عاذت ولما تعذ منه براكبهاحتى اتقاها بنكل غير مسمور
أي عاذت منه بسنامها، وهو راكبها، كأنها اتقته به فلم يعذها منه. والنكل: القيد. يقول: ضرب قوائمها بالسيف، فصار كأنه قيد لها غير مسمور عليها.
وذكر أبو علي خبر ذي الرمة، وأنه قيل له من حيث عرفت الميم.
ع الشعر الذي شبه فيه ذو الرمة عين ناقته بالميم قوله:
[ ١ / ٦٣٢ ]
مهرية بازل سير المطي بها عشية الخمس بالموماة مزموم
كأنما عينها منها وقد ضمرتواحتثها السير في بعض الأضا ميم
قوله: سير المطى بها يقول كأن سيرهن يوصل بسيرها لفضل نشاطها. يقال هو يزم الألف أي يسبق الألف. وقال بعضهم: أراد كأنها زمام لهن تقتادهن كما يقتاد البعير بالزمام. والموماة: البرية. والخمس: أن تقيم ثلاثا في المرعي، وترد في الرابع فذلك الخمس. والأضا: الغدران واحدتها أضاة مثل قطاة وقطا، ويقال إضاء بالمد مثل أكمه وإكام.
وأنشد أبو علي:
لها حافر مثل قعب الوليد ركب فيه وظيف عجر
ع الشعر لامرىء القيس وبعده:
لها ثنن كخوافي العقا ب سود يفين إذا تزبئر
لها عجز كصفاة المسيل أبرز عنها جحاف مضر
لها ذنب مثل ذيل العرو س تسد به فرجها من دبر
وسالفة كسحوق الليا ن أضرم فيها الغوى السعر
لها جبهة كسراة المجن حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار الضباع فمنه تريح إذا تنبهر
يستحب في الحافر أن يكون مقبعا، قال عوف بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا
ويقال: سيل جحاف وجراف إذا اجتحف كل شيء، وبذلك سميت الجحفة لأن سيلا
[ ١ / ٦٣٣ ]
اجتحفها في الجاهلية. وعيب على امرىء القيس قوله:
لها ذنب مثل ذيل العروس
وإنما المحمود منه؟ أن لا يمس الأرض، كما قال في أخرى:
ضليع إذا استدبرته سد فرجه بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
والكلام في باقي الأبيات يأتي في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى أنشد أبو علي لعمرو بن كلثوم:
ألا هبي بصحنك فأصبحينا
ع هذا أول الشعر، وبعده:
ولا تبقن خمر الأندرينا
مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
تجور بذي اللبانة عن هواه إذا ما ذاقها حتى يلينا
ترى اللحز الشحيح إذا أمرت عليه لما له فيها مهينا
الأندرين: مكان بالشأم خمره أجود الخمور، وقال أبو علي: الأندرون جمع أندري، وهم الفتيان يجتمعون من مواضع شتى. ومشعشعة: منصوب بقوله أصبحينا أي ممزوجة، يقال شعشع خمرك: أي رققها. والحص: الورس. وقوله سخينا: قال أبو عمرو هو من السخن يريد ماء حارًا، ويقال سخينا: جدنا بأموالنا كما قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
وقال طرفة:
وإذا ما شربوا ثم أنتشوا وهبوا كل أمون وطمر
وهذا كله مذهب غير محمود، وإنما المحمود أن يوصف الممدوح بالجود والحباء في كلتى حاليه من الصحو والأنتشاء، كما قال امرؤ القيس:
[ ١ / ٦٣٤ ]
وتعرف فيه من أبيه شمائلًا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
وكما قال عنترة:
وإذا سكرت فإنني مستهلك مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
وقال البحتري فأحسن:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم فما أسطعن أن يحدثن فيك تكرما
وقال أبو الطيب فأربي عليه:
لا تجد الكأس في مكارمه إذا انتشى خلة تلافاها
تصاحب الراح أريحيته فتسقط الراح دون أدناها
وقال:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني وعف فجازاهن مني على رغم
وجاد فلولا جوده غير شارب لقيل كريم هيجته ابنة الكرم
وقال ابن الرومي:
صاحبي الطباع إذا سايلت هاجسه وإن سألت نداه فهو نشوان
وقال البحتري:
صحا واهتز للمعرو ف حتى قيل نشوان
رجع: وهو عمر بن كلثوم بن مالك بن عتاب التغلبي فارس شاعر جاهلي، وهو أحد
[ ١ / ٦٣٥ ]
فتاك العرب، وهو الذي فتك بعمرو بن هند، وكنيته أبو الأسود. وأخوه مرة بن كلثوم هو الذي قتل المنذر بن النعمان، وأمه أسماء بنت مهلهل بن ربيعة، ولما تزوج مهلهل هند بنت نعج بن عتبة ولدت له جارية، فقال لأمها: اقتليها فغيبتها، فلما نام هتف به هاتف:
كم من فتى مؤمل وسيد شمردل
وعدد لا يجهل في بطن بنت مهلهل
فاستيقظ وقال أين ابنتي؟ فقالت قتلتها. قال: لا وإله ربيعة، وكان أول من حلف بها، ثم رباها وسماها أسماء وقيل ليلى، وتزوجها كلثوم بن مالك، فلما حملت بعمرو أتاها آت في المنام فقال:
يالك ليلى من ولد يقدم إقدام الأسد
من جشم فيه العدد أقول قولا لا فند
فلما ولدت عمرا أتاها ذلك الآتي فقال:
إني زعيم لك أم عمرو بماجد الجد كريم النجر
أشجع من ذي لبد هزبر وقاص أقران شديد الأسر
يسودهم في خمسة وعشر
وكان كما قال ساد وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات وهو ابن مائة وخمسين سنة.
وأنشد أبو علي:
إذا انبطحت جافي عن الأرض بطنها وخوأها راب كهامة جنبل
ع هذا الشعر للأعشى. وبعد البيت:
إذا ما علاها فارس متبذل فنعم فراش الفارس المتبذل
[ ١ / ٦٣٦ ]
وقوله: وخوأها مما همز ولا أصل له في الهمز، وغير أبي على يرويه: وخوى بها راب وهو أصح، لأنه مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء يقال: خوى البعير تخوية إذا برك، ثم مكن لثفناته في الأرض، ولا يقال خويته أنا إنما يقال خوى به كذا كما تقول: ذهب به، وذهب لا يتعدى. يقول: إن كعثبها لضخمه يخوى بها إذا انبطحت فيتجافى عن الأرض بطنها، والعرب تشبه الركب الضخم بالقعب المكفوء، فلذلك قال كهامة جنبل. وقوله:
إذا ما علاها فارس متبذل
هو كقول الفرزدق:
ما مركب وركوب الخيل يعجبني كمركب بين دملوج وخلخال
ألذ للفارس المجري إذا انبهرت أنفاس أمثالها من تحت أمثالي
ويروي: ما إن أرى وركوب الخيل.
وأنشد أبو علي للأعشى:
رب رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقتال
ع وبعد البيت:
وشيوخ حربي بشطي أريك ونساء كأنهن السعالي
وشريكين في كثير من الما ل وكانا محالفي إقلال
هذا اليوم الذي ذكر أغار فيه الأسود بن المنذر أخو النعمان على الطف، فأصاب نعما وأسرى من بني سعد بن ضبيعة رهط الأعشى، وذلك منصرفه من غزو الحليفين أسد وذبيان. وكان الأعشى غائبا فلما قدم وجد الحي مباحا فأتاه، فأنشده هذه القصيدة وسأله أن يهب له الأسرى ففعل. قوله: رب رفد هرقته يقول: رب رجل كانت له
[ ١ / ٦٣٧ ]
إبل يحلبها فاستقتها فذهب ما كان يحلبه في الرفد. ومثله قول أبي قردودة يرثى ابن عمار قتيل النعمان، وكان نهاه عن منادمته فخالفه:
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ومنطقًا مثل وشى اليمنة الحبره
يقول: قتلوه فكأنهم ذهبوا بقراه الذي كان يقرى، وكفأوا جفنته التي كان يطعم فيها. وقال الأصمعي أقتال: أشباه، وغيره يقول أعداء. وحربي: جمع حريب أي مسلوب، وروى أبو عبيدة صرعي.
أنشد أبو علي للحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها
ع هو الحارث بن حلزة بن مكرزة بن بديد أحد بني يشكر بن علي بن بكر بن وائل يكنى شاعر جاهلي قال:
قلت لعمرو حين أرسلته وقد حبا من دونها عالج
[ ١ / ٦٣٨ ]
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج؟
وأصبب لأضيافك ألبانها فإن شر اللبن الوالج
قوله حبا: أي أشرف وعرض. من دونها: يعني الإبل. وعالج: رمل معروف. والكسع: أن ينضح الماء البارد على ضرع الناقة ليرتفع لبنها، وذلك أقوى لها. يقول: لا تفعل ذلك فإنك لا تدري من ينتجها، لعلك تموت عنها أو يغار عليها فيذهب بها. ويروي أن عمر بن الخطاب كان يجبي السواد مالا عظيما، ثم لم يزل ينقص إلى أن عاد خراجه زمان بني مروان نصف ما كان خلافة عمر. فلما ولى عمر بن عبد العزيز سأل أهل السواد ما العلة في ذلك؟ فقال له رجل من أنباطه: العلة في ذلك أن العمال امتثلوا فينا بيتين لشاعر من شعرائكم، وهما: لا تكسع الشول بأغبارها وأنشده البيتين فأمر عمر بن عبد العزيز أن لا يلزموا إلا ما كان يلزمهم عمر بن الخطاب، ولا يؤخذ منهم إلا ما كان يأخذ، فعاد خراج السواد في أقل مدة إلى ما كان عليه ذلك الزمان.
وأنشد أبو علي:
وللأرض كم من صالح قد تلمأت عليه فوارته بلماعة قفر
ع الشعر لهدبة بن خشرم بن كرز بن حجير ابن أبي حية الكاهن، صاحب العزى وسادنها أحد بني سعد هذيم من قضاعة. وهدبة شاعر إسلامي يكنى أبا عمير قال:
ألا يا لقوم للنوائب والدهر وللمرء يأتي حتفه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد تلمأت عليه فوارته بلماعه قفر
فلا ذا جلال هبنه لجلالهولاذا ضياع هن يتركن للفقر
[ ١ / ٦٣٩ ]
يقال تلمأت وتودأت: بمعنى أي أنضمت عليه ووارته، ويروى تأكمت: أي صارت عليه كالأكمة.
وأنشد أبو علي:
كأن مواقع الظلفات منه مواقع مضرحيات بقار
وأنشد أبو علي:
فما برحت سجواء حتى كأنما بأشراف مقراها مواقع طائر
ع الشعر لجبيهاء الأشجعي، وجبيهاء: لقب وأسمه يزيد بن خيثمة بن عبيد، شاعر بدوي إسلامي. وبعده:
وحتى سمعنا خشف بيضاء جعدة على قدمي مستهدف متقاصر
وحتى تناهي الحالبان وخففا من القبض عن خثم رحاب المناخر
الخشف: الصوت الضعيف. والبيضاء: اللبنة. والجعدة: يعني الرغوة، وقال أبو عمرو: يعني اللبنة المتكسرة في العلبة. والمستهدف المتقاصر: يعني الحالب يقوم قائما فيستهدف، ثم يضع العلبة على فخذيه، ويستقصر ساقيه أي ينقصهما من الأنتصاب. وهذا كما قال ابن عناب:
فما برحت سجواء حتى كأنما تساقط بالزيزاء برسًا مقطعًا
[ ١ / ٦٤٠ ]
وإذا كان الخلف أخثم فذلك من الغزر. ورحاب المناخر: يعني مخارج اللبن من الضرع، أستعارة.
وأنشد أبو علي لأم خالد الخثعمية شعرا، منه:
رأيت لهم سيماء قوم كرهتهم وأهل الغضا قوم على كرام
ع خثعم: لقب، وأسمه أفتل بن أنمار بن إراش بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وخثعم جبل سمى به. وسيمى: مقصور وحكى أبو زيد فيه المد، وهذا البيت له حجة، فإذا زدت الياء مددت فقلت سيمياء. تعني الخثعمية بسيمى قوم أهل الحجاز، وأهل الغضا: أهل نجد، قال قيس بن معاذ:
تمر الصبا صفحًا بساكنة الغضى ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
يعني ساكنة نجد. وأنشد قاسم بن ثابت بعض هذا الشعر لأم الضحاك المحاربية، وزاد بعد قوله: وأنيابه اللاتي جلا ببشام:
وإن نوانا من نوى أهل جحوش كمثل نوى أروية ونعام
ألا ليتني بين القميص وجحوش وإن نالنا من أهله بغرام
وأنشد أبو علي:
كأنما وجهك ظل من حجر ذو خضل في يوم ريح ومطر
ع أنشده ابن الأعرابي لأعرابي من بني فزارة، قال:
أقسم لا تأخذ حقي يا وزر ظلما وعند الله في الظلم الغير
[ ١ / ٦٤١ ]
كأنما وجهك ظل من حجر ابتل في يوم طلال ومطر
وقال ابن قتيبة هذا الشاعر يصف رجلا بالسواد، وشبهه بظل الحجر دون غيره لكثافة ظله، ومثله: سودًا غراييب كأمثال الحجر قال وقال آخر في وصف شاة:
كأن ظل حجر صغراهما وأنشد أبو عثمان:
وجاءت بنو ذهل كان وجوههم إذا حسروا عنها ظلال صخور
وقال ابن الأعرابي في قوله: كأنما وجهك ظل من حجر ظل كل شيء: شخصه، والحجر إذا ضربته الأمطار بان سواده، فيقول كأن سواد وجهك سواد هذا الحجر. فهذا التفسير مخالف لما تقدم. ووصفت أعرابية زوجها فقالت: هو ليث عرينة، وجمل ظعينة، وجوار بحر، وظل صخر، فهذا مدح كما ترى، وصفته بظل الصخر لبرده، فكان المتفيء ذراه لا يناله حر كربة ولا أذى خطب.