ع الإمّر: ولد الضأن الصغير والأنثى إمّرة. والعراض: الآثار يعني الإبل الواسعة الخفاف. والمعمر: المنزل بدار معاش، والعرب إذا قلّلت مال الرجل قالت: " ماله إمّر ولا إمّرة ". ويحتمل أن يريد بالشعرى في هذا الحديث الشعرى العبور أو الشعرى الغميصاء لأنهما يطلعان معًا، وللشعرى زمنان لكل زمان منهما حال مخالف للآخر وكل ذلك
[ ١ / ٣٥٦ ]
منسوب إليها، فمنها زمان طلوعها بالغداة وأوّل ذلك لعشرين يومًا من تمّور وهو وقت صميم الحر، فوغراته وبوارحه منسوبة إليها. قال ساجعهم: " إذا طلعت الشعرى نشف الثرى وأجن الصرى وجعل صاحب النخل يرى ". أجن الصرى: أي تغيّر الماء المجتمع في الغدران والمناقع لشدّة الحرّ وانقطاع الموادّ عنه، وتبيّن صاحب النخل ثمرة نخله لأنه حينئذ يكبر. وقال الفرزدق:
وأوقدت الشعرى مع الصبح نارها وأضحت محولًا جلدها يتوسّف
والزمان الثاني وقت طلوعها عشاء وذلك في كانون الآخر إذا كان النوء للذراع وهو وقت صميم البرد. فأصراره وصنابره منسوبة إليها، وهذا الوقت هو الذي أراد الساجع بقوله:
إذا طلعت الشعرى سفرًا
يعني سفر العشاء قبل دخول الظلام وذلك على أثر الوسميّ والوليّ، فإن أخلف الوسميّ ثم الوليّ بعده وأتى الشتاء بكلبه وأخوت النجوم فذلك محل لا شك فيه. ولا يجوز أن يريد بذلك طلوعها صبحًا في شدة لأن ذلك الوقت ليس من أزمنة الأمطار. وقال أبو حنيفة: ظنّ قوم أن الساجع أراد طلوع الشعرى بالغداة وقد أخطأوا في ذلك، وحكاه بعضهم عن مؤرّج، فإن كان صدق فإن مؤرّجًا كان قليل المعرفة بهذا الفنّ لأنّ طلوعها بالغداة في صميم الحرّ، فأي زمان مطر
[ ١ / ٣٥٧ ]
هذا وهو إن جاء ضرّ. ولا يجوز أيضًا أن يكون أراد أن يخبرك أنه إذا لم يكن في السنة قطر إلى هذا الوقت فتوقّع الجدب وخذ في الحيلة قبل الهلكة وأنت قد هلكت قبل بلوغه واستغنيت عن الأمر والإنذار، وإنما جهل هذا من جهله لأنه سبق إلى وهمه سفر الغداة لأنه أكثر في الكلام. والسفران سواء الشفق مثل الفجر لا فرق بينهما، لونهما سواء، ومدّتهما واحدة لأن ابتداء هذا مثل انقضاء ذلك، وانقضاء هذا مثل ابتداء ذلك. وقد ذكرت العرب سفر العشيّ، قال شاعرهم:
هاجت عليه من الأشراط نافجة بفلتة بين إظلام وإسفار
فيقول هذا الساجع إذا لم تر في هذا الوقت مطرًا فأسيء الظنّ بسنتك ولا تغذونّ إمّرًا ولا تتشاغل بالغنم فإنّك لا تفوت بها المحلل، وعليك الإبل فاطلب بها مواقع الغيث ومواضع العشب فإنّك تدركها بها وإن بعدت. وإنما خصّ الضأن بالذكر وإن كان أراد جميع الغنم لأنها أعجز عن الطلب من المعز. والمعز تدرك ما لا تدركه الضأن، وروى أبو عمرو الشيباني: إذا طلعت الشعرى سفرًا ولم تر مطرًا فلا تحلق فيها إمّرة ولا إمّرًا ولا سقيبًا ولا ذكرًا. يقول: لا ترسل في إبلك إمّرة يدبّرها، وهو الرجل الضعيف الذي لا عقل له إلا ما أمرته به. وأنشد الأصمعيّ:
ولست بذي رثية إمّر إذا قيد مستكرهًا أصحبا
والشعرى العبور: هي كلب الجبّار، والجبّار: هو الجوزاء، والذئاب تكلب عند طلوعها، وقال سنان بن ثابت بن قرّة: إنما سمّيت العبور نجم الكلب لأنها في الفم مثل
[ ١ / ٣٥٨ ]
صورة الكلب. وقال بقراط في كتبه: إذا طلع نجم الكلب فلا تستعمل الدواء المسهل.
والعرب تقول: إن سهيلًا والشعريين كانوا مجتمعين فانحدر سهيل فصار يمانيًا. وتبعته العبور فعبرت المجرّة، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عينها.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٢٠، ١٢٠ " للراعي:
نجائب لا يلقحن إلاّ يعارة
ع وصلته:
فعجنا لذكراها وتشبيه صوتها قلاصًا بمجهول الفلاة صواديا
نجائب لا يلقحن إلاّ يعارة عراضًا ولا يشرين إلاّ غواليا
توهّم أن يكون سمع صوتًا والشعراء يفعلون هذا، قال امرؤ القيس، فتوهّم أن يكون رأى نارًا:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عال
وقال أبو جبلة: ربما قالوا القلاص وهم يريدون الإبل لا يقصدون إلى القلاص بعينها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٢١، ١٢١ " لذي الرمّة:
عطاء فتى بني وبني أبوه فأعرض في المكارم واستطالا
وصلته:
ومنتاب أناخ إلى بلال فلا زهدًا أصاب ولا اعتلالا
يعوّضه الألوف مصتّمات مع البيض الكواعب والحلالا
عطاء فتى بني وبني أبوه فأعرض في المكارم واستطالا
يعني بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. ومصتّمات: مكمّلات والصتم من الرجال الكامل. والحلال: جمع حلّة كما قالوا قلّة وقلال. وأنكر ابن الأنباري في كتاب الحاء له أن يجمع حلّة على حلال وإنما جمعها حلل فلم يبق بعد هذا إلا أن يريد بالحلال متاع
[ ١ / ٣٥٩ ]
الرحل، قال الأعشى:
فكأنّها لم تلق ستّة أشهر بؤسًا إذا ألقت إليك حلالها
وقال الشاعر:
وراكضة ما تستجنّ بجنّة بغير حلال غادرته مجحفل
يريد أنه يهب الإبل بمراكبها.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٢١، ١٢١ " لعبد الله ذي البجادين:
تعرّضي مدارجًا وسومي
ع هو عبد الله بن عبد غنم بن عفيف مزنيّ وهو عمّ عبد الله بن مغفّل بن عبد غنم ولقّب ذا البجادين لأنه أتى عمًّا له حين ظهر النبي ﷺ فقال: يا عمّاه إنه قذف في قلبي محبّة هذا الرجل وإنّي لا أراني إلاّ خارجًا إليه. فقال له عمّه: لئن فعلت لأسلبنّك ما أصبته، وكان عمّه كثير المال مئناثًا فزوّجه بنتًا له وكان في عياله، فلما خشي أن يلحق بالنبيّ قبض جميع ما كان عنده وتركه عريانًا إلا ما يواري عورته، فأتى أمّه فشكا ذلك إليها فأعطته بجادها وهو شقّة من شعر، فقطعه بنصفين فادّرع أحدهما وارتدى الآخر وأتى رسول الله ﷺ فقال ماصلى الله عليه وسلم فقال عبد العزّي. فقال بل عبد الله ذو البجادين فأسلم. وكان شديد الاجتهاد في العبادة. ولم يرو عنه شيء لأنه مات في حياة رسول الله ﷺ. وكان حداؤه برسول الله ﷺ في غزو تبوك. وقوله:
تعرّ ض الجوزاء للنجوم
يريد أنها إذا طلعت استقبلتك بأنفها قائمة وإذا كبّدت في السماء تعرّضت كأنها جانحة. قال امرؤ القيس:
[ ١ / ٣٦٠ ]
إذا ما الثريّا في السماء تعرّضت تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
ومعنى سومي: ادخلي في معظم الركب. وقيل معناه ارتفعي، وقيل معناه استمرّي من قولهم: سامت الإبل في المرعى أي استمرّت.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٢١، ١٢١ ":
ليست بسنهاء ولا رجّبيّة ولكن عرايًا في السنين الجوانح
ع وهذا الشعر لسويد بن الصامت وقد نسب إلى أحيحة بن الجلاح والأول أثبت. ولقي سويد رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وعرض عليه الإسلام، وزعم قومه أنّه أسلم ومات قبل الهجرة وهو شيخ كبير قال:
أدين وما ديني عليكم بمغرم ولكن على الشمّ الجلاد القراوح
على كلّ خوّار كأنّ جذوعها طلين بقار أو بحمأة مائح
ليست بسنهاء ولا رجّبيّة
أدين: يريد أستقرض. والجلاد الصبر: القويّة على العطش، يريد النخل وأصله في الإبل، والقراوح: جمع قرواح وهو الأجرد الذي قد شذّب كربه، وأصله الأرض التي لا تنبت. والخوّار: الناقة الغزيرة. وطلين بقار: يريد أنّ الجذع إذا اسودّ كان أصلب له. ومعنى رجّبية هنا لم تبن عليها رجبة، وهي حظيرة تبنى حول النخلة يمنع بها من ثمرها. والسنهاء: التي تحمل سنة وتخلف أخرى. وقال أبو حنيفة عن الأصمعي: السنهاء التي أصابتها السنة. يقول: ليست بسنهاء
[ ١ / ٣٦١ ]
ولا ممنوعة الثمرة ولكن أعريها الناس في جوائح السنين.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٢١، ١٢٢ " لقعنب ابن أمّ صاحب:
صمّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به
ع هو قعنب بن ضمرة ابن أمّ صاحب من شعراء الدولة الأموية قال:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا عنّي وما سمعوا من صالح دفنوا
صمّ إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
جهلًا عليّ وجبنًا عن عدوّهم لبئست الخلّتان الجهل والجبن
وأنشد أبو علي " ١ - ١٢٢، ١٢٢ " لأميّة ابن أبي الصلت:
له داع بمكّة مشمعل
ع وهو أميّة ابن أبي الصلت واسمه عبد الله بن أبي ربيعة ابن عوف وقيل ابن عمرو ثقفيّ، وثقيف هو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، جاهليّ أدرك الإسلام ومات كافرًا ويكنى أبا عثمان. ويمدح بهذا الشعر عبد الله بن جدعان وكان يطعم الناس بمكّة، فوفد على عبد المدان بن الديّان بالشأم فأكل عنده في جملة طعامه الخبيص والفالوذق ومدحه فقال:
ولقد رأيت الباذلين وفعلهم فرأيت أكرمهم بني الديّان
ورأيت من عبد المدان خلائقًا فضل الأنام بهنّ عبد مدان
البرّ يلبك بالشهاد طعامه لا ما يعلّلنا بنو جدعان
فبلغ ذلك ابن جدعان فأرسل إلى الشأم في العسل وفيمن يعمله، وأطعم الناس بمكة الخبيص وهو أول من أطعمه بها. وحبًا أميّة ووصله، فقال يمدحه من قصيدة:
[ ١ / ٣٦٢ ]
لكلّ قبيلة هاد ورأس وأنت الرأس تقدم كلّ هاد
عماد الخيف قد علمت معدّ وإنّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكة مشمعلّ وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزي ملاء لباب البرّ يلبك بالشهاد
ومالي لا أحييّه وعندي مواهب يطّلعن من النجاد
مشمعلّ: خفيف سريع. قال ابن أخت تأبّط شرًّا:
فاحتسوا أنفاس نوم فلّما هوّموا رعهمو فاشمعلّوا