ع وخبره أنه كان بالمدينة ثلاثة من المخنّثين يدخلون على النساء فلا يحجبن هيت وهرم وماتع، وكان هيت يدخل على نساء رسول الله ﷺ، فدخل يومًا دار أمّ سلمة ورسول الله ﷺ عندها فأقبل على أخي أمّ سلمة عبد الله ابن أبي أميّة ابن المغيرة فقال إن فتح الله عليكم الطائف فاسأل أن تنفّل على بادنة بنت غيلان بن سلمة بن معتّب فإنها مبتّلة هيفاء، شموع نجلاء، تناصف وجهها في القسامة، وتجرأ معتدلًا في الوسامة، إن قامت تثنّت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغنّت، أعلاها قضيب،
[ ١ / ٤٢١ ]
وأسفلها كثيب، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، ونتوء ينتبيئ بين فخذيها كالقعب المكفإ. فهي كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهية كأنما شفّ وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتها قصد فلا جبلة ولا قضف
فسمع ذلك رسول الله ﷺ. فقال: مالك سباك الله؛ ما كنت أحسبك إلاّ من غير أولي الإربة من الرجال. ثم أمر أن يسيّر إلى خاخ وبقي مسيّرًا هناك إلى أيام عثمان فردّه إلى المدينة. وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنّث كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال أحسن البشر، قال صفها قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّأ معتدلًا في الوسامة، إن مشت تثّنت، وإن قعدت تبنّت، وإن تكلّمت تغّنت. قوله تبنّت: التبنّي تباعد ما بين الفخذين، يقال تبنّت الناقة إذا باعدت ما بين فخذيها عند الحلب. وقيل معنى تبنت صارت كأنها بنيان من عظمها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٢، ١٦١ " للعرجيّ:
وما أنس م الأشياء لا أنس موقفًا لنا ولها بالسفح دون ثبير
ع العرجيّ هو عبد الله بن عمرو بن عثمان سميّ العرجي لأنه ولد بالعرج من مكة.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وقيل بل كان له فيه مال فكان يكثر الاختلاف إليه فشهر به، يكنى أبا عمرو، شاعر مطبوع في النسيب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٣، ١٦١ ":
وما أنس م الأشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنّه رهين بأيّام الشهور الأطاول
ع هذا الشعر عزاه أبو تمام إلى قيس بن ذريح، ونسبه ابن الأعرابي إلى ابن ميّادة وذلك أنه أنشد لعلقمة بن عبدة:
تراءت وأستار من البيت دونها إلينا وحانت غفلة المتفقّد
بعيني مهاة يحدر الدمع منهما بريمين شتّى من دموع وإثمد
ثم قال: فسرقه ابن ميّادة فقال:
وما أنس م الأشياء
ثم قال: فسرقه بعض المحدثين فقال:
خذي عدّة للبين إنّي راحل قرى أمل يجديك والله صانع
فسحّت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد على الخدّ إلاّ ما تكفّ الأصابع
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٣، ١٦١ ":
شيّب أيّام الفراق مفارقي وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
ع هذا الشعر لجميل وهي قصيدة، ورأيت بخطّ أبي عليّ هذا البيت. قال: أراد بلغت الحلقوم وموضعها الصدر. ويروى:
إلى النازع المشتاق كيف يكون
والنازع: البعيد الذي فارق أصحابه فقصر: أي حبس فهو دائم الحنين إليها.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٣، ١٦٢ " أشعارًا لقيس بن ذريح، ومجنون بني عامر، وقد مرّ ذكرهما " ٨٩، ٨٣ " وقال في خلالها ثم مرّ المجنون فأجمز في الصحراء.
ع يقال أجمز الرجل عدوًا وكذلك البعير، والإجمار: السعي. قال الخطابي: سمّيت الجمرات لأن إبليس عرض لآدم ﵇ فرماه بحصاة فأجمر بين يديه. وقال غيره: سمّيت الجمرات لاجتماعها وكثرتها، ومنه جمرات العرب وهي أربع: بنو الحارث بن كعب، وبنو عبس، وبنو تميم، وبنو ضبّة، طفئت منها جمرتان لأنهما حالفتا وهما بنو الحارث وبنو عبس، وبقيت جمرتان. والجمز: بالزاي ضرب من سير الإبل فيه سرعة وهو أشدّ من العنق. وفي الحديث: كانوا يأمرون الذين يحملون الجنازة بالجمز، فكان ذلك كالسّنّة حتى مات عثمان ابن أبي العاصي الثقفي وكان سقي بطنه فسير به سيرًا رويدًا، فترك الناس السنّة الأولى بعد ذلك وبذلك سمّيت الجمّازة من الإبل. وكانت أم جعفر قد خشيت موت الرشيد في بعض أسفارها معه فأمرت بالحثّ في طلبه فسارت بها راحلتها ضروبًا من السير حتى وقعت على الجمز فوجدته سيرًا سهلًا تستلذّه مع سرعته فأمرت بلزومه فاتّخذت الجمّازات مذ ذلك. وقوله فيها " ١ - ١٦٤، ١٦٢ ":
وعذّبه الهوى حتى براه كبرى القين بالسّفن القداحا
السّفن: المبرد لأنه يسفن أي يقشر، وبذلك سمّيت السفينة لأنها تقشر وجه الماء.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٤، ١٦٣ " لابن مرّة المكّيّ:
[ ١ / ٤٢٤ ]
ساعة ولّى شمت العاذل
ع وهذا الشعر في ديوان خالد الكاتب، وقد مضى ذكر ابن أبي مرّة " ٣٧ " وذكر خلد " ٧٤ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٥، ١٦٤ " للمجنون:
أمزمعة ليلى ببين ولم تمت كأنّك عمّا قد أظلّك غافل
ع وبعدهما:
وإنّك ممنوع التصبّر والعزا إذا بعدت ممّن تحبّ المنازل
وأنشد " ١ - ١٦٦، ١٦٤ " لحبيب:
لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة لكان بينهم من أعظم الضرر
ع وهذا الشعر لم يروه عنه أحد من الرواة المشهورين برواية شعره. وهو أبو تمّام حبيب بن أوس بن ثابت طائيّ من أنفسهم، شاعر متقدّم لطيف الفطنة دقيق المعاني، وله مذهب في المطابقة والبديع، بذّ فيه الشعراء وغبّر في وجوه السوابق.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٦، ١٦٥ " للحسين بن مطير:
لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى على كبدي نارًا بطئًا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ولكنّ شوقًا كلّ يوم يزيدها
ع ويروى لتصرّمت بصاد مهملة، فمن رواه بالضاد المعجمة فمعناه: لو تركت لم تزل
[ ١ / ٤٢٥ ]
متضرّمة: متّصلة الوقود، فكيف بزيادتها ضرامًا كلّ يوم، ومن رواه بصاد مهملة فمعناه: لو تركت لخمدت وهمدت، ولكنها تذكى كلّ يوم، وهما مذهبان للشعراء والأول أبلغ. وفيه:
فقد جعلت في حبّة القلب والحشى عهاد الهوى تولي بشوق يعيدها
قال أبو علي: قال ابن الأعرابي: بشوق بعيدها بالباء.
ع فينبغي أن يكون على هذه الرواية يولي بالياء أخت الواو لا تولي بالتاء، لأنه المعنى يولي بعيدها بشوق. وفيه:
عذاب ثناياها عجاف قيودها
وقد تقدّم القول في القيود والضمير عائد إلى اللثات. وفيه:
بصفر تراقيها وحمر أكفّها
في هذه الصفرة قولان. أحدهما: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الحلى، والثاني: أنه أراد اصفرارها بما عليها من الطيب وأنها رادعة. وقال الحسن بن هانئ في مثله:
وقد غلبتها عبرة فدموعها على خدّها بيض وفي نحرها صفر
وقال بشار:
وصفراء مثل الزعفران شربتها على نحر صفراء الترائب رود
وفيه:
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا رفيف الخزامي بات طلّ يجودها
قال ابن الأعرابي ترفّ قلوبنا: أي تبرق وليس للبريق هنا معنى، وبريق القلب شيء غير معروف ولا محسوس ولا مرئيّ، وإنما ترفّ هنا تتحرك ثقة بنيل المنى منهن حركة اختلاج لا حركة خفقان لأن الخفقان إنما يكون من الذعر. قال الراجز:
لم أدر إلاّ الظنّ طنّ الغائب أبك أم بالغيب رفّ حاجبي
أراد اختلج، وشبّه الشاعر تلك الحركة بحركة الخزامي إذا ثقلت بالطلّ وهي حركّة ضعيفة. وقال الأصمعي في كتاب الأمثال له في قولهم: " هو يحف له ويرفّ " أي هو يقوم له
[ ١ / ٤٢٦ ]
ويقعد، وينصح له ويشفق، ويراد بيحفّ له: أي تسمع له حفيفًا، ويقال رفّ الشجر يرفّ إذا كان له كالاهتزاز من النضارة والريّ، ويقال ورف يرف وريفًا في معناه، وقيل الوريف البريق.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٦٧، ١٦٥ " لابن ميّادة:
كأنّ فؤادي في يد ضبثت به محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
ع الضبث: القبض وبذلك سمّيت مخالب الأسد مضابث وسمّي هو ضبّاثًا.
وأنشد " ١ - ١٦٧، ١٦٦ " للبحتريّ:
الله جارك في انطلاقك تلقاء شأمك أو عراقك
ع هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد من بني بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان بن ثعل الطائيّ ويروى عنين بن سلامان بن عمرو بن الغوث بن جلهمة وهو طئ، شاعر متقدّم لا يعدل به أحد.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٦٩، ١٦٧ " لمسلم بن الوليد:
وإنّي وإسماعيل يوم وداعه لكالغمد يوم الورع فارقه النصل
ع هو مسلم بن الوليد مولى أبي امامة أسعد بن زرارة الخزرجيّ يكنى أبا الوليد
[ ١ / ٤٢٧ ]
ويلّقب صريع الغواني وذلك أنه أنشد الرشيد:
سأنقاد للّذات متّبع الهوى لأمضي همّا أو أصيب فتى مثلي
وما العيش إلاّ أن تروح مع الصبي وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
فلقبه صريع الغواني فجرت عليه، وهو شاعر كوفي من شعراء الدولة الهاشميّة، وفيه:
أما والحبالات الممرّات بيننا وسائل أدّتها المودّة والوصل
يروي الممرّات بكسر الميم الثانية والممرّات بفتحها، فمن كسرها فهي الناصبة لقوله وسائل، ومن فتحها جعل وسائل بدلًا من الحبالات. وفيه:
يذكّرنيك الدّين والفضل والحجى وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل
وهذا أخذه من قول أبي الشغب العبسيّ يرثي بني الزهراء، واسمه عكرشة العبسيّ وقيل يرثي بنيه:
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ألهفي على تلك الغطارفة الزهر
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته وشرّ فما أنفكّ منهم على ذكر
وقوله:
وليس له إلاّ بني خالد أهل
يعني بني خالد بن برمك، وإسماعيل رجل منهم.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٠، ١٦٨ " بعد هذا بيتًا لأبي ذؤيب قد تقدم ذكره " ص ٦٢، ٧٥ " وأنشد أبو علي " ١ - ١٧١، ١٦٩ " لحميد بن ثور:
ولقد نظرت إلى أغرّ مشهرّ بكر توسّن بالخميلة عونًا
ع وبعد قوله متسنّم سنماتها:
[ ١ / ٤٢٨ ]
بتنا نراقبه وبات يلفّنا عمد السنام مقدّمًا عثنونا
لقح العجاف له. والعمد: الذي يعضّ الحمل غاربه وسنامه حتى ينفضخ فجعل الغيث كرمّ تلك العمدة قال لبيد:
فبات السيل يركب جانبيه من البقّار كالعمد الثقال
قال أبو عليّ " ١ - ١٧٢، ١٧٠ " في حديث الأصمعي مع الأعرابيّ: فألقي كساءه كان اكتفل به.
ع والكفل: كساء يعقد طرفاه يركب عليه الرديف، وقيل كساء يدار حول سنام البعير ثم يركب عليه وهو الحويّ والحويّة. وفي شعر هذا الأسدي:
تجلّلت عارًا لا يزال يشبّه شباب الرجال نقرهم والقصائد
هكذا الرواية عن أبي علي التي لا اختلاف فيها ويروى نثرهم والقصائد. وفي بعض طرر الكتب وأخبرني من أثق به أنّ صاعد بن الحسن كان يردّ هذه الرواية في البيت ويقول إنّ الصحيح:
تجلّلت عارًا لا يزال يشبّه سباب الرجال نثره والقصائد
سباب بسين مهملة يريد نثر السباب ونظمه. قال ولا وجه لتخصيص شباب الرجال هنا لأن مشايخهم أعلم بالمناقب والمثالب وأروى للممادح والمذامّ، قال وأما ذكر النظم والنثر
[ ١ / ٤٢٩ ]
فقد حصر جميع الكلام وطابق بين الألفاظ. وما بال ذكر النقر مع القصائد. وقال المحتجّ لأبي عليّ النقر هنا الغناء وهو للشباب دون الكهول، وقيل إن معنى النقر هنا السبّ والعيب ومنه قول امرأة من العرب لزوجها مرّ بي على بني نظّري ولا تمرّ بي على بنات نقّري، تعني العيّابات السبّابات. تقول مرّ بي على الرجال الذين يقنعون بالنظر دون السببّ. وقيل معنى بنات نقّرى هنا من التنقير وهو البحث والفتش عن الأخبار. ورواية صاعد بيّنة جليّة وعن ذلك التكلف غنيّة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٢، ١٧٠ ":
تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل وليس على ريب الزمان معوّل
ع هذه الأبيات لإبراهيم بن كنيف النبهانيّ شاعر إسلاميّ.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٣، ١٧١ ":
إذا ما فقدتم أسود العين كنتم كرامًا وأنتم ما أقام ألائم
ع وبعده:
يخبّر ركبان البلاد بلؤمكم وتقرى به الضيف اللقاح العواتم
غثاء كثير لا عزيمة عندكم سوى أنّ خيلانًا عليها العمائم
قال ابن قتيبة أسود: جبل. والعين: المنظر. وهذا خلاف قول أبي علي. وخيلان: جمع خيال أي ليسوا شيئًا. وقوله وتقرى به الضيف اللقاح العواتم: يعني أن الرعاة يشتغلون
[ ١ / ٤٣٠ ]
بذكر لؤمهم وإنشاد هجوهم إن إراحة الإبل من مراعيها فلا يحلبونها إلاّ معتمين وذلك وقت ورود الضيفان فكأن لؤمهم هو الذي قراهم. وقيل بل أراد أن أهل الأندية يتشاغلون بذكر لؤمكم عن حلب لقاحهم حتى يمسوا فإذا طرقهم الضيف صادف الألبان في ضروعها لم تحلب.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٣، ١٧١ " لعديّ بن زيد:
أحال عليه بالقناة غلامنا فأذرع به لخلّة الشاة راقعا
ع وقبله:
فصادفنا في الصبح علج مصرّد إذا ما غدا يخاله الغرّ صاعدا
يطيف بستّ كالقسيّ قوارب فأيأس إذا أدبرن من كان طامعا
أحال عليه العلج الحمار. يقول يحسبه الغرّ ظالمًا لنشاطه حتى رآه بعد فأيأسه. والشاة هنا: الحمار. والعرب تسمّى الحمار والثور والبقرة والظبية كل واحدة منها شاة. قال الأعشى:
فلما أضاء الصبح قام مبادرًا وحان انطلاق الشاة من حيث خيّما
يعني الثور.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٤، ١٧٢ " لزهير بيتًا قد تقدّم ذكره " ٦٣ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٤، ١٧٢ " لرؤبة: مشتبه الأعلام لمّاع الخفق: وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٥، ١٧٣ ":
نستنّ بالضرو من براقش أو هيلان أو ناضر من العتم
ع هذا الشعر للجعديّ. وقبل البيت:
[ ١ / ٤٣١ ]
كأنّ فاهًا إذا توسّن من طيب مشمّ وحسن مبتسم
ركّب في السام والزبيب أقا حيّ كثيب تندي من الرهم
تستنّ بالضرو من براقش أو هيلان أو ناضر من العتم
توسّن: أي قبّل بعد الوسن. فشبّه لثاتها بالسام وهو عرق الذهب، وثغرها بالأقاحيّ، وريقها بخمر الزبيب فحذف المضاف وهو الخمر وأقام المضاف إليه مقامه بالأقاحي. وقال إبراهيم بن عرفة: السام: عرق المعدن الذي تكون فيه الفضّة، وهو أسود شبّه اللثات به لحوّتها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٥، ١٧٣ " لطفيل:
إذا ما غدا لم يسقط الروع رمحه ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
ع وقبله:
وما جاورت إلاّ أشمّ معاودًا كفاية ما قيل أكف غير مذمّم
إذا ما غدا. الألوث الذي فيه لوثة: أي استرخاء. وقوله: ولم يشهد الهيجا بألوث: يعني من نفسه، وهذا من باب التجريد وقد مرت نظائره " ١١ ".
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٥، ١٧٣ " لعلقمة بن عبدة:
رغا فوقهم سقب السماء فداحص
[ ١ / ٤٣٢ ]
ع وصلته:
فوالله لولا فارس الجون منهم لآبوا خزايا والإياب حبيب
فجالدتهم حتى اتّقوني بكبشهم وقد حان من شمس النهار غروب
رغا فوقهم سقب السماء فداحص بشكّته لم يستلب وسليب
فارس الجون: الحارث ابن أبي شمر الغسّاني وهو الممدوح، وكان أسر أخاه شأسًا في هذه الحرب، فرحل إليه يطلبه منه وفيه يقول في آخر القصيدة:
وفي كلّ حيّ قد خبطت بنعمة فحقّ لشأس من نداك ذنوب
فلا تحرمنّي نائلًا عن جنابة فإنّي امرؤ وسط القباب غريب
عن جنابة: أي عن بعد غربة. فقال له الملك: نعم وأذنبة، وقد خيّرتك بين الحباء الجزل وبين اساري بني تميم. فقال: عرّضتني لألسن بني تميم، دعني اليوم أنظر في أمري، فأتاهم في السجن فأخبرهم. فقالوا: ويلك تدعنا عناة وتنصرف. قال: فإنّ الملك سيحملكم ويكسوكم ويزوّدكم، فإذا صرنا إلى الحيّ فلي الحملان وباقي الزاد والكسوة، ففعلوا. وهو علقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ولا تحفظ له كنية، شاعر جاهليّ.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٦، ١٧٤ ":
محلّها إن عكف الشفيف الزرب والعنّة والكنيف
قال أبو عليّ: ومنه قيل للبعير معنّى.
[ ١ / ٤٣٣ ]
ع إذا هاج الفحل ولم يكن كريمًا خافوه على كرام الإبل فنجّفوا ثيله بنجاف وجعلوه في العنّة، فلا يزال يرغو ويهدّر ويحنّ ولا يضرب، وهو السدم المعنّي. قال الوليد بن عقبة وكتب بها إلى معاوية:
قطعت الدهر كالسدم المعنّي تهدّر في دمشق ولا تريم
وإنّك والكتاب إلى عليّ كدابغة وقد حلم الأديم
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٦، ١٧٤ ":
وكلّ فتى وإن أمشى فأثرى ستخلجه عن الدنيا منون
ع البيت للنابغة الذبياني وقبله:
فإن تك قد نأت ونأيت عنها فأصبح واهنا حبل متين
فكلّ قرينة ومقرّ إلف مفارقه إلى الشحط القرين
وكلّ فتى.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٦، ١٧٤ ":
يصدّ الكرام المصرمون سواءها
ع هذا الشعر للمعلوط بن بدل القريعيّ ثم السعديّ شاعر إسلاميّ. وصلة البيت:
أعاذل ما يدريك أنّ ربّ هجمة لها فوق أصواء المتان فديد
يصدّ الكرام المصرمون سواءها وذو الحقّ عن أقرانها سيحيد
وكائن رأينا من غنّى مذمّم وصعلوك قوم مات وهو حميد
ويروى:
لأخفافها فوق الفلاة فديد
والأصواء: جمع صوى، والصوى: جمع صوّة
[ ١ / ٤٣٤ ]
وهي علم من حجارة يكون في علويّ الأرض. والفديد: شدّة الوطء على الأرض من نشاط ومرح. وفي الحديث: " إن الأرض تقول وقد كنت تمشي فوق فدّادا ". والهجمة: من الإبل ما بين الثمانين إلى المائة. وهذا الشاعر عيّرته امرأته قلّة إبله فقال لها: ربّ كثير الإبل يلؤم فيها ويضنّ بحقوقها فالناس منصرفون عنها وعن أمثالها من إبل البخلاء فيموتون مذمّمين، وربّ قليل المال آسي فيما ملكت يداه وأعطى مما يجده فمات حميدًا فقيدًا. وقوله سواءها: يريد قصدها حكاه الفرّاء قال السواء القصد يقول: إذا حان قصد سبيلها صدّ عنها، ويحتمل أيضًا أن يكون قوله سواءها بمعنى حذاءها. يقال زيد سواء عمرو أي حذاؤه.
وأنشد أبو عليّ ط١ - ١٧٧، ١٧٤ ":
وربّت غارة أو ضعت فيها كسحّ الهاجريّ جريم تمر
ع الهاجريّ: رجل منسوب إلى هجر علي غير قياس، وخصّ هجر لكثرة تمرها. والجريم: من التمر المصروم وهو الجرام والصّرام والجداد. والعرب تشبّه شنّ الغارات بنثر التمر، قال ضمرة بن ضمرة النهشليّ:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكن آتي التجار ولا أشدّ تكلّمي
حتى صبحت على الشقوق بغارة كالتمر ينثر من جريم الجرّم
والبيت لدريد بن الصمّة وصلته:
أسرّك أن يكون الدهر وجهًا عليك بسيبه يغدو ويسري
وإن لا ترزئي أهلًا ومالًا يضرّك هلكه ويطول عمري
[ ١ / ٤٣٥ ]
لقد كذبتك نفسك فاكذبيها فإن جزعًا وإن إجمال صبر
متى ما أمس في جدث مقيمًا بمهجرة من البلدان قفر
فربّت غارة أوضعت فيها كسحّ الهاجريّ جريم تمر
ويروى:
كسحّ الخزرجيّ جريم تمر.
والأنصار أصحاب نخل وتمر
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٧، ١٧٥ " لأبي كبير بيتًا قد تقدّم ذكره ومضى موصولًا " ص ٩٨ ": وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٧، ١٧٥ ":
إلاّ بجيش لا يكتّ عديده
ع هذا البيت لربيعة أبي ذؤاب رجل من بني نصر بن قعين ثم من بني أسد يرثي ابنه ذؤابًا وهو جاهليّ قال:
أبلغ قبائل جعفر إن جئتها ما إن أحاول جعفر بن كلاب
أن الهوادة والمودّة بيننا خلق كسحق اليمنة المنجاب
إلاّ بجيش لا يكت عديده سود الجلود من الحديد غضاب
جعفر بن كلاب من بني عامر إنما يعني جعفر بن ثعلبة بن يربوع رهط عتيبة بن الحارث بن شهاب.
قال أبو عليّ " ١ - ١٧٧، ١٧٥ " ومن أمثالهم: كلا جانبي هرشي لهن طريق ع وهذا عجز بيت وصدره:
[ ١ / ٤٣٦ ]
طريق قفا هرشي وآخر تحته كلا جانبي هرشي لهن طريق
ويروى:
خذا بطن هرشي أو قفاها فإنّه كلا جانبي هرشي لهن طريق
وهرشي: ثنيّة يرى منها البحر، وهي قريبة من الجحفة وفي المنتصف بين مكة والمدينة، وعلما المنتصف بين مكة والمدينة دون عقبة هرشي بميل، وفي مسيل هرشي مسجد للنبيّ ﵇.
قال ويقال: " ضغث على إبّالة ".
ع قال أعرابي يخاطب الذئب وكان عاث في غنمه:
في كلّ يوم من ذؤاله ضغث يزيد على إباله
فلأحشونّك مشقصًاأوسًا أويس من الهباله
ذؤالة: اسم الذئب وكذلك أويس. والأوس: العطيّة يقال أسته أوسًا، يقول أحشونّك بهذا المشقص أي أصيب به حشاك عوضًا من الغنيمة وهي الهبالة. يقال اهتبل فلان غفلة فلان: أي اغتنمها.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٨، ١٧٦ ":
فما أراهم جزّعًا بحسّ عطف البلايا المسّ بعد المسّ
ع هذا الرجز للعجّاج وقد تقدّم إنشاده " ٩٠ ".
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٨، ١٧٦ ":
ربّ شريب لك ذي حساس
ع أسقط أبو عليّ منها الرابع وهو بعد الأول:
شرابه كالحزّ بالمواسي أقعس يمشي مشية النفاس
[ ١ / ٤٣٧ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٨، ١٧٦ " للعجّاج:
في معدل الملك القديم الكرس
وصلته:
قد علم القدّوس مولى القدس أنّ أبا العبّاس أولى نفس
بمعدن الملك القديم الكرس ليس بمقلوع ولا منحس
حتى تزول هضبات قدس
الكرس: المتكارس بعضه فوق بعض وإنما يعني اجتماعه وقدمه. وقدس: من ضخام جبال نجد.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٨، ١٧٦ " لأبي زبيد:
خلا إن العتاق من المطايا حسين به فهنّ إليه شوس
ع وقبله:
فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد هموس
إلى أن عرّسوا وأغبّ عنهم قريبًا ما يحسّ له حسيس
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٨، ١٧٦ " للقطاميّ:
أخوك الذي لا يملك الحسّ نفسه وترفضّ عند المحفظات الكتائف
ع وبعده:
فنحن الزمام القائد المهتدي به ومن غيرنا المولى التبيع المحالف
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٧٩، ١٧٦ ":
إذا تجافين عن النسائج تجافي البيض عن الدمالج
[ ١ / ٤٣٨ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٧٩، ١٧٧ " لعبيد:
يا من لبرق أبيت الليل أرقبه في عارض كمضيء الصبح لمّاح
ع هو عبيد بن الأبرص بن جشم بن عامر الأسدي شاعر جاهليّ يكنى أبا دودان وأبا زياد، وقد اختلف في هذا الشعر فبعضهم يرويه لعبيد، وبعضهم يرويه لأوس بن حجر، وهو ثابت في ديوانيهما بخلاف يسير. وفيه من الغريب قوله: لّما علا شطبًا وهو جبل معروف. وقوله: أقراب أبلق فإنّه يعني أن البرق إذا برق رأيت الذي يضيئه لك من السحاب أبيض والباقي أسود. قاله أبو حنيفة فلذلك شبّه بياضه بأقراب الأبلق الذي باقيه أدهم، وقد تقدّم مطلب هذا البيت. والقرواح: الأرض البارزة التي لا يسترها شيء. ومحفله: موضع اجتماع مائه. واللهاميم: الغزيرات الألبان. وقوله قد همّت بإرشاح: يقال أرشحت الناقة إذا شبّ ولدها، وقيل إذا أطاق ولدها يمشي معها. وقوله تزجي مرابيعها: المرباع: الناقة التي تضع في ربعيّة النتاج وهو أوله وإنما يعني أولادها.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٠، ١٧٧ " للحمّانيّ:
دمن كأنّ رياضها يكسين أعلام المطارف
ع الحمّانيّ هو عليّ بن محمد العلويّ الحمّانيّ يكنى أبا الحسين شاعر من شعراء الدولة الهاشمية وكان نزل الكوفة في بني حمّان فنسب إليهم وغلب عليه الحمّانيّ. وأوّل الشعر:
كم وقفة لك بالخور نق لا توازي بالمواقف
[ ١ / ٤٣٩ ]
بين الغدير إلى السدي ر إلى ديارات الأساقف
دمن كأنّ رياضها.
وقوله:
طرر الوصائف يلتقي ن بها إلى طرر الوطائف
الطرّة: أن يقطع للجارية من مقدّم ناصيتها كالطرّة تحت التاج لا يبلغ حاجبيها، وقد تتخذ من رامك. وقوله: بأربعة ذوارف هذا لكثرة الدمع حتى يسحّ من الموق واللحاظ.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٠، ١٧٨ " لعبيد شعرًا فيه:
جونًا تكفكفه الصبا وهنًا وتمريه خريقه
ع الخريق: الريح الشديدة، وانخرقت: اشتدّ هبوبها. وفيه:
ودنا يضيء ربابه غابًا يضرّمه حريقه
كنى بالغاب عن السحاب تشبيهًا لها بالآجام. والغاب: جمع غابة وهي الأجمة، وقيل بل أراد إضاءة غاب يضرّمه حريقه. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال الفارسي في بيت الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
أراد اغتماض ليلة أرمد وليس بظرف، ونسب الاغتماض إلى الليل كما قال ﷿: " بل مكر الليل والنهار ". ويحتمل أن يريد عبيد كغاب يضرّمه حريقه فحذف حرف الصفة ونصب.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٠، ١٧٨ " لكثيّر:
تسمع الرعد في المخيلة منها مثل هزم القروم في الأشوال
ع المخيلة: هي ذات الخلاقة بالمطر يريد سحابة ذات مخيلة، ويقال أخالت إذا تخيّل فيها المطر فهي مخيلة، والبيت يحتملهما إلاّ أن الرواية بالفتح عن أبي عليّ، ورواهما اليزيديّ معًا في شعر كثيّر. ويقال سغّم وسعّم بالغين معجمة ومهملة إذا روّى، ورجل مسغّم ومسعّم إذا كان حسن الغذاء، وكذلك مسرهف ومسرهد وضدّه مجحن وجحن ومقرقم وجدع.
[ ١ / ٤٤٠ ]
وأنشد أيضًا لكثيّر " ١ - ١٨١، ١٧٨ ":
أهاجك برق آخر الليل واصب تضمّنه فرش الجبا فالمسارب
ع الواصب: الدائم الدائب، وفلاة واصبة لا غاية لها. وفيه:
تألّق واحمومي وخيّم بالربى أحمّ الذرى ذو هيدب متراكب
احمومي: أي أسودّ. وخيّم: أقام. وهيدبه: ما تدلّى منه لثقله فكأنه على وجه الأرض كما قال عبيد:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
وكما قال زهير السكب:
إذا الله لم يسق إلاّ الكرام فسقّى وجوه بني حنبل
فسقّى ديارهم باكرًا من الغيث في الزمن الممحل
كأن الرباب دوين السحاب نعام يعلّق بالأرجل
وهو زهير بن عروة بن جلهمة المازنيّ سمّي زهير السكب بقوله:
برق يضئ خلال البيت أسكوب
وقال معقر بن حمار لابنته وهي تقوده وقد كفّ بصره وسمع صوت رعد: يا بنيّة أي شيء ترين؟ قالت: سحماء عقاّقة، كأنها حولاء ناقة، ذات هيدب دان، وسيروان. فقال يا بنيّة: وائلي بي إلى قفلة فإنها لا تنبت إلاّ بمنجاة من السيل وفيه:
[ ١ / ٤٤١ ]
إذا حرّكته الريح أرزم جانب بلا هزق منه وأومض جانب
أرزم: أراد صوت رعده. والهزق: الخفّة يريد أنه بطئ السير وقيل الهزق شدّة الرّعد، والهزق: أيضًا كثرة الضحك. وأومض: يريد إيماضه بالبرق كما أومضت بعينها خريع وهي الفاجرة، وقيل هي التي تتثنّى في مشبتها وكلّ ليّن خريع. وقوله لا يذكر السير أهله: لا ينتجعون غيثًا غيره. والجادب: العائب.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨١، ١٧٨ " لابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض لائحة مثل الدراهم تبدو ثم تستتر
ع يحتمل أن يريد غدران الماء ثم تنضب، ويحتمل أن يريد ما يكون عنه من النزّ ثم يذهب. وقيل في قول عنترة:
جادت عليها كل عين ثرّة فتركن كلّ حديقة كالدرهم
أنه أراد امتلأت ماء فصارت في بياض الدرهم. وقيل إنه أراد حسن نباتها فشبّهه بنقش الدرهم وحسنه. ولولا قول ابن المعتزّ:
ترى مواقعه في الأرض
لاحتمل أن يريد مواقع القطر في الماء وما يحدث عنها من تلك الأشكال المستديرة ولحسّن هذا التأويل قوله: ثمّ تستتر وجانس قول بعض المحدثين يصف خبّازًا:
ما أنس لا أنس خبّازًا مررت به يدحو الرقاقة وشك اللحظ بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلاّ بمقدار ما تنداح دائرة في صفحة الماء ترمي فيه بالحجر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨١، ١٧٩ ":
فجادت ليلها سحًّا ووبلًا وهطلًا مثل أفواه الجراح
[ ١ / ٤٤٢ ]
هذا الشعر لابن المعتزّ وهو من التشبيه المقلوب. ومثله قول ذي الرمّة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته وقد جللّته المظلمات الحنادس
وقول الآخر وهو أبو محمد المكّيّ:
كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم مصبّغات على أرسان قصّار
أخذه أبو تمّام فقال:
نار يساور جسه من حرّها لهب كما عصفرت شقّ إزار
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨١، ١٧٩ " لأبي الغمر:
نسجته الجنوب وهي صناع فترقّى كأنّه حبشيّ
ع أبو الغمر هذا كاتب كان لأبي دلف العجليّ أو لابن عمّه من شعراء الجبل. وقوله كان يقروها يريد يتبعها. والقريّ: مجرى الماء إلى الروضة وجمعه قريان وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٢، ١٧٩ ":
كأنّه لّما وهي سقاؤه وانهلّ من كلّ غمام ماؤه
حمّ إذا حمّشه قلاؤه
ع هكذا الرواية عنه حمّشه بالحاء المهملة وقال حمّشه أحرقه، وروى غيره جمشّه: بالجيم من قولهم سنة جموش إذا أحرقت النبت، وجمّشت النورة الجسد إذا أحرقته. وصلة هذه الأشطار:
في إثر غيث بلغت أنباؤه أحبار من يعجبه انتواؤه
كأنّه لمّا وهي سقاؤه وانصبّ من كلّ غمام ماؤه
[ ١ / ٤٤٣ ]
حمّ إذا حمّشه قلاّؤه فهو يرى كما نمى غثاؤه
بالجدّ حيث ارّتقبت معزاؤه قطائف الموصل أو عباؤه
الجدّ: الجدد، وارتقبت: أشرفت.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٢، ١٧٩ ":
سرى كاقتذاء الطير والليل ضارب بأرواقه والصبح قد كاد يسطع
ع اقتذاؤها: تغميضها عينيها وفتحها كما يفعل من يريد إخراج القذى من عينيه ويروى كاحتساء الطير.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٢، ١٨٠ ":
أرقت لبرق سرى موهنًا خفيّ كغمزك بالحاجب
ع هو لعبد الله بن العبّاس بن الفضل بن الربيع بن يونس والربيع وزير أبي جعفر المنصور، والفضل ابنه وزير الرشيد والأمين. وعبد الله شاعر مطبوع مليح المذاهب في شعره من الشعراء الأولين المترفين وأولاد النعم المرفّهين، وكان مع ذلك مغنيًّا محسنًا ويكنى أبا العبّاس. قال ابن عباس: كنّا عند الواثق في يوم دجن ولاح برق واستطار. فقال الواثق: قولوا في هذا شيئًا فبدرهم عبد الله فقال البيتين وصنعفيهما غناء شرب الواثق عليه بقيّة يومه ووصله بصلة سنيّة.
[ ١ / ٤٤٤ ]
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٣، ١٨٠ ":
نار تجدّد للعيدان نضرتها والنار تلفح عيدانًا فتحترق
ع وقبله:
فقمت أخبره بالغيث لم يره والبرق إذ أنا محزون به أرق
لّما اكفهرّ شريقيّ اللوى وأوى إلى تواليه من سفّاره رفق
تربّص الليل حتى قال شائمه على الرويشد أو خرجائه يدق
ألقى على ذات أحفار كلاكله وشبّ نيرانه وانجاب يأتلق
نارًا يعاود منها العود جدّته والنار تلفح عيدانًا فتحترق
وهذا الشعر ينسب إلى ابن ميّادة. وقال البحتري في معناه ومعنى قول أبي تمّام:
فسقاهم وإن أطالت نواهم خلفة الدهر ليله ونهاره
كلّ جود إذا التظى البرق فيه أوقدت للعيون بالماء ناره
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٣، ١٨٠ " للطائيّ:
يا سهم للبرق الذي استطارا
[ ١ / ٤٤٥ ]
ع هو سهم بن أوس أخو حبيب بن أوس وسهم كان ينشد أشعاره لأن حبيبًا كان تمتامًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٤، ١٨١ " للعجّاج:
ماء قرىّ مدّة قرىّ
ع قال يصف الليل:
ومخدر الأبصار أخدريّ لجّ كأنّ ثنيه مثنىّ
كأنّه والهول عسكريّ إذا تبارى وهو ضحضاحيّ
ماء قرىّ مدّة قرىّ غبّ سماء فهو رقراقيّ
مخدر الأبصار كأنه جعلها في خدر فمنعها أن تبصر. والأخدريّ: الأسود. ثم قال كأنّه لجّة بحر لتكاثف ظلمته. والهول عسكريّ: أي معسكر عليهم لا يفارقهم. والضحضاح: الرقيق. والرقراقيّ: الترقرق.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٤، ١٨١ ":
رعى غير مذعور بهنّ وراقه لعاع تهاداه الدكادك واعد
قد نسب هذا البيت إلى ابن ميّادة ولا أعلمه في شعره، ولكن له بيت آخر شاهد على هذه اللفظة وهو قوله:
من كان أخطاه الربيع فإنّه نصر الحجاز بغيث عبد الواحد
سبقت أواخره أوائل نوره بمشرّع عذب ونبت واعد
ونسبه أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الشجر والنبات " ٢٢ " إلى سويد بن كراع، وكذلك قال أبو حنيفة إنه لسويد بن كراع، وقد نسبه غيرهما إلى ابن الرقاع. فأما
[ ١ / ٤٤٦ ]
قول الشاعر:
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ورجرج بين لحييها خناطيل
فقال ابن الأنباري في كتاب الحاء هو لجران العود النميريّ. وأنشد قبله:
لمّا ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها ورجرج بين لحييها خناطيل
وكذلك أنشده أبو علي في البارع لجران العود ثم رأيت بعد هذا في قصيدة لابن مقبل هذا البيت الشاهد، وهي قصيدة أوّلها:
لم يبق من كبدي شيئًا أعيش به طول الصبابة والبيض الهراكيل
يقول فيها:
كأنّها حين ينضو الدرع مئزرها سبيكة لم تنقّصها المثاقيل
أو نعجة من إراخ الرمل خذّلها عن إلفها واضح الخدّين مكحول
قالت لها النفس كوني عند مولده إنّ المسيكين إن جاوزت مأكول
حتى احتوى بكرها بالجزع مطّرد هملّع كهلال الشهر هذلول
كأنّ ما بين أذنيه وزبرته من صبغه في دماء الجوف منديل
[ ١ / ٤٤٧ ]
لّما ثغا الثغوة الأولى فأسمعها ودونه شقّة ميلان أو ميل
كاد اللعاع من الحوذان يسحطها
هملّع: خفيف. كهلال الشهر: دقيق ضامر. وهذلول: سريع يعني الذئب. وقوله كاد اللعاع: يقول كادت تغصّ بالحوذان أي تغصّ بما لا يغصّ به من حزنها على ولدها. واللعاع: بقل ناعم في أوّل ما يبدو، ويقال إنما الدنيا لعاعة. وكاد يسحطها: أي يذبحها. ورجرج: يعني لعابها يترجرج في فيها فهي لا تسيغ اللعاع بلعابها وإنما يسيغ الطعام اللعاب. وخناطيل: قطع متفرّقة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٤، ١٨١ ":
إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابًا
ع يليه:
بكلّ مقلّص عبل شواه إذا وضعت أعنّتهن ثابا
ومحفزة الحزام بمرفقيها كشاة الربل أفلتت الكلابا
والشعر لمعاوية بن مالك معوّد الحكماء وقد مضى ذكره " ص ٤٧ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٤، ١٨١ ":
يقيم أمورها ويذب عنها ويترك جدبها أبدًا مريعا
وأنشد أبو عليّ " ١٨٤، ١٨٢ " لأبي ذؤيب:
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها
ع وصلته:
تعدو به خوصاء يفصم جريها حلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها بالنيّ فهي تثوخ فيها الإصبع
[ ١ / ٤٤٨ ]
تأبى بدرّتها إذا ما استكرهت إلاّ الحميم فإنّه يتبضّع
خوصاء: غائرة العينين ساهمة الوجه يفصم جريها: يقول إذا عدت فزفرت فصمت الحزام. وهي رخو: أي سهلة الجرى. تمزع: تسرع وقال أبو عبيدة: المزع أوّل العدو. وقوله فشرّج لحمها: أي صار لحمها وشحمها شريجين. وقال أبو بكر قال الأصمعي: هذه كانت سمّنت للأضحى، وهذيل ليسوا بأصحاب خيل، والجيّد قول امرئ القيس:
بعجلزة قد أترز الجرى لحمها كميت كأنّها هراوة منوال
أترز: أي أيبس: وقد عيب أيضًا قوله تأبى بدرّتها وقيل هذه حرون. وقال قوم إنما أراد أنّها عزيزة النفس لا تعطي ما عندها على الاستكراه إلاّ العرق فإنه يتبضّع ويتبصّع: أي يسيل قليلًا قليلًا، وهو المحمود في الخيل أن لا يكون هشًّا ولا صلودًا.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٥، ١٨٢ ":
لمّا رأى الرمل وقيزان الغضا
ع هذا رجل حضريّ لّما رأى القفر بكى وأبكى.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٥، ١٨٢ " لأبي ذؤيب:
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعًا
وصلته:
أمن المنون وريبة تتوجّع والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أمامة ما لجسمك شاحبًا منذ ابتليت ومثل مالك ينفع
أم ما لجسمك لا يلائم مضجعًا إلا أقضّ عليك ذاك المضجع
هذا الشعر يرثي به بنيه. والمنون هنا: الدهر فلذلك ذكّره، ومن أراد به المنيّة أنثّه. وقال الأخفش: المنون مؤنّثة وهي جماعة لا واحدة لها. وقال الأصمعي: المنون واحد لا جماعة له. وقوله: ومثل مالك ينفع المعنى: ما لجسمك شاحبًا ومثل مالك لا تكون معه ضيعة
[ ١ / ٤٤٩ ]
ولا هزال ولا شحوب لأنه واسع مبذول، وهذا كما قال كعب بن سعد الغنوي:
تقول سليمى ما لجسمك شاحبًا كأنّك يحميك الطعام طبيب
وقال النمر بن تولب:
وفي جسم راعيها هزال كأنّه شحوب وما من قلّة الطعم يهزل
وقوله: إلا أقضّ عليك ذاك المضجع: أي تجده كأنّ فيه قضّة: وهي الحصا الصغار.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٥، ١٨٣ ":
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
ع هذا البيت للأسعر بن مالك الجعفيّ شاعر جاهليّ وقد تقدّم ذكره " ٢٥ " وصلة البيت:
وإذا رأيت مسالمًا ومحاربًا فليبغني عند المحارب من بغى
إخوان صدق ما رأوك بغبطة فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
مسحوا لحاهم ثم قالوا سالموا يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى
قال الأصمعي: هذا سنّة العرب كان أحدهم إذا أراد أن يخطب مسح لحيته وعثنونه، وقال أبو عمر: سألنا ثعلبًا عن هذا البيت فقلنا ما كان يصنع فيهم؟ قال: يحلق لحاهم مجازاة لهم على الموادعة، وسيأتي هذا البيت على خلاف هذا " ١٣٥ ".
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٦، ١٨٣ " شعرًا فيه:
[ ١ / ٤٥٠ ]
أمين فأدّى الله ركبًا إليهم بخير ووقاّهم حمام المقادر
وروى عبد الرزّاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله عن أبي هريرة قال: أمين اسم من أسماء الله تعالى قال: والألف فيه حرف نداء، والعرب تقول: أفلان وآفلان. وقال ابن قتيبة وغيره عن مجاهد أمين: هو اسم من أسماء الله تعالى. أقول أنا وكان يلزم على هذا أن يكون مضمومًا. وقال آخرون: إنه اسم للفعل بني علي الفتح من أجل الياء وأصله السكون مثل رويد ومعناه استجب كما أنّ رويدًا بمعنى أمهل، وقيل معناه اللهم افعل. وقال ابن عبّاس والحسن: معنى أمين: ذلك يكون. وفيه:
حذارًا على القلب الذي لا يضيره أحاذر وشك البين أم لم يحاذر
هذا بيت اختلف فيه فقيل إنه أراد بالقلب قلب محبوبته، ولو أراد نفسه لكان متناقضًا، ومحبوبته هي التي لا تسأل عن بين ولا تلاق ولا هجر ولا وصال. وقال أبو علي في الكتاب البارع، وقد أنشد الأبيات مستشهدًا على قصر أمين فقال: أراد بقوله لا يضيره: لا ينفعه فلما لم يستقم له الشعر جاء بالضدّ ضرورة.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٦، ١٨٣ " لجميل:
خليليّ هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي عليّ فجور
ع يعني بعد توبة من لمم أو قراف. وفيه:
وكيف بأعداء كأنّ عيونهم إذا حان إتياني بثينة عور
هذا من قول الأعشى:
يريد يغضّ الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه عليّ المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلاّ وأنفك راغم
وقال عنترة فأحسن:
[ ١ / ٤٥١ ]
إذا أبصرتني أعرضت عني كأنّ الشمس من قبلي تدور
أخذه ابن الطثريّة فقال:
إذا ما رآني مقبلًا غضّ طرفه كأنّ شعاع الشمس دوني تقابله
وفيه:
وإنّي وإن أصبحت بالحبّ عالمًا على ما بعيني من قذى لخبير
يقول هو خبير بأنه مغطّى على بصره للحبّ لا تخفي عليه غوايته فيه، وضرب القذى لذلك مثلًا، ويروى:
على ما بعيني من عشا
يريد أن الحبّ أعشاه عن تبيّن الرشد وهذا كما قال مالك بن أسماء:
أمغطّي منّي على بصري لل حبّ أم أنت أكمل الناس حسنا
والمثل السائر: " حبّك الشيء يعمي ويصمّ ". ومن هذا الباب قول الشاعر:
قل لنصر والمرء في دولة الس لطان أعمى مادام يدعى الأميرا
فإذا زالت الولاية عنه واستوى بالرجال صار بصيرا
وقال آخر:
والمرء يعمى عمّن يحبّ فإن أقصر عن بعض ما به أبصر
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٧، ١٨٤ ":
كأنّ خوق قرطها المعقوب
ع المعقوب: الذي فيه العقاب: وهو الخيط الذي يشدّ في طرف حلقة القرط ثم يشدّ في حلقة القرط الآخر لئلا يسقط أحدهما ذكر ذلك ابن دريد في كتاب الملاحن " ٦١ " هذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو عليّ من شدّة بالعقب إذا خشوا أن يزيغ فإن
[ ١ / ٤٥٢ ]
قرطًا يشدّ بعقب ينبغي أن يكون من خشب. وهذا الرجز لسيّار الأبانيّ قال:
أعار عند السنّ والمشيب ما شئت من شمردل نجيب
أعارهم من سلفع صخوب يابسة الظنبوب والكعوب
كأنّ خوق قرطها المعقوب على دباة أو على يعسوب
تشتمني في أن أقول توبي
قوله أعار: يعني الله سبحانه ورزقه عند كبره أولادًا جسامًا نجباء. والشمردل: الطويل الحسن الجسم يقول هؤلاء الأولاد من امرأة سلفع وهي الصخّابة البذيئة. وقوله على دباة: يعني قصر عنقها وصفها بالوقص. والدبا: صغار الجراد.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٧، ١٨٥ " لسلامة بن جندل:
ولّى حثيثًا وهذا الشيب يطلبه.
ع وصلته:
ولّى الشباب حميدًا ذو التعاجيب ولّى وذلك شيء غير مطلوب
ولّى حثيثًا وهذا الشيب يطلبه لو كان يدركه ركض اليعاقيب
التعاجيب: العجب جمع لا واحد له كما قالوا التعاشيب وتباشير الصبح. والمعنى كان الشباب يعجب الناظرين إليه ويروقهم. ثم قال أودي فكرّر اللفظ على التوجّع والتفجّع. وقال أبو عبيد اليعاقيب: ذكور الحجل وأنشد البيت، وخصّها لسرعة طيرانها يقول: لو كان يدرك الشباب ركض اليعاقيب لطلبناه فحذف الجواب. ويروى ركض اليعاقيب بالنصب بمعنى دلّ عليه قوله ولّى حثيثًا يركض ركض اليعاقيب، أو بمعنى دلّ عليه قوله وهذا الشيب
[ ١ / ٤٥٣ ]
يطلب. وهو سلامة بن جندل بن عبد عمرو بن الحارث بن مقاعس التميميّ شاعر جاهليّ يكنى أبا مالك.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٧، ١٨٥ " لذي الرمّة:
ألهاه آء وتنّوم وعقبته
ع وصلته:
أذاك أم خاضب بالسيّ مرتعه أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
شخت الجزارة مثل البيت سائره من المسوح خدبّ شوقب خشب
ألهاه آء وتنّوم وعقبته من لائح المرو والمرعى له عقب
الخاضب: الظليم الذي قد اخضرّت ساقاه وأطراف ركبتيه من أكله الزهر فذلك خضابه. وأبو ثلاثين: يعني ثلاثين بيضة. والجزارة: عنقه وساقاه وكذلك هو من كل ذات أربع. وأراد سائره مثل البيت من المسوح يريد بيتًا من شعر شبّهه به لسواده. وخدبّ: ضخم. وشوقب: طويل. وخشب: جاف. وسيف خشيب: حديث الصنعة لم يحكم. والأخشب: الغليظ من الأرض. والآء والتنّوم: نبتان. والمرو: حجارة رقاق بيض برّاقة.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٨، ١٨٥ " لطفيل:
عناجيج من آل الوجيه ولاحق مغاوير فيها للأريب معقّب
ع وقبله:
وخيل كأمثال السراح مضونة ذخائر ما أبقى الغراب ومذهب
عناجيج من آل الوجيه ولاحق مغاوير فيها للأريب معقّب
ويروى:
طوال الهوادي والمتون صليبة مغاوير فيها للأريب معقّب
[ ١ / ٤٥٤ ]
الغراب ومذهب: فحلان كريمان كانا لغنّى. ويحمد من الفرس طول عنقه واشتداد مركبّها في الكاهل. قال أبو النجم:
قد كاد هاديها يكون شطرها
ويقال فرس مغوار إذا كان شديد الدفعة في الغارة. والأريب: ذو الإربة وهي الرأي والمكيدة، والإربة: أيضًا الحاجة. والسراح: جمع سرحان وهو الذئب.
وأنشد لطفيل أيضًا " ١ - ١٨٨، ١٨٥ ":
كريمة حرّ الوجه لم تدع هالكا من القوم هلكًا في غد غير معقب
ع وبعده:
أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا برود الثنايا ذات خلق مشرعب
ترى العين ما تهوى وفيها زيادة من الحسن إذ تبدو وملهى لملعب
من نصب غير معقب فهو نعت لقوله هلكًا أو هالكًا، ومن خفضه فهو نعت لقوله في غد
كما تقول نهاره صائم وليله قائم و إنّما هي إقبال وإدبار
وقد فسّر أبو علي معناه. ومثله قول نهشل بن حرّيّ:
وليس يهلك منّا سيّد أبدًا إلاّ افتلينا غلامًا سيّدًا فينا
وقول أوس:
وإن سيّد منا ذرًا حدّ نابه تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وقول أبي الطمحان:
وإنّي من القوم الذين هم هم إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
وقول الآخر وهو المرّار الأسديّ:
وإذا فلان مات عن أكرومة رقعوا معاوز فقده بفلان
[ ١ / ٤٥٥ ]
وقوله ذات خلق مشرعب: أي محسّن مأخوذ من الوشي الشرعبيّ. وقوله وفيها زيادة: أي زيادة من الحسن على ما تهوي العين. وملهى لملعب: أي للعب وهما مصدران.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٨، ١٨٦ " لدريد:
إذا عقب القدور عددن مالًا يحبّ حلائل الأبرام عرسى
ع سينشد أبو عليّ هذه القصيدة بكمالها ويأتي بخبرها " ٢ - ١٦٤، ١٦٢ ".
وأنشد أبو على " ١ - ١٨٩، ١٨٦ ":
لا تطعم الغسل والأدهان لّمته ولا الذريرة إلاّ عقبة القمر
ع هذا الشعر لرجل من بني عامر وبعد البيت:
إذا تربّد أعلى جلده فزعًا رأى العدوّ عليه جلدة النمر
قال ابن الأعرابي: عقبة القمر: نجم يقارن القمر في السنة مرّة، يقول يفعل ذلك في الحين مرّة، وقوله فزعًا: يريد مغيثًا كما قال الشّماخ:
إذا دعت غوثها ضرّاتها فزعت أطباق نيّ على الأثباج منضود
وأنشد أبو علي " ١ - ١٨٩، ١٨٦ ":
أيا والي سجن اليمامة أشرفا بي القصر أنظر نظرة هل أرى نجدا
وفيه:
أمن أجل أعرابيّة في عباءة تبكيّ على نجد وتبلي كذا وجدا
ع كذا في موضع المصدر أي تبلي بلى كهذا البلى فحذف وأقام الصفة مقام الموصوف.
وفيه:
من اللابسات الريط يظهرنه كيدا
وهذا قبيح لا يجوز وهو أشدّ من الإقواء والسناد لأن الياء والواو إذا انفتح ما قبلهما لم يكونا إلاّ رويًّا نحو لهو وبغى، وكذلك إذا تّحرّكتا نحو ظبية وعروة. فإذا قال يظهرنه كيدًا فقد لزمت الياء في جميع روىّ الشعر، ولا تكون الواو
[ ١ / ٤٥٦ ]
ولا الياء في هذه المواضع التي ذكرناها تأسيسًا ولا ردفًا. والسناد الذي ذكرت هو: أن تأتي بقافية مردّفة ومعها أخرى غير مردّفة كما قال العجّاج:
يا دار سلمى يا اسلمي ثمّ اسلمي
وفيها:
فخندف هامة هذا العالم
ويروى أنّ العجّاج كان ينشده فخندف هامة هذا العألم بالهمز ليسلم من السناد. ومن بديع ما سمعه الناس في تفضيل نساء البداوة مع حلاوة وطلاوة، وصحّة معنى، وقرب مأخذ، وجودة لفظ قول أبي الطيّب:
من الجآذر في زيّ الأعاريب حمر الحلى والمطايا والجلابيب
إن كنت تسأل شكًّا في معارفها فم رماك بتسهيد وتعذيب
ثم قال:
ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويّات الرعابيب
حسن الحضارة مجلوب بتطرية وفي البداوة حسن غير مجلوب
أين المعيز من الآرام ناظرة وغير ناظرة في الحسن والطيب
ومن هوى كلّ من ليست مموّهة تركت لون مشيبي غير مخضوب
فلو لم تفضّل البادية بشعر إلاّ هذا لكان فيه مقنع وكفاية.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٨٩، ١٨٧ " لمعدان بن مضرّب الكنديّ
إن كان ما بلّغت عنّي فلامني صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
ع وهذا الشعر لمعدان بن جوّاس بن فروة السكونيّ ثم الكندي بلا اختلاف، ولا يعلم شاعر اسمه معدان بن مضرّب إنما هو حجيّة بن المضرّب وهو أيضًا سكونيّ
[ ١ / ٤٥٧ ]
وابن ابن أخيه أيضًا شاعر جوّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرّب. وروى القرميسيّ عن الآمديّ عن أبي العبّاس المبرّد أنه لحجيّة بن المضرّب قالهما لبعض الملوك وبلغه عنه شيء، وهذا مما التبس على أبي عليّ حفظه. وفيه:
وكفّنت وحدي منذرًا بردائه وصادف حوطًا من أعاديّ قاتل
منذر ابنه وحوط أخوه. وقوله وحدي: أي أكون غريبًا حيث لا أجد معينًا. وقوله بردائه: أي لا يجد سواه وهذا يحقّق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
فإمّا تريني في رحالة جابر على حرج كالقرّ تخفق أكفاني
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيكفّن فيها حين سمّ وليس يجد سواها. وإنما قال من أعاديّ ولم يقل من أعاديه لتكون الفجيعة أعظم والمصيبة أكبر.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٠، ١٨٧ " للأعرابيّ:
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة غزال أحمّ المقلتين ربيب
ع هما لابن الدمينة، وكذلك البيتان اللذان أنشد بعدهما يرويان أيضًا لابن الدمينة وهما:
هجرتك أيامًا بذي الغمر إنّني على هجر أيّام بدي الغمر نادم
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
[ ١ / ٤٥٨ ]
ويأخذه الهداج إذا هداه وليد الحيّ في يده الرداء
ع هو للحطئة وقبله:
إذا ذهب الشباب فبان منه فليس لما مضى منه بقاء
يصبّ إلى الحياة ويشتهيها وفي طول الحياة له عناء
ويأخذه الهداج. ويقال الهداج الهداج بفتح الهاء وكسرها. وقوله في يده الرداء: يعني في يد الوليد لضعف الشيخ وسقوطه عنه.
وأنشد أبو عليّ " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
وهدجانًا لم يكن من مشيتي
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ " لأوس:
فأعقب خيرًا كلّ أهوج مهرج وكلّ مفدّاة العلالة صلدم
ع وقبله:
[ ١ / ٤٥٩ ]
بأرعن مثل الطود غير أشابة تناجز أولاه ولم يتصرّم
ويخلجنهم من كلّ صمد ورجلة وكلّ غبيط بالمغيرة مفعم
فأعقب خيرًا كلّ أهوج مهرج
يصف جيشًا. وكل أنف تقدّم من جبل أو غلظ فهو رعن. يقول لم ينفذ أوله لثقله فآخره واقف، وقال مرة ينفذ أوله ولا ينقضي آخره لكثرته. والصمد: الغلظ من الأرض لا يبلغ أن يكون جبلًا، والرجل: أماكن سهلة مطمئنة تنبت نباتًا ليّنًا. والغبط: أماكن ترتفع أطرافها وتنهبط بطونها كأنها الغبط وهي أقتاب الهودج.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ ":
من كلّ هرّاج نبيل محزمه
ع وبعده:
تمّت ذفاري ليته ولهزمه إلى صميم آرز معرنزمه
الرجز لرؤبة. الذفريان: الجيدان الناتئان عن يمين القمحدوة وشمالها. والليت: صفحة العنق وآرز: غليظ متقبّض. والمعرنزم: المجتمع.
قال أبو علي " ١ - ١٩٢، ١٨٩ " قال أبو بكر: انثروا كأنه انفعال من ينثره نثرًا ع هذا وهم بيّن لأن نون نثر أصلية ونون انفعال زائدة وإنما هو انفعال من الثرّ وهو الغزير الكثير ومنه قولهم عين ثرّة، ويحتمل أن يكون افعلال من نثر إن كان مسموعًا.
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٣ " ١٩٠ " لرؤبة:
يرمى الجلاميد بجلمود مدقّ
ع وقبله:
[ ١ / ٤٦٠ ]
إذا تتلاّهن صلصال الصعق يرمي الجلاميد بجلمود مدقّ
مماتن غايتها بعد النزق حشرج في الجوف صهيلًا أو شهق
يصف الحمار والأتن. صلصال من صلصلة الحديد. والصعق: شدّة الصوت. والمماتن: المطاول يقول هو يباريها إذا عجلت. والنزقة: الدفعة الأولى، ثم يطاولها الغاية. والحشرجة: صوت لا يخرج صافيًا. والسحيل: صوت في البحّة. ومثله في صفة الحمار قال الشّماخ:
متى ما تقع أرساغه مطمئنّة على حجر يرفضّ أو يتدحرج
وأنشد أبو علي " ١ - ١٩٣، ١٩٠ " للصمّة القشيريّ: حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ع هو الصمّة بن عبد الله بن الطفيل بن قرّة من بني قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، شاعر إسلاميّ بدويّ مقل من شعراء الدولة الأمويّة. فأما الصمّتان الكبيران فجاهليّان. وكان من خبر هذا الشعر أن الصمة لمّا خطب بنت عمّه ريّا العامريّة اشتطّ عليه أبوها في المهر، فسأل أباه أن يعينه فأبى، وسأل عشيرته فأعطوه، فأتى عمّه بالإبل فقال لا أقبلها إلاّ من مال أبيك، وعاود أباه فمنعه، فلما رأى ذلك منهما قطع عقل الإبل
[ ١ / ٤٦١ ]
وأرسلها فعاد كل بعير إلى إلافه منها وتحمّل الصمّة راحلًا. فقالت بنت عمّه لمّا رأته راحلًا: تالله ما رأيت كاليوم فتى باعته عشيرته بأبعرة، ومضى حتى لحق بالشأم فقال وقد طال مقامه واشتاق ريّا وندم على فعله فقال:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت مزارك من ريّا وشعبا كما معا
وفي الشعر زيادة لا ينبغي أن تحذف لجودتها وانتظام الكلام بها وهي بعد قوله:
تلفتّ نحو الحيّ حتّى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا
ألا يا خليليّ اللّذان تواصيا بلومي إلا أن أطيع وأسمعا
قفا ودّعا نجدًا ومن حلّ بالحمى وقلّ لنجد عندنا أن يودّعا
ومنه:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معًا
وساق الشارح في ذكر أبيات من القصيدة ونظائر فأوردها وشرح ما يحتاج إليه
[ ١ / ٤٦٢ ]
في المقام ثم قال وأنشد أبو علي، ولم يثبت البيت هنا، إلى أن نقل شعرا:
يقول لي دار الأحبّة قد دنت وأنت كئيب إنّ ذا لعجيب
فقلت وما تغنى ديار تقاربت إذا لم يكن بين القلوب قريب
قال أبو عليّ " ١ - ١٩٥، ١٩٢ " ومن كلام العرب " الحسن أحمر " أي من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.
ع فمعنى أحمر على هذا التأويل شديد وقد تقدم القول في ذلك " ٥٧ " وذكرنا حديث عليّ: كنّا إذا احمرّ البأس اتّقينا برسول الله ﷺ، فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ منه. وقال الأشتر يوم صفّين: من أراد الموت الأحمر فليتّبعني. وفي المثل الذي ذكره تأويل آخر وهو أنّ المراد به اللون، والعرب تسمّى المرأة الحسناء حمراء. قال جرير وسئل عن الأخطل فقال: هو أوصفنا للخمر والحمر: يعني حسان النساء. وثبت أن النبي ﷺ كان يسمّى عائشة: الحميراء. قال الأصمعي وغيره: الحمراء: المرأة الجميلة الحسناء. وقال سيبويه وهذه الصفة لّما كثر استعمالهم لها لزمت فصارت كالاسم كالأدهم والأجدل. وقيل لأعرابي تمنّه! فقال: حمراء مكسال، من بنات الأقيال. وكذلك تقول العرب أيضًا
[ ١ / ٤٦٣ ]
للرجل البارع الحسن: أحمر وقّاد. ومنه حديث مسمع بن يزيد قال: مررت بالمدينة زمن عثمان ومعي نوف الغفاري، وكان أعلم الناس بالحدثان، فمرّ بنا مروان بن الحكم فقال لي: يا مسمع أترى هذا؟ قلت: نعم. قال: هو صاحب الأمر إذا مرج أمر الناس. قال مسمع: فتأمّلته فإذا هو أحمر وقّاد. وأصل هذه الصفة الغالبة من اللون وظهور الدم في الوجه لاشكّ فيه، ألا تراهم يشبّهون المرأة الحسناء بالنار. قالت الأعرابية وقد سئلت عن بنتها: والله لهي أحسن من النار الموقدة في الليلة القرّة. وقال الشاعر وهو من أبيات المعاني في النار:
وحمراء غبراء الفروع منيفة بها توصف الحسناء أو هي أجمل
وقال أبو نواس:
وذات خدّ مورّد قوهيّة المتجرّد
تأمّل العين منها محاسنًا ليس تنفد
وبيّن بشار بن برد أن المراد بالمثل ما ذكرناه بقوله:
وإذا خرجت تقنّعي بالحمر إنّ الحسن أحمر
ولذلك كانت العرب تلبس العروس الثياب الحمر، قال الأسديّ:
ألبست أثواب العروس سراتهم من بعد ما لبسوا ثياب الآئب
يعني قتلاهم المضّرجين بالدماء فكأنهم قد لبسوا ثياب العروس المعروفة بالحمرة من بعد أن كان لبسهم الدروع، وهي ثياب الذي آب من الخطئة إلى التوبة وأناب، يعني داود ﵇.