنى شبع ورىّ
يقال معزى ساكنة الياء ومعزى منوّنة ويروى:
إذا مسّت محالبها أرنّت
يعني لأنسها بالحلب، وقد قيل في قول العرب: " أسمح من لافظة " أنها العنز لأنها إذا دعيت للحلب لفظت ما في فيها من العلف وأسرعت إلى الحالب. والرنين: الصوت وأكثر ما يستعمل في البكاء، فإن قيل كيف يجتمع قوله:
وحسبك من غنى شبع ورى
مع قوله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال
[ ١ / ٨٥ ]
ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي
فالجواب أن التقاءهما من جهة القناعة والجود بما وراءها حتى لا يشغل شعابه جدواه ولا يكون المرء جوادًا محضًا حتى يقتنع باليسير ويجود بالكثير الخطير ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كما وصف الله ﷿ بعض أصحاب نبيّه ﵇ وكان طلحة بن عبيد الله يعطى حتى لا يجد ملبسًا وقد منعه من الخروج إلى الصلاة أن لفّق له بين ثوبين. وقال عروة بن الورد:
إني امرؤ عافى إنائي شركة وأنت امرؤ عافى إنائك واحد
اقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
يقول إن قوته الذي هو قوام رمقه ومقيم جسمه يطعمه ويؤثر به على نفسه وإنه عند الجهد وشدّة الزمان يحسو الماء ويسقي اللبن فإنما رغبة الجواد في المال ليهبه وطلبه له لينهبه وهذا هو المجد الذي أراد امرؤ القيس في الشعر الثاني. وكان قيس بن سعد بن عبادة يقول في دعائه اللهم إني أسلك حمدًا ومجدًا فإنه لا حمد إلاّ بفعال ولا مجد إلاّ بمال. ونظر أبو الطيب إلى هذا المعنى فقال:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
أنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٨ ":
وراحلة نحرت لشرب صدق وما ناديت أيسار الجزور
وبعده:
وخمر قد سبأت لهم بأخرى إذا ما ضنّ أرباب الخمور
والراحلة هي التي يختارها الرجل لمركبه على النجابة وتمام الخلق وحسن النظر وفي الحديث: الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ " لمتمّم:
[ ١ / ٨٦ ]
ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
قال المؤلف هو متمّم بن نويرة بن جمرة من بني يربوع بن حنظلة بن مالك بن يزيد مناة بن تميم شاعر جاهلي إسلاميّ يكنى أبا فجعان قاله ابن دريد. وقال ابن الكلبي: يكنى أبا تميم. وقال أبو الفرج: يكنى أبا نهشل ويرثي بهذا الشعر أخاه مالكًا وقتله ضرار بن الأزور الأسدي أمره بقتله خالد بن الوليد وأول القصيدة:
لعمري ما دهري بتأبين هالك ولا جزع مما أصاب فأوجعا
لقد كفّن المنهال تحت ردائه فتى غير مبطان العشيّات أروعا
ولا برم تهدي النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
المنهال رجل ألقى ثوبه على مالك إذ قتل يستره به وكذلك كانوا يفعلون. قال أبو خراش الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه خلا أنّه قد سلّ عن ماجد محض
وفي هذا البيت قول آخر سأذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. وقوله غير مبطان
[ ١ / ٨٧ ]
العشيّات: قال يريد أنه لا يعجل بالعشاء لانتظار الضيفان وذلك وقت ورودهم. ومثله قول عبد الله بن عنمة يرثي بسطام بن قيس:
يقسّم ماله فينا وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
وقالت الخنساء في معناه:
يذكّرني طلوع الشمس صخرًا وأذكره لكل غروب شمس
طلوع الشمس وقت الغارة وغروبها وقت ورود الضيفان. وقيل بل أرادوا أنه وقت الميسر. والقشع: النطع. وقال أحمد بن عبيد: كل ما كان من أدم فهو قشع. ورواه الأخفش من حسّ الشتاء. ورواه أحمد من حسّ الشتاء بفتح الحاء وهو شدّة برده الذي ينثر حبّ النبات وورقه ومنه محسّه الدابة لأنها تنثر شعرها. يقول: يبس وصلب من شدّة البرد ويريد أن مالكًا يسر في وقت الجدب.
قال أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ ": كان رجل برمًا فجاء إلى امرأته وهي تأكل لحمًا إلى آخر الحديث.
قال المؤلف: القران في الطعام مذموم في الجاهلية، منهيّ عنه في الإسلام إلا بعد الاستئذان، كذلك روى شعبة عن ابن سحيم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل أخاه وهو الجمع بين تمرتين. وقد ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين. فقال طائفة: إنما نهى عنه لأنها طعمة خبيثة ودناءة لما فيها من الشره
[ ١ / ٨٨ ]
والحرص على الأكل وليست من مكارم الأخلاق. وقالت طائفة: إنما النهي فيما اشترك فيه قوم فإذا اتّفقوا على القران فلا بأس بذلك. قالوا: وقد روى وكيع عن موسى بن دهقان قال: رأيت سالم بن عبد الله يأكل التمر كفًّا كفًّا.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ ":
بل لو شهدت الناس إذ تكمّوا بقدر حمّ لهم وحمّوا
قال المؤلف: الرجز للعجّاج يقوله في قتل مسعود بن عمرو العتكي من الأزد والشطران أول الرجز وبعدهما:
وغمّة لو لم تفرّج غمّوا إذ زعمت ربيعة القشعمّ
أن لن يرد همّهم إذ همّوا كيد الإله والجبال الصمّ
وقال الخطابي: يعني تكمّوا قتل كميّهم. والقشعم: المسنّ. وكان يقال ربيعة القشعم كأنه مسنّ ضخم. وكيد الإله جزاؤه لهم بكيدهم كما قال تعالى: " أم يريدون كيدًا فالذين كفروا هم المكيدون ".
[ ١ / ٨٩ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ ":
ولست بأطلس الثوبين يصبي
قال المؤلف: هذا البيت لأوس بن حجر وصلته:
عليّ أليّة عتقت قديمًا فليس لها وإن طلبت مرام
بأن الغدر قد علمت معدّ عليّ وجارتي منّي حرام
ولست بأطلس الثوبين يصبي حليلته إذا هجع النيام
ولست بخابئ لغد طعامًا حذار غد لكلّ غد طعام
قوله بأطلس الثوبين: يعني أن الطلسة تلتبس بالظلام فتخفي ولو كان أبيض الثياب لنّمت عليه. والطلسة: كدرة في غبرة والذئب أطلس. وهذا كما قال جرير للفرزدق:
خرجت من العراق وأنت رجس تلبّس في الظلام ثياب غول
وأزني من قفيرة حين تمسي وألهج بالمآثم من فصيل
وقيل إنه أراد بالطلسة هنا دنس الثياب الذي هو كناية عن اقتراف الفواحش كما قال الراجز:
يا رب شيخ من لخيم قحم أو ذم حجًّا في ثياب دسم
ويقولون في ضد هذا طاهر الثوب كما قال امرؤ القيس:
[ ١ / ٩٠ ]
ثياب بني عوف طهاري نقيّة وأوجههم يوم الكريهة غرّان
ويروى: يصبي أميرته، وهي جارته التي تؤامره في أمره ويؤامرها.
أنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ " لكثيّر:
وقلت لها بل أنت حنّة حوقل
صلة البيت:
تقول ابنة الضمريّ مالك شاحبًا وقد تنبري للعين فيك المحاسن
جفوت فما تهوي حديثك أيّم ولا تجتديك الآنسات الحواضن
فقلت لها بل أنت حنّة حوقل جرى بالفرى بيني وبينك طابن
فصدّقته في كل حقّ وباطل أتاك به نمّ الأحاديث خائن
ابنة الضمري صاحبته عزّة الضمريّة تكنى أم بكر. وتنبري أي تعترض. وتجتديك أي تطلب ما عندك. والحوقل المسنّ، وقد حوقل أي أسنّ وكبر وهي الحوقلة، والحوقلة أيضًا سرعة المشي، والحوقلة الغرمول الليّن، والحوقل الذي أدبر عن النساء والحوقلة في غير هذا القارورة الطويلة العنق.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ " في الحنّة:
ما أنت بالحنّة الودود ولا عندك خير يرجى لملتمس
قال المؤلف: هذا البيت لقتادة اليشكري تزوّج أرنب الحنفيّة فلم تلد له، ونشزت عليه فطلّقها وقال:
[ ١ / ٩١ ]
تجهزي للطلاق واصطبري ذاك دواء الجوامح الشمس
ما أنت بالحنّة الولود ولا عندك خير يرجى لملتمس
لليلتي حين بنت طالقة ألذ عندي من ليلة العرس
هكذا صحة إنشاده:
ما أنت بالحنّة الولود
لا الودود كما أنشده أبو علي لما رود في الخبر، ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب النواشز من النساء، ويقوّي ذلك قول النبي ﷺ: " تزوّجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ".
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٠، ١٩ " بعد هذا:
وإن امرأ في الناس كنت ابن أمّه
ع الشعر للعجير السلوليّ وهو العجير بن عبد الله بن كعب بن عبيدة ويقال ابن عبيدة بن كعب من بني سلول بن مرّة بن صعصعة أخي عامر بن صعصعة وأمّ " بني " مرّة سلول بنت ذهل بن شيبان غلبت عليه " م " ويكنى العجير أبا الفرزدق وأبا الفيل شاعر من شعراء الدولة الأمويّة. وكان الضحاك بن عبد الله أخا العجير أنكح ابنته قطيّة رجلًا من باهلة
[ ١ / ٩٢ ]
على ألف دينار، وذلك اختيار أمّ الجارية ورغبتها في المال، فأتاه أخوه العجير في نفر من قومه يكلّمونه في فسخ ذلك النكاح فأبى فغلبه العجير على الجارية فارتدفها ثم سار بها وقال في ذلك:
أليس أمير المؤمنين ابن أمّها وبالجزع آساد لهنّ عرين
وعاذت بحقوى خالد وابن أمّه ولله قد بتّت عليّ يمين
تنالونها أو تنشف الأرض منكم دمًا خرّ منه ساعد وجبين
وإن امرأ في الناس كنت ابن أمّه تبدّل مني طلّة لغبين
دعتك إلى هجري فطاوعت أمرها فنفسك لا نفسي بذاك تهين
في خبر طويل.
[ ١ / ٩٣ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٢١، ١٩ " بعد هذا:
ألا بكرت طلّتي تعذل وأسماء في قولها أعذل
قال المؤلف: لم أر عليهما مزيدًا إلا أن غيره يروي: تريد أسيماء جمع التلاد، وهو أحسن وأشبه لقوله في البيت الأول: وأسماء في قولها أعذل، وهو اسم طلّته وقوله أعذل يريد أولى بالعذل.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ " للأسعر الجعفيّ:
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة باد جناجن ولها غنى
قال المؤلف: الأسعر لقب واسمه مرثد بن حمران الجعفيّ يكنى أبا حمران وهو جاهلي لّقب بالأسعر لقوله:
فلا يدعني قومي لسعد بن مالك لئن أنا لم أسعر عليهم وأثقب
هو سعد بن مالك بن قيس بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة وهم قومه، وصلة البيت الشاهد:
أبلغ أبا حمران أن عشيرتي ناجوا وللقوم المناجين التوا
باعوا جوادهمو لتسمن أمّهم ولكي يعود على فراشهم فتى
علج إذا ما ابتزّ عنها ثوبها وتخامصت قالت له ماذا ترى
لكن قعيدة بيتنا مجفوّة باد جناجن صدرها ولها غن
[ ١ / ٩٤ ]
ى
كقفي بعيشة أهلها وثّابة أو جرشع نهد المراكل والشوى
أراد أنهم أخذوا دية أبيهم فآثروا أمّهم باللبن وعيالهم على خيلهم، فإذا سمنت أمّهم زوّجوها. وتخامصت أدخلت يديه إلى بطنها لتريه أنها خميص. وقوله مجفوّة: يقول نؤثر هذه الفرس الوثابة أو الجرشع على قعيدة بيتنا فهي هزيلة باد جناجن صدرها على غناها. والجناجن: عظام الصدر واحدها جنجن وجنجن وقد قيل جنجون. والقفيّة: ما يؤثر به الضيف وذو الكرامة.
أنشد أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ " للفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ع صلة البيت، وخبره كانت النوار بنت أعين بن ضبيعة بنت عم الفرزدق فخطبها رجل من بني دارم فرضيته، فأرسلت إلى الفرزدق أن زوّجني من هذا الرجل وكان وليّها. فقال لا أفعل أو تشهدي لي أنك قد رضيت بمن زوّجتك منه، ففعلت، فلما توثّق منها قال أرسلي إلى القوم فليأتوا، فلما غصّ مسجد بني مجاشع ببني دارم جاء الفرزدق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال قد علمتم أن النوار ولّتني أمرها وأشهدكم أني قد زوّجتها نفسي فذئرت من ذلك، وأعياها أمراء البصرة أن يطلّقوها من الفرزدق وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتّقاء من الفرزدق، وأرادت الشخوص إلى ابن الزبير فلم يقدم أحد على حملها وكانت امرأة صالحة فأقامت معه على ذلك ولا تزال تشمئز منه وتقول ويحك إنما تزوّجت على خدعة ثم لا تزال تحلف بيمين موثّقة وتحنث فتجنّبت فراشه، فتزوّج عليها دهيمة بنت غنى
[ ١ / ٩٥ ]
النمريّ. ثم إن قومًا من بني عديّ يقال لهم بنو النسير تحمّلوا النوار إلى مكة تريد ابن الزبير. فقال الفرزدق:
وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى به قبلها الأزواج خاب رحيلها
أطاعت بني أم النسير فأصبحت على شارف ورقاء صعب ذلولها
وإن امرأ يمشي يخبّب زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومن دون أبوال الأسود بسالة وبسطة أيد يمنع الهضم طولها
وإن أمير المؤمنين لعالم بنا وبما وصّى العباد رسولها
وخبرهما لو استقصى لطال. ومثل قوله: كساع إلى أسد الشرى يستبيلها قول الأحوص:
وإن الذي يجري لسخطي وريبتي لك الويل ريح الكلب إن كنت تعقل
لكالمستبيل الأسد والموت دون ما يحاول من أبوالها إذ تبوّل
وأنشد أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ ":
شرّ قرين للكبير بعلته
قال المؤلف: تمام هذه الأشطار وهذا هو الأول.
إذا رأته قد تولّت شرّته وانتقضت بعد الشباب مرّته
وهي عفرناة الشباب جبلته تدعو له الله بداء يكفته
ويروى:
تولغ كلبًا سؤره أو تكفته
وتنتحي لحلقه فنسأته وتدفع الشيخ فتبدو جهوته
إنا مللناه وطالت صحبته والجهوة الدبر
[ ١ / ٩٦ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ ":
مالي إذا أنزعها صأيت أكبر غيّرني أم بيت
ع هذا الراجز يصف جذبه للدلو. وصأيت من قولهم صأى الفرخ إذا سمعت له صوتًا ضعيفًا وإنما يريد أنينه من ثقل الدلو. وقوله أم بيت: لأن العزب أقوى وأشدّ كما قال الآخر:
خذها وأعط عمك السجيله إن لم يكن عمك ذا حليله
وأنشد يعقوب في مثله:
أما وربّ بثركم ومائها والعرمض اللازق في أرجائها
لأتركنّ أيّما بدائها
يقول: لا أعرض للتزويج فأضعف عن العمل. وقال الآخر في هذا المعنى أيضًا:
قد كنت بالشنّة ذا طماح على رؤس النهل الضواحي
إن لم يكن غيّرني نكاحي
الشنّة الدلو الخلق والقربة الخلق يقول قد كنت قويًا على أن أسقي إبلي قبلًا وهو أن يسقي على رؤوسها حين ترد ولم يكن قرى لها قبل في الحوض.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ ":
له شهلة شابت وما مسّ جيبها
قال المؤلف: هذا البيت لأبي حيّة الهيثم بن الربيع بن كثير النميري من شعراء
[ ١ / ٩٧ ]
الدولتين " ومات في آخر خلافة المنصور ".
قال يعني صائدًا وثورًا:
وغاداه من جلاّن ذئب مجاعة شقيّ به ضارورة وفقور
له طلّة شابت وما مسّ جيبها ولا راحتيها الشّثنتين عبير
لدن فطمت حتى على كل مفرق لها من سنيها الأربعين نكير
ذئب مجاعة يعني الصائد. وضارورة وضرورة واحد. وفقور جمع فقر.
أنش أبو علي " ١ - ٢١، ٢٠ ":
كما تنزّي شهلة صبيّا
ع خصّ الشهلة لأنها أحنّ عليه وأرفق به وأعلم بترقيصه.
قال أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ ":
الشعب أكبر من القبيلة.
قال المؤلف: كل الناس حكى الشعب بالفتح في القبيلة والشعب بالكسر في الجبل إلا بندارًا فإنه روى عن أبي عبيدة الكسر في القبيلة والفتح في الجبل.
أنشد أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ ":
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها
قال المؤلف: هو لأبي ذؤيب واسمه خويلد بن خالد بن محرّث أحد بني تميم بن
[ ١ / ٩٨ ]
سعد بن هذيل شاعر جاهلي إسلامي مات أيام عثمان قال وذكر امرأة:
ولو كان ما عند ابن بجرة عندها من الخمر ما بلّت لهاتي بناطل
فتلك التي لا يبرح القلب حبّها ولا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل
وحتى يؤوب القارظان كلاهما وينشر في الهلكى كليب لوائل
ابن بجرة خمّار معروف. والناطل: مكيال صغير تكال به الخمر. والقارظان: أحدهما يسمى عامر بن رهم بن هميم العنزي خرج يطلب القرظ فلم يعد، والثاني يذكر بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وكان حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة عشق فاطمة بنت يذكر هذا فطلبها فلم يقدر عليها وخطبها فلم يصل إليها. فلما تصرّم الربيع ارتحلت فرجعت إلى منازلها، فقيل يا حزيمة: قد ارتحلت فاطمة.
[ ١ / ٩٩ ]
فقال: أما ما دامت حيّة ففيها مطمع وأنشأ يقول:
إذا الجوزاء أردفت الثريّا ظننت بآل فاطمة الظنونا
وحالت دون ذلك من هموم هموم تورث الداء الدفينا
ثم خرج يذكر وحزيمة يطلبان القرظ فمرّا بقليب فاستقيا، فسقطت الدلو فنزل يذكر ليخرجها، فلما صار إلى البئر منعه حزيمة الرشاء وقال زوّجني فاطمة، قال أعلى هذا الحال اقتسارًا أخرجني أفعل، فتركه حتى مات فيها. ومن أجل يذكر وقعت الحرب بين بني نزار، وهي أول حرب وقعت بينهم جلت قضاعة عن منازلهم من تهامة، فهذان هما القارظان. وخبر كليب بن ربيعة معلوم.
قال أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ " في أسنان الإبل الفصال ومنه الحديث: لا رضاع بعد فطام.
قال المؤلف: هذا الحديث يروي عن الزهري ومعناه أن ما كان من الرضاع بعد الحولين لم يقع به تحريم لقول الله سبحانه: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " فإذا رضع صبيّ بعد أن يمضي له حولان امرأة لم يحرّم ذلك الرضاع شيئًا وإن طالت مدّته. وهذا مذهب عامّة العلماء وأئمة الفقهاء، واختلف في ذلك قول مالك قال في الموطّإ كقول هؤلاء، وروى عنه ابن القاسم أنه قال الرضاع الحولين والأيام بعد الحولين، وروى عنه الوليد بن مسلم أنه قال وما كان بعد الحولين من رضاع شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر فهو من الحولين وما كان بعد ذلك فهو عبث. وقال أبو حنيفة وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع.
[ ١ / ١٠٠ ]
قال أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ ": فإذا أتى عليه حول فهو ابن مخاض لأن أمه لحقت بالمخاض وهي الحوامل.
قال المؤلف: إن قيل كيف جاز أن يقال له ابن مخاض وإنما المخاض الجماعة من الإبل الحوامل، والواحدة خلفة ولا يجوز أن يقال للواحدة مخاض؟ فالجواب أن المخاض ههنا المصدر، قال الله سبحانه: " فأجاءها المخاض " وكذلك المخاض بكسر الميم فإنما يعنون ابن ذات مخاض لأنه لا يقال ناقة مخاض ولا هذه مخاض، فليس من أسمائها ولا من صفاتها، والمخاض دنوّ الولاد يقال منه مخضت المرأة بكسر تمخض ومخضت على ما لم يسمّ فاعله تمخض.
قال أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ ": فإذا دخل في الثانية فهو ابن لبون والأنثى بنت لبون.
قال المؤلف: فإذا جمعت استوى المذكر والمؤنث فقلت بنات لبون وكذلك جمع ابن كذا من كل مالا يعقل تقول بنات نعش واحدها ابن نعش وبنات أوبر واحدها ابن أوبر قال الشاعر:
ومن جني الأرض ما تأتي الرعاء به من ابن أوبر والمغرود والفقعه
وكذلك ابن عرس وبنات عرس.
[ ١ / ١٠١ ]
قال أبو علي " ١ - ٢٢، ٢١ ": وجمع حقّ وحقّة على حقاق.
قال المؤلف: وقد قيل في جمع حقّة حقائق قال الراجز:
إن لنا قلائصًا حقائقًا مستوسقات لو يجدن ساثقا
قال أبو علي " ١ - ٢٣، ٢١ ": فإذا دخل في التاسعة فهو بازل.
ع والأنثى أيضًا يقال لها بازل وبازلة بالهاء وجمعها بوازل وجمع البازل بزّل.
أنشد أبو علي " ١ - ٢٣، ٢٢ " لرؤبة:
كم جاوزت من حيّة نضناض
قبل هذه الأشطار:
يقطع أجواز الفلا انقضاضي بالعيس فوق الشرك الرفاض
يخرجن من أجواز ليل غاض نضو قداح النابل النوّاض
يطرحن أمشاجًا من الإجهاض كم جاوزت من حيّة نضناض
وأسد في غيله قضقاض ليث على أقرانه ربّاض
قوله انقضاضي، يريد انحداره في المسير وانحطاطه. والشرك: طرائق الطرق وهي بنياته. والرفاض: المتفرقة يقال جاء بنو فلان رفضًا أي متفرّقين. وقوله نضو قداح: النضو الخروج وقد نضا ينضو. والنوّاض: المتذبذب وقد ناض ينوض وشبّه خروج الإبل من الليل بخروج السهام من القوس، وإذا خرج السهم من الرميّة فقد نضا ومنه نضوت القميص. وقوله غاض: يريد كأن الليل مغض إذا غمّض عينيه أغضى فأخرجه على هذا. والأمشاج أخلاط الماء والدم. والإجهاض: إلقاء الناقة ولدها قبل أن يتمّ يقال
[ ١ / ١٠٢ ]
أسقطت المرأة وأجهضت الناقة وأزلقت الرمكة وسبّطت النعجة؛ يمدح بهذا الشعر بلال ابن أبي بردة وفيه:
وأنت يا ابن القاضيين قاض والعرباض: الثقيل العظيم
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٣، ٢٢ ": وأصبحت من سلمى كذا الداء لم يجد قال المؤلف: هما ليزيد بن الطثريّة وهو يزيد بن المنتشر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة وأمّه من طثر بطن من عنز بن وائل بن قاسط ويكنى يزيد أبا المكشوح شاعرًا إسلاميّ قال:
ومن يعلق البيض الكواعب قلبه ويبغضنه يدع الشقيّ المعذّبا
فمرّا على ظلاّمة الدين فانطقا بعذري إليها واذكراني تعجّبا
هبيني امرأ إمّا بريئًا ظلمته وإما مسيئًا تاب بعد وأعتبا
فلما أبت لا تقبل العذر وارتمى بها كذب الواشين شأوًا مغرّبا
تعزّيت عنها بالصدود ولم أكن لمن ضنّ عني بالمودّة أقربا
وكنت كذى داء تبغّي لدائه طبيبًا فلمّا لم يجده تطبّبا
فلما اشتفي مّما به علّ طبّه على نفسه من طول ما كان جرّبا
ويروي:
لمن ضنّ عني بالوصال مقرّبا
هكذا رواه أبو الحسن الطوسي
[ ١ / ١٠٣ ]
عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، ورواه أبو العباس الأحول لهدبة بن خشرم. قال هدبة:
وقد طالما علّقت ليلي مغمّرًا وليدًا إلى أن صار رأسك أشيبا
رأيتك من ليلي كذي الداء لم يجد طبيبًا يداوي ما به فتطبّبا
فلما اشتفي مما به علّ طبّه على نفسه مما به فتطبّبا
فدع عنك أمرا قد تولىّ لشأنه وقضّب لبانات الهوى إذ تقضّبا
وكلا الشعرين ثابتان في ديواني أشعار الرجلين المذكورين.
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٣، ٢٢ " لمحمد بن يسير:
لا تتبعن لوعة إثري ولا هلما
هو محمد بن يسير مولى بني رياش ويقال إنه منهم صليبة وبنو رياش من خثعم وقيل من جذام ولهم بالبصرة خطّة منهم العباس بن الفرج الرياشي ومحمد من شعراء الدولة العباسية يكنى أبا جعفر وكان عبد الله ابنه شاعرًا أيضًا. ومثل قول محمد:
وأي شيء من الدنيا سمعت به إلا إذا صار في غاياته انقطعا
قول العرب " من بلغ غاية ما يحبّ فليتوقع غاية ما يكره " وقولهم: " كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص " وقال الراجز:
أسرع في نقص امرئ تمامه
وقال الشاعر:
[ ١ / ١٠٤ ]
إذا تمّ أمر دنا نقصه توقّع زوالا إذا قيل تمّ
ومثل قوله:
ومن يطيق مذكّ عند صبوته ومن يقوم لمستور إذا خلعا
قول الحارث بن وعلة:
الآن لّما ابيضّ مسربتي وعضضت من نابي على جذم
ترجو الأعادي أن أسالمها جهلًا توهّم صاحب الحلم
وقال الآخر وهو صالح بن عبد القدوس:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى غيّه كذى الضنى عاد إلى نكسه
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال الآخر:
أتروض عرسك بعد ما هرمت ومن العنا رياضة الهرم
ومن أمثالهم في هذا المعنى: " عود يقلّح " و" عود يعلّم العنج " والمذكّي من الدوابّ الذي أتى عليه سنة بعد القروح، وأجرى مذك في النصب مجراه في الرفع، وهذا في الضرورات أشدّ من قول الآخر:
كأنّ أيديهن بالقاع القرق
فهذا إنما أسكن فتحة الياء خاصّة وهو كثير. وأما قوله: ومن يطيق مذكّ فإنه لما أسكن التقى الساكنان فحذف الياء المفتوحة المنوّنة جملة ثم نوّن الكاف، ومثله أنشد " هـ ابن " السيرافي.
وكسوت عار لحمه فتركته جذلان جاد قميصه ورداؤه
[ ١ / ١٠٦ ]
وغير أبي علي يرويه:
وهل يطاق مذكّ فيسلم من الضرورة
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٤، ٢٣ ":
ولم أر هالكًا كبني صريم تلفّهم التهائم والنجود
ع بنو صريم وفيه:
وأكثر ناشئا مخراق حرب
مخراق صفة لناشئ وأنشد أبو علي " ١ - ٢٤، ٢٣ ":
أبت الروادف والثديّ لقمصها.
قال المؤلف: لا أعلم أحدًا نسب هذا الشعر وقوله:
أبني حريث قد رأيت ظباءكم يبدين من خلل الستور بدورا
بحواجب وبأعين مكحولة وإذا ابتسمن فلؤلؤًا منثورا
أبت الروادف والثديّ لقمصها مسّ البطون وأن تمسّ ظهورا
فإذا الرياح مع العشيّ تناوحت نبهّن حاسدة وهجن غيورا
قوله فلؤلؤًا منثورًا، منصوب بفعل مضمر دلّ عليه ما قبله وهو يبدين كأنه قال: وإذا ابتسمن فلؤلؤًا يبدين. ومثل قوله: أبت الروادف والثديّ لقمصها قول الأعرابية في صفة بنتها: لا يمسّ قميصها منها إلاّ حلمتي ثدييها ورانفتي أليتيها. وقال جميل في معناه:
[ ١ / ١٠٧ ]
إذا ضربتها الريح في المرط أجفلت مآكمها والريح في المرط أفضح
ترى الزلّ يلعنّ الرياح إذا جرت وبثنة إن هبت الريح تفرح
ومثله للحسين بن مطير:
من البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلى جيدها
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٤، ٢٣ ":
وكنت مجاورًا لبني سعيد
ع قد رأيت هذا الشعر منسوبًا إلى بعض أسد. وأحسبه يعني ببني سعيد آل سعيد بن العاص الأمويين. وكالبيت الآخر قول ابن همّام:
إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ولكنّ حسن القول خالفه الفعل
وقال أبو تمام:
وأقلّ الأشياء محصول نفع صحّة القول والفعال مريض
وقال أيضًا:
ملقي الرجاء وملقي الرحل في نفر الجود عندهمو قول بلا عمل
وقال أبو الطيّب:
أرى أناسًا ومحصولي على غنم وذكر جود ومحصولي على الكلم
وقال أيضًا:
جود الرجال من الأيدي وجودهمو من اللسان فلا كانوا ولا الجود
وأنشد أبو علي " ١ - ٢٤، ٢٣ " للأجدع الهمدانيّ:
وسألتني بركائبي ورجالها
[ ١ / ١٠٨ ]
ع الأجدع بن مالك جاهلي إسلاميّ وفد على عمر بن الخطّاب فقال: من أنت؟ قال: أنا الأجدع بن مالك بن أمية الهمدانيّ. فقال: أنت عبد الرحمن بن مالك وهو فارس شاعر قال: وعني بني الحارث وكانت امرأته منهم فأصاب فيهم وقتل من بني الحصيرة أربعة نفر فقالت له امرأته أين الإبل والغنم فقال:
أسألتني بنجائب ورحالها ونسيت قتل فوارس الأرباع
وبني الحصين ألم يرعك نعيّهم أهل اللواء وسادة المرباع
تلك الرزية لا قلائص أسلمت برحالها مشدودة الأنساع
يقول فيها:
خيلان من قومي ومن أعدائهم خفضوا أسنّتهم فكلّ ناع
خفضوا الأسنّة بينهم فتواسقوا يمشون في حلل من الأدراع
والخيل تنزو في الأعنّة بيننا نزو الظباء تحوّشت بالقاع
وكأنّ صرعاها كعاب مقامر ضربت على شزن فهنّ شواع
هكذا صحّة إنشاده أسألتني بركاب أو بنجائب ورحالها لا بركائبي كما أنشده أبو علي
[ ١ / ١٠٩ ]
لأنها إنما سألته عن إبل القوم ونجائبهم وما غنم لهم لا عن ركائب المسؤل، وصحة إنشاده أيضًا، أسألتني بالهمزة لا بالواو وهو أوّل الشعر يريد خفضوا أسنّتهم كما قال القتّال الكلابي:
نشدت زيادًا والسفاهة كاسمها وذكرته أرحام سعر وهيثم
فلما رأيت أنه غير منته أملت له كفّي بلدن مقوّم
وقال الجعدي:
فلم نوقّف مشيلين الرماح ولم نوجد عواوير يوم الروع عزّالا
أي لم نرفعها ولكن خفضناها للطعان. قال ابن الكلبي في نسب بني الحارث بن كعب: ومنهم الحصين ذو الغصّة ابن يزيد بن شدّاد بن قنان رأس بني الحارث مائة سنة وكان يقال لبنيه فوارس الأرباع والأرباع أرض قتلهم بها همدان ولهم يقول الأجدع الهمداني:
ونسيت قتل فوارس الأرباع